مفتتح  «هشمنا الزجاج.. وبقي المسار»
علي عطروس
بين لاهوتٍ مُفخخ بالخرافة، وديمقراطيةٍ سقط قناعها في «أبستين»، نفتح في هذا العدد ملف «البيت الزجاجي» الذي ظن سكانُه أن رصاص الحقيقة لن يدركهم. من عُمق الخارطة التي أعادت «يافا» رسم حدودها بالدم والنار، نسخرُ من مثقفي الريع، ونحتفي بصمود الأسير الذي يرى الحرية أبعد من أسلاكهم الشائكة. هنا «21 أيلول السياسي»، حيث الحقيقة ليست شعاراً، بل رصاصةً في قلب الوهم.


تلاوة «سورة الغرق».. جهراً
يبــدو أن البلطجي «البرتقالي» في البيت الأبيض، ومن خلفـــــــه نتنياهو، الذي باتت كوابيسه تترجم باللكنة الصنعانية، لم يقرؤوا في التاريخ إلا فصول أفلام الأكشن، فظنوا أن البحر مسبحٌ عائلي لبارجاتهم. فاتهم أن للجغرافيا رباً يحميها، وللسيادة رجالاً يطعمون صواريخهم من مرق الأساطيل، ويحوّلون فخر الصناعة الأمريكية إلى خردة عائمة تستجدي سترة نجاة في موانئ دبي والمنامة، وتبحث عن «خبير» يرقّع لها ثقوب الكرامة المنتهكة.
اليوم، وبينما الاقتصاد العالمي يغرق في نوبة «ربو» حادة، يكتشف العالم أن باب المندب ليس مجرد مضيق، بل هو «محبس الغاز» الذي وضعت صنعاء إصبعها عليه؛ ليعلم «السام» أن زمن «عامل المحطة» قد انتهى. فبينما كانت «رويترز» تفك شيفرة الصاروخ اليماني كأنه كائن فضائي، كانت «هآرتس» تلطم خدودها؛ لأن «حفاة الجبال» صاروا «رؤساء مجلس إدارة» النفط العالمي، وبدون بصمتهم، لن يغلي إبريق شاي واحد في مقاهي لندن الباردة!
أعلنها «أبو جبريل» صراحةً: «اليد التي كانت على الزناد بدأت الإطلاق». لم يعد اليمن مكتوف الحلم، بل انتقل من التنسيق إلى العمل المشترك المباشر مع إيران وحزب الله. هي معادلة وحدة الساحات، التي حولت البحر الأحمر إلى ساحة اصطدام لا ترحم. صواريخ صنعاء الباليستية التي دكت «تل أبيب» (يافا) بالاشتراك مع رفاق المحور، ليست مجرد سلاح، بل هي إعلان عن «شرق أوسط جديد» لا مكان فيه للهيمنة الأمريكية، ورسالة إلى «البلطجي» بأن سقف التصعيد مفتوح، وما خفي من مخزون القدرات أعظم.
يسخر المنافقون مما يسمونه «الدروشة»، ويحذرون من «الكارثة»؛ لكن المنطق الإيماني والسياسي يقول: «إذا استُفرد بإيران ولبنان، فاليمن هو الهدف التالي».
الحق لا يصبح باطلاً لأن كلفته باهظة، والكرامة لا تُقايض بـ«بوسة لحية» في البيت الأبيض. لو ذهب اليمن لطلب ود الأمريكي لصفق له المركوسون؛ لكنه اختار ميزان الله؛ ليلة في جنة الخلد تُنسي ألم الصمود، وصاروخ في صدر الاستكبار يُحيي أمةً ميتة. المسألة ليست تهوراً، بل هي جوهر الابتلاء في زمن بيع النفط والكرامة بـ«البرغر» الصهيوني.
