ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1821)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
إيران في «عين العاصفة».. وحلفاء «شنغهاي» في قفص الاتهام!
بينما تنشغل شاشات «الحياد البارد» في موسكو وبكين برصد ألسنة اللهب التي تعانق سماء طهران، يبرز سؤال السيادة الوطنية عارياً من كل تجميل: هل حقاً نعيش زمن «تعدد الأقطاب»؟! أم أننا أمام قوى عظمى تكتفي بمشاهدة «صمام أمانها» الأخير وهو يُحرق بالذهب والنار؟!
تتحدث الأرقام الصادمة عن واقع يفوق الخيال؛ ففي ظرف 96 ساعة فقط من العدوان، يطالب دونالد ترامب بـ50 مليار دولار لتعويض استنزاف الجيش الأمريكي. نحن لا نتحدث عن حرب تقليدية، بل عن محرقة عسكرية استهلكت في أربع ليالٍ ما يعادل الميزانية السنوية للجيش الهند.
خلف الدخان، تبرز حقيقة صمود دولة محاصرة منذ 40 عاماً، كسرت بصمودها الأسطوري كل التوقعات الجيوسياسية. كان المخطط تحويل إيران إلى «فنزويلا ثانية»؛ تنهار بضربة واحدة؛ لكن بأس طهران استنزف مخازن «حضارة بعل»، وأجبر حاملات الطائرات والمدمرات على التقهقر، ليعود العدو لورقة الخونة والتحريك الانفصالي، في اعتراف ضمني بالعجز عن الحسم العسكري المباشر.
من موسكو، يصرخ ألكسندر دوغين محذراً من الخديعة الكبرى، واصفاً إيران بأنها آخر عقبة أمام الحرب المباشرة ضد روسيا والصين. يرى دوغين أن «الحياد» الصيني و»التردد» الروسي يمثلان خللاً جوهرياً، داعياً إلى مواجهة شاملة تحت اسم «عملية سيف كاتشون» (الرادع اللاهوتي).
بالنسبة لعقل دوغين الروسي (لا عقلية بوتين المخابراتي) فإن سقوط طهران يعني تسليم مفاتيح الطاقة العالمية لواشنطن، وهو ما ينهي أي حلم باستقلال صيني أو روسي لقرن قادم، على الأقل.
المفارقة المؤلمة تكمن في حسابات بكين الباردة. فرغم رصد أقمارها الصناعية (Jilin-1) لتحركات الأمريكيين بدقة، إلا أنها ترفض تزويد حليفتها بمنظومات دفاعية حديثة. الصين، كما يرى المراقبون، تريد إيران «شوكة» في خاصرة أمريكا لتشغلها عنها؛ لكنها ليست مستعدة لخوض حرب سيادية من أجلها.
ومع ذلك، يكشف اللواء الروسي فلاديمير بوبوف عن وجه آخر للعبة: «إيران تحولت إلى ميدان تجارب». يرى بوبوف أن الصين قد تكون حاضرة بالفعل بخبرائها، لا حباً في طهران، بل لاختبار أحدث صواريخها وتقنياتها في مواجهة السلاح الأمريكي المباشر، تماماً كما تفعل روسيا في أوكرانيا.
ليكتفي «أقذر الحلفاء» (روسيا والصين) بالتنديد، ويحتفي «أخبث الجيران» بالحياد ظاهراً والانقياد لواشنطن و«تل أبيب» واقعاً يخدم القاتل ويحتدم المذبحة.
إن وصول الصواريخ الإيرانية إلى قلب المستوطنات المغتصبة غرب الضفة الغربية، والقواعد الأمريكية على ضفة الخليج الغربية، هو فخر لم تفعله أي قوة في المنطقة من قبل. إيران اليوم تقف حائلاً بين «حضارة بعل» وبين أكثر مليار عربي ومسلم سيُساقون كالعبيد بالسوط الأمريكي إذا ما سقطت طهران.
لقد خذلوا غزة، وبيروت، واليوم يبيعون طهران. لكن التاريخ لن يرحم من باع أرضه وعرضه مقابل «حلم» الحماية ولقاء «وهم» الحياد والتخاذل.
من «حقيبة 81» إلى «شريحة 26».. كيف نحمي ظهورنا من غدر الذكاء الاصطناعي؟
التاريخ لا يحابي الغافلين، والسيادة في مفهومها الحديث ليست مجرد صواريخ باليستية تحرس السماء، بل هي يقظة أمنية تحرس الأرض والقرار. منذ أن قرر «الموساد» في «شارع الملك شاؤول» عام 1978 التراجع -رغم أنفه- عن اغتيال الإمام الخميني في باريس، وحتى لحظة استشهاد السيد علي خامنئي بداية 2026، مرت المنطقة بتحولات استخباراتية كبرى حوّلت «الصيّاد» إلى «طريدة» عبر ثقوب الاختراق الداخلي.
