عادل بشر / لا ميديا -
عدوان دموي يستهدف الأبرياء العدوان الذي استهدف محافظات عدة في إيران لم يكن ضربة «جراحية» كما حاولت الدعاية الغربية تصويره، بل طال مدارس وصالات رياضية وأحياء مدنية في 24 محافظة، وأسفر، وفق الهلال الأحمر الإيراني، عن ارتقاء أكثر من 200 شهيد و747 جريحًا، حتى الساعة 8:45 مساءً بتوقيت إيران، من بين الشهداء 86 طالبة، في القصف الأمريكي الصهيوني لثلاث مدارس، فيما ارتقت 20 لاعبة كرة طائرة بغارات استهدفت صالة رياضية. إضافة إلى عشرات الأطفال سالت دماؤهم في تبريز وشيراز وهمدان وطهران وأماكن أخرى من إيران.

«الوعد الصادق 4».. ردّ مباشر بلا إبطاء
لم تنتظر الجمهورية الإسلامية طويلاً. خلال ساعات، انطلقت موجات صاروخية ومسيرات باتجاه عمق فلسطين المحتلة، ودوّت صفارات الإنذار من الجليل إلى ديمونا، ومن حيفا إلى القدس، لتتبعها انفجارات قوية متتالية في مناطق متفرقة بفلسطين المحتلة. وتحدثت سائل إعلام العدو عن إطلاق نحو 200 صاروخ في دفعات متتالية، وإصابة مبانٍ في الشمال والوسط، فيما جرى نقل كبار الوزراء «الإسرائيليين» إلى ملاجئ محصنة تحت الأرض.
الهجوم الإيراني لم يكن عشوائيًا، وفقًا لمحللين غربيين، حيث ركّز على مراكز حساسة في «تل أبيب الكبرى» ومواقع عسكرية وأمنية. والأهم، بحسب المحللين، أن طهران أعلنت للمرة الأولى استخدام صاروخ «فتاح 1» الفرط صوتي، في رسالة استراتيجية مفادها أن قواعد الاشتباك تغيّرت جذريًا.
وأوضح خبراء عسكريون في تحليلات لقنوات إخبارية غربية وعربية، أن إدخال الصواريخ الفرط صوتية إلى المعركة يقلب موازين المواجهة، نظرًا لقدرتها على المناورة بسرعات تفوق 12 إلى 15 ضعف سرعة الصوت، ما يجعل اعتراضها عبر منظومات مثل «باتريوت» و»ثاد» مهمة شبه مستحيلة. مؤكدين بأن إيران سبق وأن نجحت في حرب الـ12 يومًا، العام الماضي في اختراق الدفاعات الصهيونية والأمريكية بعشرات الصواريخ رغم كثافة الاعتراض. وتساءلوا «كيف الحال أمام سلاحٍ لا يمكن التنبؤ بمساره؟».

القواعد الأمريكية في مرمى النار
التحول الأبرز تمثّل في توسيع بنك الأهداف ليشمل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. فالقوات المسلحة الإيرانية لم تكتفِ بضرب عمق الكيان، بل أعلنت استهداف سبع قواعد أمريكية في سبع دول بالمنطقة، ردًا على العدوان «الأمريكي -الإسرائيلي».
ومن جهة أخرى، أفاد مصدر عسكري إيراني لوكالة «تسنيم» الإيرانية، بأنّ إيران استهدفت 14 قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة «حتى الآن» (منذ بدء الرد ولنحو الساعة الرابعة بتوقيت القدس المحتلة من بعد ظهر أمس السبت).

مقر الأسطول الخامس
ففي البحرين استُهدف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في قاعدة «الجفير»، الذي يشرف على عمليات تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي. وضرب هذا المقر يعني استهداف عين واشنطن البحرية في المنطقة.

قاعدة العديد والرادار العملاق
قاعدة العديد الجوية، المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية، كانت في قلب الضربات. وتحدثت طهران عن تدمير الرادار الأمريكي «FP-132» بالكامل، وهو أهم مراكز الرصد والمراقبة الأمريكية في المنطقة بمدى يصل إلى 5000 كيلومتر، مخصص لتعقب الصواريخ الباليستية. وإسقاط هذا «العين الإلكترونية»، وفق الحسابات العسكرية، يعني إعماء جزء أساسي من شبكة الإنذار المبكر الأمريكية في الخليج.
القواعد في الكويت والإمارات
قاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الظفرة جنوب أبوظبي، وميناء جبل علي الذي تستضيف مرافقه البحرية الأمريكية وحاملات طائرات، جميعها كانت ضمن لائحة الاستهداف، في رسالة بأن أي أرض تُستخدم للعدوان ستتحول إلى هدف مشروع.

القواعد في العراق والسعودية والأردن
قاعدة أربيل في إقليم كردستان، وقاعدة الأمير سلطان الجوية جنوب الرياض، وقاعدة موفق السلطي في الأزرق الأردنية، دخلت هي الأخرى مرمى النيران. وتُعد الأخيرة مركزًا رئيسيًا للطائرات المسيّرة الأمريكية، ما يضفي على استهدافها بعدًا استخباراتيًا عميقًا.
في هذا الصدد أبلغت إيران الأمم المتحدة رسميًا أن جميع الأصول الأمريكية و»الإسرائيلية» في المنطقة تُعد أهدافًا عسكرية مشروعة ما دام العدوان مستمرًا. وشدد وزير الخارجية عباس عراقجي خلال تواصله مع نظرائه في الخليج، على أن «منشأ ومصدر العمليات العدوانية» سيُعتبر هدفًا مشروعًا، داعيًا دول المنطقة إلى عدم السماح باستخدام أراضيها للاعتداء.