يهرع ذلك الصهيوني لرسم خطوط أنابيب من «إيلات» إلى المتوسط، ظاناً أنها طوق النجاة. يهربون من موج البحر ليعلقوا في وحل البر؛ فالأنابيب التي تمر في جغرافيا الرفض الشعبي هي مجرد فتيل إشعال مؤجل. أما سفنهم التي ترفع شعارات «سفن مسلمة» وتتنكر بزي «حاجة» عائدة من مكة، فهي مشهد لكوميديا سوداء تُثبت أن الرادار اليماني يقرأ حتى نوايا الربابنة. «براقعكم» الملاحية لن تشفع لكم؛ فمن كان صهيونياً في الهوى، سيظل هدفاً في المدى.
إنها «الكمّاشة» الاستراتيجية؛ إذ يلتقي غضب باب المندب بصمود هرمز، ليُصاب البلطجي بالصرع الجيوسياسي. 
إما نجاةٌ للجميع بوقف العدوان، وإما تنورٌ يفور من البحر الأخضر إلى الأحمر ليشوي أساطيلكم في وجبة واحدة. والبحر «خبيرنا»، والقادم «خيبرنا» ومقبرتكم الأكيدة.


عُراة «أواكس» على شاطئ سعودي
يبدو أن العالم بات محكوماً بريموت كنترول يقبع في يد مخرج هوليوودي فاشل في منتجع «مار-أ-لاغو»، حيث يقضي البلطجي ترامب جُلّ وقته في مشاهدة إباحية الدمار (Operation Epic Fury). هناك، وبينما تتساقط أوهام الحسم، ينغمس الرئيس المدمن في متابعة مونتاج الانفجارات وتطاير الغبار الإيراني، منتشياً بلقطات فائقة الدقة تُعدّها «سنتكوم» خصيصاً لإبهاره، وكأن دماء الشعوب ليست سوى «بكسلات» في شاشة عرض ضخمة. يغيب العقل ويحضر القاتل السينمائي الذي يرى في الحروب مادة ترفيهية، متناسياً أن الميدان لا يقبل المونتاج، وأن جثث جنوده لن تجد «فلتراً» يُحسّن قبح هزيمتها المدوية.
اكتشفت واشنطن فجأة أن محاربة جيش نظامي تختلف تماماً عن مطاردة «أشباح» في الكهوف. تقرير لـ»التايمز» البريطانية يؤكد أن البنتاغون يعيش صدمة الحرب التقليدية؛ فبدلاً من الألغام البدائية، وجد الأمريكيون أنفسهم أمام سرب «شاهد-136» الذي أخرج 13 قاعدة عن الخدمة.
لقد أصبحت «قاعدة الأمير سلطان» في السعودية مشرحة لفخر الصناعة؛ حيث تحولت طائرة «أواكس إي-3 سينتري» (التي لا يملك العالم منها إلا 16 نسخة) إلى كومة خردة بقيمة 700 مليون دولار بضربة واحدة. أما الرادار الملياري في «أم الدحل» بقطر، فقد صار أثراً بعد عين، ليعترف هيغسيث بمرارة: «نعم، صواريخهم تخترقنا».
بينما يتبجح ترامب بـ«العصر الحجري»، تذكّره «شاهد» الإيرانية والصاروخ اليمني بأننا في عصر النكال التكنولوجي. 7 ملايين متطوع في إيران أعلنوا الجاهزية، بينما يهرب جنود المارينز من قواعدهم ليفترشوا فنادق المنامة ودبي خوفاً من المسيّرات.
إنها حرب استنزاف لم يقرأها ترامب في كتب العقارات؛ إذ إن الطائرة المسيّرة (رخيصة الكلفة) تكلف أمريكا 30 مليون دولار لكل «ريبر» تُسقط، ومليار ونصف المليار دولار كلفة دمار الشهر الأول فقط. واشنطن اليوم تستجدي الذخائر من أوكرانيا لتغطي عوراتها في «الشرق الأوسط»، وترامب يتحدث عن «أسبوعين» لإنهاء الحرب، لا حباً في السلام، بل هرباً من توابيت الجنود الـ13 (مضروباً في مقبرة) والذين سقطوا في أسبوع واحد.
