لا ميديا -
أنت بالفعل بحاجة إلى راحة نفسية، إلى سعادة تغمر قلبك، إلى نشوة تهتف في أعماقك، إلى رضى يسكنك، إلى سماء تظلك، إلى شعور بالسلام الكبير يجتاح روحك... الأمر ليس بالصعب، إن كنت ممن رزقهم الله من واسع فضله، أو من الذين تعتدل حياتهم المادية بين البسيطة والمتيسرة. إن الصدقة والعطاء في رمضان يجلب لك كل تلك الطمأنينة دون أن تشعر.
ليس الثراء دائماً في كثرة المال، ولا في اتساع الممتلكات، بل قد يكون شعوراً عميقاً بالراحة والسكينة يسكن القلب. كثير من الناس يكتشفون هذا المعنى عندما يطرقون أبواب الفقراء، لا ليأخذوا شيئاً، بل ليعطوا. في تلك اللحظة تتبدل المعادلة؛ فالمعطي في البداية لربما يشعر بالتثاقل عن فعل الخير، أو أنه يقدم مساعدة بسيطة؛ لكنه في الحقيقة يعود بشعور من الغنى النفسي لا يقدر بثمن، ورضا خالقه العلي الكبير.
حين يحمل الإنسان صدقته أو كيساً من الطعام ويتجه به إلى بيت بسيط في حي فقير، يكون الطريق نفسه درساً في التواضع والإنسانية. وما إن يُفتح الباب وتظهر ابتسامة امتنان أو دعوة صادقة من قلب محتاج، يشعر المرء بأن شيئاً داخله قد امتلأ بالطمأنينة. هذه اللحظة تمنح الإنسان راحة قد لا يجدها في كثير من مظاهر الرفاهية.
التصدق ليس مجرد عمل مادي، بل هو علاقة إنسانية تربط بين الناس، وتذكرهم بأن المجتمع يقوم على التكافل والتراحم. طرق أبواب الفقراء يقرّب المسافات بين القلوب، ويعيد للإنسان إحساسه بقيمة العطاء. فهناك فقراء قد لا يطلبون؛ لكنهم يعيشون بصبر وكرامة، وحين تصلهم يد العون يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم.
واللافت أن كثيراً ممن اعتادوا هذا العمل يقولون إنهم هم المستفيدون أولاً؛ إذ يجدون في الصدقة علاجاً للقلق وضيق النفس، ويشعرون بأن حياتهم أصبحت ذات معنى وأكثر بركة. فالعطاء يخفف قسوة الحياة، ويزرع في القلب نوراً من الرضا والسكينة.
لهذا يبقى الغنى الحقيقي هو غنى النفس، والراحة الصادقة قد نجدها أحياناً خلف باب بيت فقير، حين نمد يد الخير بصمت وإخلاص. ففي تلك اللحظة يدرك الإنسان أن أعظم ما يمكن أن يملكه ليس المال، بل قلب يعرف طريق العطاء. لا تنظر إلى المساكين على كثرتهم أنهم مجرد مجموعة من «الشحاتين» الذين امتهنوا الطلب من الناس. ربما يكون البعض كذلك؛ غير أنه في المقابل أسر وأناس سحقتهم الحياة وعرضتهم بحورها وأمواجها للغرق؛ وعند الله ميزان لذلك. فالبلاء لا يتخطى الصدقة، وهي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتجلب البركة في المال والعمر.
إن أثقلتك الهموم تصدق، وإن كثرت عليك الديون تصدق، وإن ابتلاك الله بشيء تصدق... إنها قرينة لكل فرج وباب لرضا الله.