البحر يغلي ومضيق هرمز على الطاولة
في موازاة التصعيد الجوي والصاروخي، دخل البحر ساحة الاشتباك. تقارير بريطانية وأوروبية تحدثت عن رسائل تحذيرية لسفن في الخليج بشأن إغلاق مضيق هرمز، فيما أشارت إدارة الملاحة الأمريكية إلى ضرورة ابتعاد السفن التجارية عن المنطقة.
ويرى خبراء سياسة واقتصاد أن إغلاق مضيق هرمز، إن تم، يعني زلزالًا في أسواق الطاقة العالمية. وهو خيار طالما لوّحت به طهران في حال تعرّضها لعدوان شامل. موضحين بأنه ومع انتقال المواجهة إلى هذا المستوى، باتت كل الاحتمالات مفتوحة.

الداخل الصهيوني تحت النار
مشاهد الفرار من مطار بن غوريون، وإقلاع عشرات الرحلات نحو أوروبا، كشفت حجم الهلع في الكيان. وأظهرت بيانات الملاحة مغادرة عشرات الطائرات من دون تسجيل وصول، فيما فُتحت محطات القطار الخفيف في «غوش دان» كملاجئ.
وكشفت القناة 12 العبرية عن هبوط طائرة تحمل 180 «إسرائيليًا» في السعودية، في مشهد يطرح تساؤلات حول طبيعة الاصطفافات الإقليمية. أما شركات الطيران العالمية فألغت مئات الرحلات إلى الشرق الأوسط، في مؤشر على اتساع دائرة الخطر.

جاهزية دفاعية
في الداخل الإيراني، أعلنت شبكة الدفاع الجوي «خاتم الأنبياء» إسقاط 12 طائرة مسيّرة «إسرائيلية» من طراز «هرميس» في تبريز وخمين والأهواز وأصفهان.
وهدد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، الولايات المتحدة و»إسرائيل» قائلاً: «لقد حذّرنا من قبل، وها أنتم الآن بدأتم مساراً لم تعد نهايته في أيديكم».
أما وزارة الدفاع الإيرانية فأكدت أن «الوعد الصادق 4» ستستمر حتى هزيمة العدو.
وأوضحت الوزارة، في بيان صدر عقب العدوان الإسرائيلي -الأمريكي على إيران، أن «العدوان الوحشي اليوم من قبل الكيان الصهيوني المجرم والمثير للحروب والإدارة الأمريكية العدوانية والإرهابية على بلدنا العزيز، في خضم الجولة الثالثة من المفاوضات النووية، أثبت للعالم مرة أخرى طبيعة الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية القاتلة للأطفال والإجرامية والمعادية للإنسانية بأن هؤلاء المجرمين لا يلتزمون بأي عهد وأن حقوق الإنسان والقوانين الدولية هي مجرد ألعوبة وذريعة لنهب وقتل شعوب العالم المظلومة».
وأضاف البيان أن «هذا الإجرام والعدوان سيؤديان في الواقع لتشديد مسار إخفاقات أمريكا ومعاقبة واهتزاز الكيان الغاصب للقدس»، مشيراً إلى أن القوات المسلحة الإيرانية «ستواصل، بدعم من الشعب الإيراني الباسل والموحّد، الردّ القاصم والباعث على الندم على هذا العدوان، مثلما أكد القائد العام للقوات المسلحة المقدام آية الله العظمى الإمام الخامنئي».
وفي السياق ذهب مسؤولون إيرانيون أبعد من ذلك بالقول إن ما استُخدم حتى الآن هو من «الجيل القديم» للصواريخ، وأن الأيام المقبلة ستشهد كشف قدرات لم تُعلن من قبل.
هذه التصريحات قرأها خبراء عسكريون بأنها لا تأتي «من باب الدعاية الإعلامية»، في سياق استراتيجية «التدرّج التصاعدي» والتي تتمثل في استخدام أوراق القوة تدريجيًا لرفع كلفة العدوان، مع إبقاء هامش المفاجأة قائمًا.

معادلة الكرامة
المتابع لمسار التطور التكنولوجي الإيراني خلال العقد الأخير يلحظ قفزات نوعية في دقة الإصابة وتكامل المنظومات الصاروخية والمسيّرات. صورة الرادار الأمريكي الضخم الذي جرى تخريبه في القاعدة الأمريكية بقطر، تختصر، وفق الخبراء، مشهدًا أكبر، وهو أن إيران لم تعد هدفًا سهلًا، بل طرف يمتلك أدوات الردع القادر على إصابة أهداف حساسة بدقة مفاجئة.
وأوضحوا بأن موازين القوى العالمية قد لا تكون في صالح طهران على الورق، لكن حسابات الكرامة لا تُقاس بعدد حاملات الطائرات. مؤكدين بأن الرسالة التي أرادت إيران إيصالها واضحة: إذا فُرضت الحرب، فلن تكون نزهة لأحد. المنطقة كلها ستدفع الثمن، من القواعد الأمريكية إلى عمق الكيان، ومن أسواق الطاقة إلى خطوط الملاحة.
وفي المحصلة، يرى محللون بأن مجريات معركة أمس، كشفت بأن المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة، عنوانها كسر الهيمنة الأحادية وفرض معادلات ردع متبادلة. وبينما تتصاعد ألسنة النار في سماء القواعد الأمريكية وفلسطين المحتلة، يتردد صدى عبارة واحدة في طهران: «ردنا الحاسم لم يأتِ بعد».