يحاول المجنون الفاسد الهروب إلى الأمام عبر التلويح بغزو جزيرة خارك أو الجزر الثلاث، ظاناً أن السيطرة على النفط هي طوق النجاة.
تؤكد «الإيكونومست» أن احتلال «خارك» سيفجر الاقتصاد العالمي ويجعل القوات الأمريكية أهدافاً مكشوفة للدراجات النارية والقوارب السريعة. إيران، التي صمدت 40 عاماً تحت الحصار، طورت اقتصاد الحرب وأسلحة الجسارة، وهي مستعدة لتحويل المنطقة إلى أرض محروقة قبل أن تفتح «محبس هرمز» بأمر أمريكي.
بين بروفة حرب البنى التحتية واستهداف الجسور في كرج، وبين استجداء التفاوض عبر الوسيط الباكستاني، يظهر التخبط الأمريكي. ترامب يريد اتفاقاً سريعاً يحفظ ماء وجهه قبل انتخابات التجديد النصفي، لكن محور المقاومة يدرك أن الهيبة الإمبراطورية قد سقطت في وحل المندب وهرمز. أياً كان خيار ترامب، فالتقدم يعني «فيتنام جديدة»، والتراجع يعني السقوط المدوّي. والأيامُ كرٌّ وفر.


سلالاتُ الوهم وفضيحةُ البيتِ الزجاجي
حين قال الثائر الفيتنامي ذات يوم: «تقتلون منا مئة ونقتل منكم واحداً... وفي النهاية سننتصر»، لم يكن يتحدث عن لغة الأرقام، بل عن روح الحرية التي لا يفهمها «البزنس» الأمريكي. اليوم، يعيد التاريخ نفسه بلكنة مختلفة؛ إذ يقف البلطجي ترامب على حافة «خارك»، ليأتيه الرد من قلب طهران: «قرار الإرسال بيدك؛ لكن قرار العودة ليس لك، فلا أحد يعود من الجحيم». يتحدث ترامب عن «نهاية الحرب» عشرات المرات، في مونولوج عبثي يعكس حالة الزهايمر الاستراتيجي؛ فتارة: الحرب انتهت، وتارة: ستنتهي! الحقيقة أن النهاية الوحيدة التي يقترب منها هي نهاية الهيبة الأمريكية، التي سحلتها المقاومة الممتدة من إيران والمتقدة في اليمن والمحتدة في لبنان صواريخ عزة وتواريخ كرامة.
إنها المواجهة بين من يملك تكنولوجيا الانفجار، ومن يملك إرادة البقاء، وبين نتنياهو الذي يعيش خطاب الغرور للمرة الألف، بينما يدرك لابيد وصهاينة الداخل أن الحسم الاستراتيجي بات أبعد عليهم من عين الشمس.
ويا لسخرية القدر! تلك «الدولة» التي قامت على أسطورة «الشعب المختار» تنهار اليوم أمام اختبار (DNA)؛ إذ يكتشف العالم أن 97٪ من المستوطنين لا علاقة لهم بالسامية القديمة، بل هم مجرد شتات هجين يبحث في المختبرات عن شرعية مسروقة. وفي المستنقع الترامبي، تتكشف الفضائح كأوراق الخريف؛ من سارة نتنياهو الغارقة في وحل «إبستين»، إلى اعترافات قادة الاستخبارات الأمريكية بأن «داعش» لم تكن سوى «صناعة يدوية» لخدمة الكيان.