تبدأ حكاية الاختراق من ثقب أسود يُعرف بـ»حقيبة كشميري». ففي آب/ أغسطس 1981، تمكن العميل مسعود كشميري -الذي تغلغل حتى أصبح سكرتيراً لمجلس الأمن القومي- من تفجير قادة الثورة ببرود. كانت تلك الحقيبة هي «الجدة الكبرى» لاختراقات اليوم؛ لكن الفارق الجوهري هو تبدل الأدوات.
بالأمس: كان الاختراق بشرياً محضاً (كشميري)، والرد الإيراني صاعقاً (عمليات صور والأرجنتين).
اليوم: تحول الاختراق إلى مزيج هجين بين «الجاسوس البشري» و»الخوارزمية الرقمية».
ما كشفته التقارير المسربة عن كواليس استشهاد السيد الخامنئي يرسم ملامح كابوس تقني غير مسبوق؛ لكنه غير معجزٍ، وليس موثوقاً، فلم يعد العدو بحاجة لضباط «ذوو شعر أشقر»، بل استبدل بهم الاختراق السيبراني الشامل: تحويل أبراج الهاتف المحمول قرب «شارع باستور» إلى أدوات عزل، وشل شبكة الاتصالات الإيرانية بنسبة 99٪ عبر سحابات «أمازون» ونماذج «كلاود» للذكاء الاصطناعي.
العيون الرقمية: اختراق كاميرات المرور والإشارات الضوئية لسنوات، ليس لمراقبة السير، بل لتحليل «عادات الحراس» ورسم خريطة زمنية دقيقة لتحركات القيادة.
غدر «الدائرة اللصيقة»: التكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، تظل بحاجة إلى «تأكيد بشري». التقارير تشير إلى وجود «مصدر» في الدائرة الضيقة أكد دخول المرشد إلى مكتبه قبل القصف بدقائق.
مع ذلك يجب ألا نَسقط في فخ التهويل الذي ينصبه الإعلام الصهيوني؛ فحديثهم عن اختراق الكاميرات قد يكون غطاءً لحماية وسيلة استخباراتية أعمق لا يريدون كشفها.
لا تهويل: «آلة الأهداف» ليست قدراً. العدو الذي يدعي «كليّة القدرة» فشل في التنبؤ بـ»طوفان الأقصى»، ويفشل أمام كل مقاوم لا يترك أثراً رقمياً.
لا تهوين: الاستخفاف بقدرات العدو أو الركن إلى «البركة» هو انتحار أمني. العدو يتعامل مع الخيانة كعلم تجريبي مدعوم بميزانيات فلكية.
إن العبرة المُرة تفرض صياغة معادلة أمنية وطنية جديدة:
التمحيص قبل الحشد: السيادة تبدأ من تطهير الداخل من أي بذور لـ»كشميريين» جدد.
الانفصال الرقمي: كل هاتف ذكي في يد مسؤول سيادي هو «مشروع اغتيال مؤجل». التحصين يبدأ بإنهاء الارتهان للتطبيقات «الناعمة».
الرادار الشعبي: المواطن هو خط الدفاع الأول. وعيه هو الكنز الذي يمنع تجنيد ضعاف النفوس الذين قد يبيعون إحداثيات الوطن بحفنة دولارات.
من حاملات الطائرات إلى سرقة المُسيّرات.. عندما يســـــرق «الكاوبوي» نعل المقاتل المحاصــر!
حين يرتجف وزير الحرب الأمريكي وهو يتلعثم بالحديث عن «ثورة المُسيّرات» في ختام معركة لم يختر توقيتها ولا نهايتها، فاعلم أن وجع «الكي» قد وصل إلى النخاع. لم تكن «جيرالد فورد» وحدها التي لملمت ذيول الخيبة وفرّت بجلدها من جحيم الخليج، بل تلتها «لينكولن»، في ماراثون هروب جماعي لم يشهده التاريخ البحري منذ عصر القرصنة، إلا مع اليمنيين في البحر الأحمر والإيرانيين في خليج فارس. هؤلاء الذين جاؤوا لـ«عولمة» الموت في سواحلنا إسناداً لكيان العدو، وجدوا أنفسهم أهدافاً سهلة في بنك أهداف المحور، التي أجهضت أساطيرهم وحولت حاملات طائراتهم إلى خردة عائمة تبحث عن مأمن، تحت أنظار الوكلاء الذين يرقبون مشهد الهروب بصمت الرعب.
