استطلاع: بشرى الغيلي / لا ميديا -
يستيقظ محمد يوسف، طالب في الصف التاسع، بصعوبة، جسده المنهك يرتجف من الزكام بعد ليلة سهر وقلق استعداداً للاختبار الوزاري. خارج نافذته في أرياف المحويت، لم يسمع صياح الديك، بل الأمطار وسط تخوف من تدفق السيول الجارفة التي قطعت الطريق نحو مدرسة النصر. رغم مرضه، خاض محمد طريق الموت في الطين والمطر البارد، ليجتاز اختبار الطبيعة القاسي للنجاة قبل أن يجلس أمام ورقة الوزارة.. وهي المعاناة التي التفتت إليها «صحيفة لا»، حيث ناقشت هذا التزامن الحرج بين موعد الاختبارات وموسم الأمطار والسيول، وسلطت الضوء على أهمية هذه المشكلة وما يكابده الطلاب للوصول إلى قاعات الاختبار..
وداعاً للفوضى
وفي خضم هذا المشهد يوضح وكيل وزارة التربية لقطاع التعليم الأساسي هادي عمار لـ»لا» أن 521,463 طالبا وطالبة توجهوا لأداء اختبارات الشهادة العامة بمرحلتيها في 4331 مركزا، منهم 302,231 في المرحلة الأساسية و219,232 في الثانوية، توزعوا على 2755 مركزا بإدارة 65 ألف كادر تربوي ومساندة أمنية ومحلية.
وأشار وكيل الوزارة إلى وجود تغيير حقيقي وتنظيم هادئ في اختبارات الشهادة العامة خلال العام الجاري، عبر مسؤولي الكنترول بعيدا عن الازدحام المعهود على أبواب المراكز الذي كان يشبه المواسم الانتخابية.

طريق الاختبارات من مجرى السيل
تتقاطع جداول الاختبارات الوزارية هذا العام بشكل مباشر مع موسم الأمطار في اليمن.. ورحلة الوصول لقاعات الاختبار في أرياف ريمة وحجة وتعز والمحويت وغيرها أصبحت اختبارا يوميا للطلاب وسط تدفق السيول والانزلاقات الطينية.
في ريمة يقف الطالب عبدالرحمن (ثالث ثانوي) أمام وادٍ في طريقه إلى مدرسة الجيل الجديد الأساسية الثانوية بمديرية الجعفرية السندسية.. ويؤكد أن التحدي الفعلي ليس في أسئلة المنهج بل في عبور الوادي: «السيل يتدفق ونضطر لرفع دفاترنا فوق رؤوسنا لحمايتها نصل قاعة الاختبار أحيانا بملابس مبللة وأطراف ترتجف بردا».
وفي مبين بحجة تصف فاطمة (تاسع) يومياتها مع المطر.. أصيبت بزكام حاد لسيرها طويلا تحت الزخات.. انزلقتْ في الوحل وخجلت من الذهاب للمدرسة، مما اضطرها للعودة لمنزلها والاستعداد من جديد ووصلت متأخرة ودخلت القاعة تبكي مجهودها المبلل.. فيما يطرح ياسين (ثالث ثانوي) بمديرية شرس بعدا آخر.. يقول: «نصل القاعة بصعوبة لنفقد التركيز.. مياه المطر في الخارج وصوت الرعد وهدير السيل القريب يشتت انتباهنا تماما».