ترامب الذي يتباهى بتودد «الصيصان» له، يواجه اليوم حقيقة أن «الأواكس»، مفخرة التكنولوجيا الأمريكية، لم يسقطها صاروخ إيراني (حسب زعم «سنتكوم»)، بل أسقطها «انسداد في أنبوب غسالة الأطباق» بمطبخ الطائرة! يا للهول! إمبراطورية تُحكم من المطبخ وتسقطها «الصحون المتسخة»!


لاهوتُ البالوعة.. صلواتُ الموت في كنيس خرافة
يبدو أن العالم لم يعد محكوماً بقوانين دولية، بل بخزعبلات تُستحلب من هوامش الكتب الصفراء. في واشنطن اليوم، خلع الجنرالات بزاتهم العسكرية ليرتدوا ثياب الرهبان المزيّفين، وتحول البنتاغون من غرفة عمليات إلى مفقس للحملات الصليبية الجديدة. نحن أمام نموذج متطرف من تديين الصراع، إذ يطل علينا وزير الحرب، بيت هيغسيث، -المهووس بوشم صليب القدس وشعار (Deus Vult)- ليس كقائد عسكري، بل كـ»فارس هيكل» معاصر جاء ليغسل آثامه وسوابقه في التحرش بدماء الشعوب، واعداً سيده «البرتقالي» بنصرٍ إلهيٍّ يُكتب بالمنشار لا بالدبلوماسية.
إنها الخرافة التي تُغلف بآيات «سفر أستير» المحرفة؛ إذ يخرج الدجالون أمثال فرانكلين غراهام ليقلبوا الحقائق؛ يتباكون من فُرسٍ أرادوا ذبح اليهود، بينما يخبرنا التاريخ ونصوصهم ذاتها أن الضحايا المزعومين ذبحوا 75 ألف فارسي في يوم واحد! هي ذاتها بولا وايت التي تشبّه ترامب بالمسيح لأنه «قام من بين الموتى» السياسيين، وكأن البيت الأبيض صار كنيسة قيامة مزيفة لغسيل أموال إبستين وفضائح سارة نتنياهو. إنهم يستحضرون اللاهوت حين يعجز «الناسوت» عن المواجهة، ويهربون إلى الأساطير لأن الميدان في غزة ولبنان واليمن وإيران صار عصفاً مأكولاً يحول بوارجهم إلى قطع خردة تستدعي الرب لينجيها من بأس المؤمنين.
لم يعد هيغسيث مجرد وجه تلفزيوني، بل صار خطيئة تمشي على قدمين في أروقة الدفاع. الرجل الذي لم تلملم فضائح اعتدائه الجنسي سوى تسويات مالية، ويطمح اليوم لتسوية حساباته مع التاريخ بقصف «ميناب» وملاحقة أطفال إيران.
واشنطن، التي تتشدق بالحداثة، تسلم حقيبة حربها لمراهق عقائدي يرى في قصف المدارس مهمة إلهية. إن النزعة العدوانية التي يسقطها قبل أن يفتح فمه، ليست إلا انعكاساً لداء قديم: الإيمان الراسخ بأن العالم عجينة يشكلها البلطجي كما يشاء، متناسياً أن صلوات المتحرشين لا تصعد للسماء، بل تظل عالقة في بالوعة مار-أ-لاغو.
في قراءة مرعبة لفصل منسي من التوراة، تخرج لنا «هآرتس» بقصة «عريس الدم»؛ إله ينقضّ ليلاً ليقتل نبيه بلا سبب! هذا «الرعب» القوطي هو المحرك الفعلي لعقيدة القتل الصهيونية.
إذا كان ربهم في نصوصهم المحرفة «كياناً عنيفاً قاتلاً» يهدأ فقط بطقوس السحر والدم، فلا عجب أن نرى نتنياهو يرقص فوق جثث الأطفال في غزة. إنهم يجسدون الإله الذئب، الذي ينهش كل ما يعترض طريقه، ثم يتحدثون عن القيم. العقيدة بالنسبة لهؤلاء هي بحر من الدم يقدمونه قرباناً لـ«سفر أستير» الغائب عنه اسم الله، والحاضر فيه جنون العظمة.