اليوم، يخرج علينا البنتاغون ببدعته الجديدة «لوكاس» (LUCAS). ويا لتعاسة الاختيار وفضيحة التكرار! بعد أن مرغت مسيّرات طهران وبيروت وصنعاء أنف التكنولوجيا الأمريكية في الوحل، لم يجد قوادو العالم بُداً من سرقة تكنولوجيا المحاصَرين. «لوكاس» ليست اختراعاً، بل هي خديعة أمريكية مهندسة عكسياً من روح «شاهد» الإيرانية، في محاولة بائسة لتعويض استنزاف صواريخهم المليونية التي تبخرت وهي تطارد سراب الحديد. إنها لحظة تاريخية مخزية: القوة العظمى تسرق «نعل» المقاتل المحاصر لتصنع منه سلاحاً!
وبينما يسرق الأصيل السلاح، يغرق الوكلاء في المنطقة في نوبة ذعر وجودي. أنظمة الدفاع الجوي الخليجية، التي كُدّست بمليارات الدولارات لتكون مظلة تحمي الخنوع، صارت اليوم تصرخ طلباً للمدد. نراهم يهرعون بذلّ إلى واشنطن لاستجداء مخزونات إضافية من «باتريوت» و«ثاد»، بعد أن التهمت المسيّرات والفرط صوتية مخزوناتهم في ساعات. إنها مفارقة العصر: منظومات بمليارات الدولارات، أصبحت عبئاً اقتصادياً وأضحوكة عسكرية أمام طائرات منخفضة التكلفة لكنها عالية الكرامة، وصواريخ أثقل من الموت وأخف من ريشة على صدر كريم. هؤلاء الوكلاء يدركون اليوم أن مآلهم سيكون كمآل «إيزنهاور»: وحيدين، منبوذين، وعاجزين أمام إرادة الشعوب.
أيها اليانكيون، مهما استنسختم من «شاهد»، فستظلون تفتقدون إلى المشهد البطولي الذي يجعل من المستحيل واقعاً، وما هربت منه حاملاتكم في البحر الأحمر، لن تدركه مسيّراتكم المسروقة في سماء الخليج، ولن تحميه دفاعات وكلائكم المنهارة فوق آبار القاز.
دجالون على صهوة «هرمجدون»: «البعل» الصهيوني يقود «البغل» الأمريكي نحــــو المحرقة
لم يعد الصراع في منطقتنا مجرد تدافع أجندات سياسية أو مصالح نفطية يمكن تسويتها خلف الطاولات المستديرة. نحن اليوم أمام «لاهوت عسكري» متطرف، يتجاوز أروقة البنتاغون ليتمترس خلف نصوص تلمودية، وإنجيلية محرّفة، ترى في إبادة شعوبنا «ضرورة إلهية» لتعجيل نهاية العالم.
تكشف وثائق «مؤسسة الحرية الدينية العسكرية» (MRFF) عن تحول مرعب داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية؛ إذ تحول القادة في أكثر من 30 منشأة إلى «وعاظ» يبشرون بمعركة «هرمجدون». هذا الجنون لا يتوقف عند الرتب الصغيرة، بل يجسده وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، الذي يتبنى في كتابه «الصليبية الأمريكية» خطاباً إقصائياً يعتبر الإسلام عدواً تاريخياً، داعياً إلى استعادة روح الحروب الصليبية. إننا لا نواجه جيشاً نظامياً، بل «كنيسة مدججة بالسلاح» ترى في جثثنا جسراً لعبور مخلصها المنتظر.
تطل النسخة الترامبية كأبشع تجلٍّ لهذا التزاوج بين التقنية العسكرية والخرافة الدينية. ترامب، الذي يراه أتباعه «ممسوحاً بالزيت المقدس»، يمثل ذروة «الغروتيسك» السياسي (القبح المتورم). إنه «المخلص الدجال» الذي يبيع للأمريكيين حقنة «هرمجدون» كحل نهائي، محولاً الصراع مع إيران ومحور المقاومة من ملف سياسي إلى سردية «نهاية الزمان».
وبين «بعل» صهيوني يرى في دمائنا قرباناً، و»بغل» أمريكي يندفع بغريزة القوة نحو حتفه، يبرز الدفاع عن الوجود كفعل وعي أولاً. إن المعركة اليوم هي معركة كشف «الدجل» الذي يحاول تحويل الخرائط السياسية إلى صفحات من «سفر الرؤيا».
ومن لا يملك وعيه السيادي اليوم، سيجد نفسه غداً مجرد «كومبارس» في مسرحية دموية يديرها مهووسون يظنون أن دمار العالم هو الطريق الوحيد لجنّتهم المزعومة.










المصدر «لا» 21 السياسي