الأجواء الاختبارية ممطرة هذا العام
آلاف الطلاب يخوضون اختباراتهم وسط تقلبات جوية تضاعف قلقهم واقع فرضه تزامن التقويم الدراسي المعتمد مع بدايات موسم الأمطار.
تزامن الاختبارات الوزارية مع موسم الأمطار فرض واقعا قلقا على الطلاب وأسرهم.. الخطر لم يعد يقتصر على السيول الجارفة، بل في حالة الاستنفار النفسي اليومية مجرد سماع تحذيرات الأرصاد يكفي لقتل أجواء المذاكرة وتحويلها إلى ترقب حذر.
في مديرية الحداء بمحافظة ذمار يتابع الحاج صالح نشرات الطقس بقلق بالغ، ويقول: «إن المطر قد لا ينزل وقت الذهاب للمدرسة لكن الأخبار وتلبد السماء يكفيان لإرباك الأسرة».
وأضاف أن الخوف من تحول الطرق الترابية إلى أوحال زلقة يعيق الوصول صباحا، ويشتت انتباه ابنه ويجعل التركيز في المنهج شبه مستحيل.
وفي عزلة العبس بمديرية آنس التابعة لذمار يؤكد المواطن أحمد منصور أن الأجواء الاختبارية ممطرة هذا العام، ويقول: «هطول الأمطار المسائية المستمر يسرق هدوء الطلاب، يجلس الطالب أمام دفتره وعقله مشغول بالأجواء ما بين فرح بالمطر وتشتت لا إرادي».
مناشدات الآباء المستمرة بمرونة التوقيت أو مراعاة الظروف الجوية لم تجد صدى وبقيت جداول الاختبارات صارمة بينما تتغير حالة الطقس لتضيف عبئا نفسيا أثقل من أسئلة الاختبارات ذاتها.

استمرار الاختبارات وفق التقويم الهجري
القيادات التربوية تؤكد سير العملية الاختبارية بنجاح واستقرار تام في كل المراكز الاختبارية، وفي حديثه لـ»لا» يوضح مدير مكتب التربية والتعليم بمحافظة ذمار محمد الهادي أن اللجان الميدانية تؤدي عملها بانتظام وسط استتباب تنظيمي وأمني لافت.
من جانبه يؤكد مدير مكتب التربية بمحافظة المحويت إبراهيم الزين لـ»لا» أن الإصرار على استمرار الاختبارات في موعدها الموحد يعد تطبيقا دقيقا للتقويم الهجري المقر مركزيا لضمان استقرار التعليم.
وفيما يخص التساؤل حول غياب خطط الطوارئ أو تشكيل لجان استثنائية للطلاب المحاصرين خلف الأودية ومجاري السيول الجارفة تمضي المكاتب في تنفيذ الخطة المعتمدة وتعتبر أن المراكز مفتوحة لاستقبال الطلاب لاستكمال الاختبارات دون الإشارة لأي تعديل أو تأجيل في الجداول لتلافي تأثيرات الطقس.

غياب التنسيق المشترك
ضمن هذا الاستطلاع كان لا بد لـ«لا» أن تأخذ تصريح وحدة التدخلات المركزية والطوارئ وتوضيح ذلك للرأي العام، لذا توجهت «لا» إليها بسؤال للحديث عن تحديات انقطاع الطرق المؤدية للمراكز الاختبارية وعزل بعض القرى نتيجة الأمطار، والتدابير الممكنة وخطط لتأمين عبور الطلاب.
أحد موظفي المكتب التنفيذي للوحدة أجاب بأنه لا وجود لأي نقاش أو تنسيق مسبق مع وزارة التربية والتعليم لوضع خطط استثنائية طارئة لموسم الاختبارات الحالي، وتحديد المراكز الاختبارية الآمنة.
وأوضح أن مهام الوحدة تتركز على الاستجابة العامة لفتح الطرقات المتضررة ولم تتلق الوحدة أي طلبات لعمل مسارات طارئة، وخاصة للطلاب، وهو ما يبقي التعامل مع ظروف الطقس القاسية مرهونا باجتهادات اللجان الميدانية في ظل غياب خطة طوارئ مشتركة بين الجهتين.