وصل الدجل إلى ذروته بتشبيه ترامب بالمسيح؛ «الرئيس الذي غُدر به فقام». يحاول فريق إبستين تحريف كل شيء لجذب أنصار الجهل لتمويل حربٍ لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل.
ترامب، الذي توعد بإعادة إيران إلى العصر الحجري بعد جرعة دجل مكثفة، ينسى أن عصر الحجارة هو العصر الذي يتقنه أطفال الحجارة وصنّاع المسيّرات بسيطة الكلفة عظيمة النكال. إنها حملتهم الصليبية التي يقودها متحرشون يبحثون عن صكوك غفران في آبار النفط؛ لكنهم لن يجدوا إلا «التنور» الذي سيسجر بحارهم.


حين تمرِّغ إيرانُ أنفَ البلطجي في رمال هرمز
خرج العجوز المختل ليعلن انتصاره، فصفعه النفط بارتفاع 5٪ في ربع ساعة! أمريكا التي أطلقت 2304 صواريخ «توماهوك» في كل حروبها عبر التاريخ، استهلكت ثلث هذا المخزون (805 صواريخ) ضد إيران في شهر واحد وبتكلفة تجاوزت 3 مليارات دولار. هذا ليس مجرد رقم، بل هو شهادة وفاة للهيبة القهرية، ودليل ناصع على صمودٍ تجاوز الشهر، محطماً أوهام سيناريو العراق 2003.
نحن أمام رئيس تافه يدعي انتصاراً تاريخياً ثم يستجدي التفاوض! هل سمعتم بمنتصر يرجو المنهزم للوصول لاتفاق؟! إنه ترامب، الذي لا يخيف أحداً سوى «الأرانب» من عرب الخدمة، بينما يرى فيه العالم شريراً ضعيفاً يفتقد لذكاء كيسنجر أو دهاء رامسفيلد. لقد اضمحلت أمريكا لدرجة أنها لم تعد تخيف حتى كلبها الوفي (بريطانيا)، التي تخلت عنها لأول مرة، بينما تقف فرنسا وإيطاليا وإسبانيا لتشاهد واشنطن وهي تحفر قبرها بيديها في مضيق هرمز.
ترامب، الذي وعد بفتح المضيق في 48 ساعة، يخرج اليوم ليقول بصوتٍ متهدج: «المضيق ممركم؛ افتحوه بأنفسكم!».
هو اعتراف بالعجز العسكري البحري. إيران لم تسقط، بل أعادت تعريف الجغرافيا، حولت الجبال إلى سلاسل حماية، والمضايق نار داخلية. أما ترامب، المجذوب، فيحاول تعويض فشل الميدان بضجيج التصريحات، بينما تتحول كرامة أمريكا إلى دولة موز تُقصف مصالحها في كل مكان.
بين غزو بري للجزر (بـ20 ألف جندي مقابل 6 ملايين متطوع إيراني وألوف الألغام) أو مهمة هوليوودية لانتزاع اليورانيوم من أعماق الزاجروس، يواجه اليانكي مغامرة برية ستكون فضيحة القرن. تخيلوا النزول الجوي الذي سينتهي بسحل المارينز في الصحراء وعرضهم كأسرى مهانين! حينها ستتحول فنزويلا ترامب إلى صومال جديدة تمحو نفوذ واشنطن للأبد، وتخرج إيران كوريث شرعي وحيد للهيمنة في الخليج، متحكمةً ليس فقط بالماء، بل بعروش العبيد وآبار نفطهم.
