دمشق - خاص / لا ميديا -
كل الدلائل والمعلومات، باتت تؤشر إلى أن سورية مقبلة على تغيرات جوهرية في هرم «السلطة الجديدة» ومؤسسات الدولة، والأهم في نهجها المعروف عنها منذ وصولها إلى الحكم، بعد انهيار سلطة الرئيس بشار الأسد، في 8 كانون الأول عام 2024.
المعلومات تؤكد أن إشارة التغيير أعطيت، بانتظار بدء الخطوات التنفيذية لمعرفة كيف سيكون التغيير، والمدى الذي سيذهب إليه، لبدء مرحلة جديدة، ترسم خريطة البلاد للسنوات المقبلة، لتبدو سورية اليوم، وهي تقف على مفترق طرق حقيقي، يمتد ليشمل بنية الحكم، والعلاقات الخارجية، وسبل العيش اليومية للمواطنين، الذين أنهكتهم الأزمات المتتالية.
أول ما هو متوقع في التغيير، الحديث يجري عن حكومة جديدة تكون أكثر شمولية وتمثيلاً للمجتمع السوري المتنوع، وهو ما افتقدته الحكومة الأولى التي تم تشكيلها بعد التغيير الدراماتيكي الذي حصل في سورية، والتي كانت كلها من لون واحد، وضمت فقط أعضاء من «حركة تحرير الشام (جبهة النصرة -القاعدة)»، والحكومة الثانية (الحالية) والتي بقيت بمعظمها من نفس لون الحكومة التي سبقتها، مع تغيير طفيف في بعض المناصب الوزارية الخدمية، وغير السيادية، وهو ما أوجد شعورا، لدى غالبية شرائح المجتمع السوري، بأنها لا تمثلهم.
كما يتوقع، دعوة مجلس الشعب، الذي تم (اختيار) أعضائه، في 5 تشرين/ أكتوبر 2025، حيث تم اختيار 140 عضوًا، من أصل 210 أعضاء، من قبل لجان محلية خاصة بالانتخابات، عبر نظام مجمع انتخابي قائم على الدوائر، على أن يتم اختيار الأعضاء السبعين المتبقين، من قبل رئيس السلطة، لكن حتى الآن لم يتم استكمال تسمية بقية الأعضاء، ولم يدع المجلس للانعقاد، وممارسة مهامه التشريعية والرقابة، على السلطة التنفيذية.
التغيير المتوقع، لن يقتصر على مؤسسات السلطة، وإنما حتى على بنيتها الدستورية والقانونية، حيث يتوقع إجراء تعديلات جوهرية، في البيان الدستوري المؤقت، الذي أثيرت حوله ملاحظات عديدة، منها تركيز السلطات بيد رئيس السلطة، وإلغاء منصب رئيس مجلس الوزراء، لتصبح التعديلات المتوقعة، أكثر مواءمة لخصوصية الشعب السوري التعددي.
كما لا يستبعد الدعوة لعقد مؤتمر وطني موسع، يضع الأسس لبناء مؤسسات الدولة، وصياغة هويتها وتوجهاتها، وتشكيل لجنة لكتابة دستور دائم للبلاد، وإنتاج مؤسسات الحكم، وفق انتخابات معترف بها.
أيضاً لا يمكن تجاهل حجم التحديات الداخلية، التي تواجه السلطة وتتطلب التغيير، وفي مقدمتها الفساد المستشري في أجهزة السلطة، والبيروقراطية التي ترهق كاهل المواطنين، وعدم الرفع الكامل للعقوبات الأمريكية والغربية، وحالة القلق، وعدم الشعور بالأمان التي تواجهها شرائح كثيرة في المجتمع السوري، وازدياد اللغة الطائفية وخطاب الكراهية، التي يقوم بها شخصيات وفئات محسوبون على السلطة، وبدون أن تتم محاسبتها، وكذلك الانقسام السياسي والاجتماعي، وهو ما يتطلب إجراء تغيير حقيقي في بنية السلطة، وذهنية الحكم، وهذا يتطلب حلولا سياسية شاملة، وإرادة داخلية وخارجية.