تحذيرات تدفق السيول
تضعنا نشرات الأرصاد بصنعاء أمام تقاطع زمني معقد، ففي يوم السبت 9 شوال 1447هـ (28 مارس 2026)، صدر إنذار برتقالي بتدفق السيول في المرتفعات اليمنية، ليتصاعد يوم الاثنين 11 شوال لإنذار أحمر يحذر بصرامة من التواجد بممرات السيول، تطابقت هذه التواريخ بالساعة مع انطلاق الاختبارات الوزارية، ورغم الظروف المناخية القاهرة، مضى التقويم التعليمي بجمود دون تعديل للجداول المركزية، ليُجبر الطلاب على شق طريقهم للقاعات وسط طقس استثنائي، في مشهد قُدمت فيه الجداول الرسمية على حساب السلامة، وتجاورت فيه مسارات التعليم مع مجاري السيول.

تأمين أرواح الطلاب
تفرض الحالة المناخية لمارس 2026 واقعا بالغ التعقيد إثر تدفق السيول الواسعة التي ضربت مديريات تهامة والحديدة وتعز.. وفي موازاة ذلك تقبع مئات القرى ضمن المرتفعات والمحافظات الواقعة في المرتفعات الجبلية كصنعاء، والمحويت، وحجة، وريمة، وإب، وذمار وصعدة، وعمران،.. إلخ، تحت التهديد المباشر لخطر السيول والانهيارات الصخرية، ويأتي التزامن الدقيق بين هذا الظرف الطبيعي والاستثنائي، وانطلاق الاختبارات الوزارية ليضع وزارة التربية أمام مسؤولية عظيمة تتطلب مقاربة مرنة توازن بين الحفاظ على استقرار التقويم الدراسي وتأمين أرواح الطلاب المتجهين لقاعاتهم عبر طرق محفوفة بالخطر.

وادي مور يختبر الطلاب
في شهادة ميدانية تلخص المشهد يتحدث لـ(لا) محمد طفيان، وكيل مدرسة في مديرية بني قيس بحجة المطلة على وادي مور عن تفاصيل هذه المفارقة اليومية، حيث يخرج الطلاب من لجان الاختبار ليقفوا أمام وادي مور الهائج يبعث في نفوسهم سعادة غامرة بجمال تدفق المياه غير أن هذا المشهد الآسر فخ يسرق أوقاتهم.
ويوضح طفيان أن انتباه الطلاب يتشتت بالكامل بين فرحة المطر، ومراقبة السيول وسط انقطاع مستمر للكهرباء ما قلص ساعات المذاكرة المنزلية بشدة، «ويمتد هذا التشتت إلى داخل القاعات حيث تفرض أجواء المطر المتواصلة وصوتها على المبنى المدرسي حالة من السرحان تضعف قدرة الطالب على التذكر والحل ليصبح هذا المناخ الاستثنائي خصما يزاحم التركيز ويهدد السلامة في آن معا، وكنت أتمنى أن تكون الاختبارات في ظروف أخرى».

غياب المرونة والخطط
وأمام هذا المشهد يبقى التساؤل الملح قائماً: هل يستحق التمسك الحرفي بالتقويم المدرسي المخاطرة بسلامة الطلاب وأرواحهم؟ إن غياب المرونة وخطط الطوارئ الاستثنائية في ظل هذه الظروف المناخية القاسية والاستثنائية، يحول العملية التعليمية من رحلة لبناء المستقبل إلى مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر والقلق.
ومن خلال هذا الرصد الميداني، تضع صحيفة «لا» هذا التقرير المبلل بتعب الطلاب ومخاوف أسرهم على طاولة صناع القرار في وزارة التربية والتعليم والجهات المعنية، لتسليط الضوء على ضرورة إيجاد حلول استباقية وتنسيق مشترك في المواسم القادمة؛ أملاً في أن تظل الأمطار غيثاً للرحمة ومبعثاً للبهجة، لا اختباراً قاسياً يسرق تركيز أبنائنا ويهدد حياتهم قبل أن يصلوا إلى ورقة الاختبار.