بينما يصرخ ترامب بـ«الغضب الملحمي»، تنشط منصات التنبؤ الرقمي (Polymarket) لجني المليارات من تقلبات الأسعار. هي حرب «بزنس» يقودها متحرشون ونرجسيون. خطاب الـ19 دقيقة، الذي تجاهل مصير اليورانيوم، والقواعد المدمرة، وروسيا والصين، أثبت أن القائد الأعلى للقوات المسلحة منفصل عن الواقع، باعتراف 37 طبيباً نفسياً. إنه الرئيس الذي سيسلم القيادة العالمية لمحور الصين-روسيا، وهو يظن أنه يعيد الهيبة لـ«عظمة أمريكا».
نحن أمام «شرق أوسط جديد» يتشكل بالبارود لا بالوعود. إيران تعلم أن عليها الآن توسيع الحرب لرفع كلفة الجنون الأمريكي، وبناء معادلة: نجاة إيران أو هلاك الكل. وفي هذا العالم الجديد، سيغدو العدو العبري مجرد قوة هامشية، والخليج غنيمة رخيصة، بينما يخلد ترامب في التاريخ باعتباره الرئيس التافه الذي أضاع الإمبراطورية في لحظة حماقة.


الخوارزمية الإيرانية تسحق غطرسة «وادي السيليكــــــون»
لطالما سجن الغرب إيران في مخيلته الاستشراقية بين نسيج السجاد وبيوت الشعر؛ لكن إيران اليوم تخرج من عباءة التاريخ لتقتحم مستقبل التكنولوجيا من أوسع أبوابه. لم تعد القصة مجرد صواريخ تزمجر، بل هي ثورة معرفية تجعل من طهران الرقم الصعب في معادلة الردع العالمي، محولةً سنوات الحصار إلى مختبر كوني للاكتفاء الذاتي.
العلم يتحدث فارسياً، بينما كان البعض يسخر من قدرات الدولة المحاصرة. صعدت إيران لتتفوق على عمالقة مثل اليابان وألمانيا في مجالات حاسمة. لم يعد هذا ادعاءً إنشائياً، بل حقيقة توثقها مؤشرات (Nature Index) و(ASPI)؛ إذ تحتل إيران المرتبة الخامسة عالمياً في تقنيات المحركات فرط الصوتية والمواد النانوية. لقد وصلت جامعتا «شريف» و»طهران» إلى مرحلة من النضج التقني تجعل من العودة للمشروع النووي -إن أرادت- مجرد نزهة قصيرة. إيران اليوم هي «نادي النخبة» الذي يصنع أقماره الصناعية ويطلقها بصواريخ محلية الصنع، في وقتٍ لا تزال فيه قوى كبرى تستورد تكنولوجيتها من خلف البحار.
لقد ولى زمن الرد العسكري التقليدي وحده؛ فاليوم يرسم حرس الثورة معادلة ردع نوعية: «كل اغتيال لقائد سيقابله استهداف لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي». إنه ضرب للعقل الذي يدير الاغتيالات، قبل اليد التي تنفذها. عندما تدخل شركات مثل (Nvidia وGoogle) و(Palantir) بنك الأهداف الإيراني، فإن طهران تضرب العمود الفقري للتفوق الأمريكي. هي رسالة واضحة إلى مهندسي البرمجيات في وادي السيليكون: أنتم شركاء في الجريمة، ومقاركم أهداف مشروعة.
وفي جبهة الخفاء الرقمي، يخوض «القراصنة» الإيرانيون معاركهم ببراعة فائقة. وبينما كانت صفارات الإنذار تدوي فوق الكيان، كانت رسائل «الموت يقترب منك» تخترق هواتف المستوطنين، مخلفةً رعباً نفسياً يتجاوز أثر الانفجارات. من اختراق هاتف رئيس الموساد إلى تجميد أجهزة شركة «سترايكر» الأمريكية، يثبت الذكاء الإيراني –الذي تضع الإحصائيات الدولية معدلاته فوق معدلات «إسرائيل» وأمريكا– أن التفوق التقني لم يعد حكراً على من يملك المال، بل لمن يملك الإرادة والابتكار تحت الضغط.