التغيير في دمشق لن يكون لأسباب داخلية فقط، وإنما لأسباب خارجية أيضاً، أملتها تركيبة السلطة الحالية، والطريقة التي وصلت بها إلى الحكم، وفق ترتيبات إقليمية ودولية، وبالتالي فهي تقف أمام عوامل خارجية، لا يمكن تجاهلها، وإغفال مطالبها من السلطة، حتى يتم قبولها، والاعتراف بها خارجياً، كممثل للشعب السوري، وهو ما ظهر في كل الزيارات، والمحطات الخارجية، التي قام بها رئيس السلطة (أبو محمد الجولاني) وخاصة إلى واشنطن، وعواصم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حيث برز في كل هذه الزيارات، المطالب بتشكل حكومة جامعة، تمثل كل المجتمع السوري، وحماية الأقليات؛ خاصة بعد المجازر والأحداث التي وقعت في الساحل السوري، بحق المكون العلوي، وفي السويداء بحق الدروز، وفي الشمال الشرقي حيث الأكراد، وفي تفجير الكنيسة في دمشق، وآخرها الأحداث التي وقعت في مدينة السقيلبية، في ريف حماه الغربي، وذات الأغلبية المسيحية.
إضافة إلى ذلك، فقد أعطيت السلطة، فرصا كثيرة وعديدة، لتثبيت سلطتها، وأعطيت الوقت والمهل لتنفيذ ماهو مطلوب منها، وكان أبرز ما تم بهذا الخصوص، هو رفع اسم رئيس السلطة (الجولاني) ووزير داخليته أنس خطاب، من قوائم الأمم المتحدة للشخصيات الإرهابية، كما تم تحفيف العقوبات الأمريكية، ومنها «قانون قيصر»، الذي وضع بحق السلطة السابقة، بقيادة الرئيس بشار الأسد، وأيضا العقوبات الأوربية والأممية.
كما أن العدوان الأمريكي -«الإسرائيلي»، ضد إيران، لن يكون بعيداً عن التأثيرات المتوقعة على التغيير في سورية، رغم ظهورها حالياً، وكأنها بعيدة عن هذه الحرب، لكن طبيعة الصراع، وعلاقته بسورية الحالية، يجعلها في قلب الصراع، خاصة في حال تطور، وتدخلت فيه أطراف خارجية، إذ إن السلطة الحالية معادية لإيران ومنظومتها، لكنها تدرك بأن انتصار «إسرائيل» والولايات المتحدة سيكون له تأثيرات سلبية كثيرة على الوضع في سورية، وسيزيد من الهيمنة «الإسرائيلية» عليها.
كل هذه الأسباب، الداخلية والخارجية، تجعل الظروف مناسبة، لإجراء تغيير في بنية السلطة السورية، وفي مؤسسات الحكم، وقيادة الدولة، إضافة إلى حاجة هذه السلطة، لاستكمال شرعيتها الدستورية والقانونية، حيث تتعامل معها كل الأطراف الخارجية، على أنها سلطة انتقالية مؤقتة، كما ينظر إليها الداخل السوري، على أنها لا تمتلك الشرعية الدستورية، لاتخاذ ما تقوم به من إجراءات وسياسات، تثير حساسية فئات واسعة من المجتمع، لأنها تتم وفق سلطة الأمر الواقع، وفي غياب المؤسسات التشريعية والتنفيذية والرقابية، وهو ما يتطلب سلطة شرعية ومنتخبة، لاتزال مفقودة حتى الآن.
في الخلاصة، سورية تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، تتطلب التغيير، خاصة وأن كل الظروف باتت مواتية ومطلوبة، لاتخاذ قرارات سياسية واقتصادية جريئة، مسنودة بدعم إقليمي ودولي حقيقي، وليس مجرد بيانات، ووعود ومشاريع على الورق.
ورغم التفاؤل الحذر، الذي يبديه السوريون، ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، للوصول إلى محطته النهائية، لكن الشعب السوري، يأمل أن يرى البداية الحقيقية، لإنتاج دستور ومؤسسات سلطة، تضع الأسس الصحيحة لهوية سورية الوطنية والقومية، وبما بتناسب مع خصوصيتها، كدولة وكشعب، وأن تبدأ معها إعادة البناء والإعمار، للإنسان وللمجتمع السوري، قبل الحجر والعمران.