إن قراءة كتاب «محور الإمبراطورية» لأفشين أصغري، تذكرنا بأن هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو صراع ممتد منذ انقلاب 1953 الذي أسقط فيه «مصدق» برهانٍ خاطئ على «البراءة الأمريكية». اليوم، إيران لا تراهن على براءة واشنطن، بل على عجزها. هي دولة تعلمت كيف تتنفس في أجواء الاختناق، وكيف تحول العقوبات إلى محرك لإنتاج الوقود الحيوي والمواد الذكية.
إيران اليوم ليست مجرد دبابة في ساحة حرب، بل هي خوارزمية معقدة ومختبر نانو متطور. المواجهة الحالية هي بين الأعلى ذكاءً الذي يصنع معجزته من العدم، والأقل ذكاءً الذي يظن أن غسالة أطباق في طائرة «أواكس» يمكنها حماية إمبراطورية متآكلة. وكما كتب «قراصنة» الحرس على شاشات أعدائهم: «الخيار لكم؛ ولكن النتائج لنا».


وهم الاستخلاج.. وانكشاف عورة الرفاه الزائف
مع اشتعال النيران في محيط القواعد الأمريكية، يخرج علينا مثقفو الريع ببدعة «الاستخلاج»، يتباكون على صورتهم النمطية ويسألون بسذاجة أمريكية: لماذا يكرهوننا؟! والحقيقة أن الشعوب تمقت النموذج الذي حوّل أوطاناً إلى منصات إطلاق ومحافظ مالية لتمويل حروب الإبادة.
يحاول هؤلاء اختراع هوية ثقافية منفصلة، وكأن «الكبسة» كافية لصناعة ذاكرة! الحقيقة أن «الخليجية» هوية سياسية هشّة صممها الغرب لمحاصرة المقاومة وحماية «إسرائيل». عقالات تشتري سلاحاً لا يطلق رصاصة إلا في صدور العرب، وتتوهم أمناً تبخر عند أول رد إيراني.
وصلت الكوميديا السوداء ذروتها؛ فبعد أن فرّ الجنود والضباط الأمريكيون من قواعدهم خوفاً من الصواريخ، وبعد أن طاردتهم المسيّرات في الفنادق الفخمة، نُقلوا الآن إلى القصور الملكية في الرياض وأبوظبي والمنامة!
جنود «القوة العظمى» الذين جاؤوا لحماية العروش، باتوا اليوم يستجيرون بأسرّة الملوك وغرف نومهم! يا له من مشهد جنائزي مضحك! الحامي يختبئ في قصر المحمي؛ فمن يحمي من؟!
لم يعد الأمر مجرد «تسهيلات»؛ فإسقاط مسيّرتين من طراز «وينغ لونغ 2» الصينية فوق شيراز كشف المستور. هذا الطراز لا يملكه في المنطقة إلا السعودية والإمارات، ما يعني دخولهما الفعلي في الحرب. لقد انتهى زمن الأمن المستورد؛ فمن يرسل مسيّراته نحو طهران، عليه أن يستعد لاستقبال «سجيل» و«خرمشهر» في قلب أبراج الزجاج ومحطات التحلية التي ستتحول إلى رماد.
اليوم، يسقط القناع عن «الصديق» ترامب. في ميامي، وبوقاحة منقطعة النظير، يصف ولي العهد السعودي بـ«المحارب»، ثم يقهقه أمام مساعديه قائلاً: «بات لزاماً عليه أن يقبّل مؤخرتي»!
هذا هو ترامب؛ يرى في العرب صرافاً آلياً و«شوالة» من السبعينيات تفيض أموالاً. يطالب بـ200 مليار دولار كجزية لحرب أشعلها هو ونتنياهو، ويهدد بمحو البنية التحتية الإيرانية، مدركاً أن الرد سيمحو مدن الكرتون الخليجية، ليعيدها إلى العصر الحجري فعلاً.
السيادة لا تُستورد من واشنطن، والأمن لا يحميه مرتزقة «بلاك ووتر». الرياض وأبوظبي أمام لحظة الحقيقة: إما العودة إلى حضن الجغرافيا والشرف (إن كانوا لا يزالون يتذكرونه)، وإما البقاء مجرد رقم في فاتورة الجزية القادمة لترامب الذي لا يرى فيهم سوى ضحايا صامتين بانتظار الذبح. إما أن تكون عربياً بسندك وتاريخك، وإما أن تبقى خليجياً بمفهوم ترامب؛ مجرد كائن ريعي يدفع ثمن دمار نفسه.


مقصلة اللقطاء ومشنقة الإبادة المشرعنة
في لحظة مشحونة بالدم والرمزية، اختار الكنيست الصهيوني ذكرى يوم الأرض (30 مارس) ليمرر قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. لم يكن التوقيت عبثاً، بل هو إعلان رسمي عن انتقال الكيان من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة الاستعراض بالقتل، محولاً القانون من أداة للعدالة إلى مقصلة سياسية يُديرها إرهابيون سابقون، صاروا اليوم وزراء يطرقون زجاج الشمبانيا احتفالاً بسفك الدماء.
كيف لا يمر هذا القانون والكيان يُديره إرهابيون فعليون، بشهادة مدير الشاباك الأسبق؟! نحن أمام سموتريتش الذي يحمل إرث الإرهاب اليهودي، وبن غفير الذي طارد رابين قبل اغتياله... اليوم، تحولت أدوات الكيان العبري إلى وسائل إعدام لتنفيذ رؤيتهم التلمودية. قانون الإعدام ليس إجراءً تقنياً، بل هو شرعنة للإبادة؛ يبدأ بخطاب كراهية، يمر عبر تشريع عنصري، وينتهي بجسد أسير معلق في سجون تحولت بشهادة «بتسيلم» إلى «قطعة من جهنم».
ما شرعه الكنيست هو بنية إهلاك ممنهجة: إعدام خلال 90 يوماً، غياب للاستئناف، وجلاد مجهول الهوية بحصانة كاملة. إنه نظام المقصلة، الذي يستهدف 9500 أسير، بينهم أطفال ونساء، يتعرضون يومياً للقتل البطيء تحت التعذيب.
والأنكى أنهم يبررون هذا المقت بتزوير التوراة؛ إذ يماهون بين الفلسطيني المقاوم وصورة «المخرب» في أساطيرهم القديمة، ليشرعنوا استئصاله كـ»خطر وجودي» بالفطرة.
لكن، هل نلوم العدو وهو عدو؟! أم نلوم الخنازير التي ارتضت الدنية في دينها وعروبتها؟! تصفية الأسرى ليست موضوع اليوم، بل بدأت منذ 2007، حين حاصر العرب قبل العجم قطاع غزة، وتركوا أهله للموت والاعتقال.
وبينما كان بن غفير يرقص طرباً بالقانون، كان أراذل البلاط العربي يرقصون في مهرجانات الترفيه، ويؤجرون قواعدهم العسكرية للأمريكي ليضرب إيران واليمن ولبنان. خذلوا «السُّنّة» في غزة، ثم خذلوا «الشيعة» في إيران؛ ليس لأسباب مذهبية، بل لأنهم يرتعدون من أي نسخة إسلامية تقول «لا» لأسيادهم في واشنطن.
قانون الإعدام لن يحقق للكيان الأمن الذي ينشده، بل سيفتح أبواب الجحيم التي لن تغلقها «غسالات أطباق» ترامب ولا شمبانيا سارة نتنياهو. إنها بداية لمسار أكثر قسوة، إذ يتحول القانون إلى إدارة للموت، وتصبح دماء الأسرى هي الوقود الذي سيحرق نظام المقصلة ومن تواطأ معه من أعراب الردة.