مع استمرار العدوان على إيران.. واشنطن تستحضر رعب سماء اليمن.. تقرير أمريكي يكشف تفاصيل كمين لـ(F-16) فوق صنعاء
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
في توقيت لا يبدو بريئاً، أعادت مجلة القوات الجوية والفضائية (Air & Space Forces Magazine) الأمريكية فتح واحدة من أخطر لحظات الاشتباك الجوي التي واجهتها القوات الأمريكية في أجواء اليمن، مستحضرةً تفاصيل اقتراب طائرتي (F-16) من حافة السقوط في سماء صنعاء خلال العدوان الأمريكي على اليمن العام الماضي.
وفيما يأتي التذكير بهذه الحادثة بعد مرور عام عليها وعلى اضطرار واشنطن إلى الدخول في هدنة مع صنعاء، مطلع أيار/ مايو 2025، فإن توقيت التذكير بالحادثة يحمل في طياته -وفقاً لمراقبين- رسالة عسكرية وسياسية مزدوجة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها احتمالات التصعيد الأمريكي-"الإسرائيلي" ضد إيران مع دور متوقع لصنعاء في استخدام ورقة البحر الأحمر، لاسيما وأن تقرير المجلة الأمريكية جاء بعد أيام قليلة من إعلان صنعاء انخراطها المباشر في معركة الإسناد، في 28 آذار/ مارس الماضي.
مجلة القوات الجوية والفضائية الأمريكية عنونت تقريرها الذي نشرته أمس الأول بـ"حياة أو موت فوق اليمن"، واستهلته بتساؤل: "كيف نجا قائدا طيارتين من طراز إف 16 من كمين نفذه الحوثيون باستخدام أسلحة جوية"، مشيرة إلى أن "15 ثانية فقط فصلت بين طياري طائرتين إف 16 ويليام باركس ومايكل بلي وبين الموت في سماء اليمن ليلاً".
وأوضحت المجلة أنها أجرت لقاءات مع الطيارين حول ما جرى لهما في سماء اليمن بتأريخ 27 آذار/ مارس 2025 خلال ما سمتها الولايات المتحدة "عملية الفارس الخشن"، التي شنتها ضد صنعاء في 15 آذار/ مارس 2025، واستمرت حتى 6 أيار/ مايو 2025.
ولفتت إلى أن الطائرتين كانتا ضمن مهمة لقصف أهداف داخل اليمن قبل أن تتحولا فجأة إلى هدف لصواريخ أرض-جو يمنية، في مشهد وصفته المجلة بعبارة "أصبح الصياد فريسة".
كمين صاروخي
تبدأ الحكاية من تلك الثواني القليلة التي فصلت بين الحياة والموت، كما وصفها الطياران الأمريكيان. لكن ما تكشفه الرواية الأمريكية يتجاوز البعد الدرامي، ليكشف عن تحول نوعي في طبيعة المواجهة الجوية فوق اليمن. فالطياران، اللذان انطلقا ضمن مهمة هجومية وصفاها بـ"المعقدة"، في إطار حملة جوية شاركت فيها قاذفات شبحية وطائرات متطورة، وجدا نفسيهما فجأة في موقع الفريسة، بعد أن نجحت الدفاعات الجوية لقوات صنعاء في نصب كمين صاروخي محكم، دون أن تمنحهما أنظمة الإنذار سوى ثوانٍ معدودة للتفاعل.
هذا التحول من "الهجوم الآمن" إلى "النجاة بصعوبة" يعكس جوهر المأزق الأمريكي في اليمن. فبحسب ما أقر به الطياران ومسؤولون أمريكيون، لم تكن المشكلة في كثافة النيران فحسب، وإنما في طبيعة التهديد نفسه. منظومة دفاع جوي "غير مفهومة بالكامل"، تعتمد على أدوات رصد سلبية، ولا تُصدر إشارات يمكن التقاطها مسبقاً، وتُحسن اختيار توقيت الاشتباك. بمعنى أدق، كانت صنعاء تقاتل بطريقة تُعطل تفوق التكنولوجيا الأمريكية المتطورة.
الأكثر دلالة في الشهادة الأمريكية هو توقيت الكمين. فالدفاعات اليمنية بدأت التصدي للمقاتلات الأمريكية منذ دخولها الأجواء اليمنية، ثم باغتتها خلال عملية الانسحاب.
وقالت المجلة: "وصل باركس وبلي إلى هدفهما قرب العاصمة اليمنية صنعاء، وأطلق كل منهما صاروخاً واحداً مضاداً للإشعاع من طراز (AGM-88 HARM). وكان هذان الصاروخان من بين نحو 50 صاروخاً أُطلقت خلال الحملة في نحو 24 اشتباكاً ضد مواقع صواريخ أرض-جو ومدفعية مضادة للطائرات".
وأضافت: "أصابت الصواريخ أهدافها، وبدا أن الدفاعات الجوية الحوثية قد أُسكتت. ولكن مع بدء الطائرات الأمريكية بالانسحاب من أجواء البلاد، تظاهر الحوثيون بالضعف، منتظرين فرصتهم للرد".
ووفقاً للطيارين، فقد انقضت صواريخ أرض-جو اليمنية على الطائرات الأمريكية في لحظة انسحابها، حين يكون الطيارون في حالة انتقال ذهني وعملياتي. ولفتوا إلى أن هذه ليست مجرد مصادفة تكتيكية، وإنما تعبير عن فهم عميق لسلوك الخصم، وقدرة على إدارة المعركة على مستوى الزمن، لا فقط على مستوى النيران.
في تلك اللحظات، كما يروي الطياران، تحولت السماء إلى ساحة مطاردة. ستة صواريخ أرض-جو أُطلقت على المقاتلتين خلال دقائق، ومناورات حادة استنزفت الوقود، وصواريخ تمر على بعد أقدام من الطائرات. ولم يعد السؤال في أذهان الطيارين: هل ستُصاب الطائرة؟ بل: هل يمكن النجاة أصلاً؟! وهو ما دفع القيادة الأمريكية إلى اتخاذ خطوة استثنائية بإرسال طائرات التزود بالوقود إلى مناطق قريبة من الخطر، في مخاطرة نادرة تعكس حجم المأزق.
وقال مسؤول دفاعي أمريكي رفيع المستوى: "حاولنا فهم ما كان يحدث بالضبط. بذلنا جهداً حثيثاً لفهم جميع المعلومات التي كانوا يحصلون عليها لتكوين صورة واضحة. ولا أعتقد أننا توصلنا إلى فهم كامل بنسبة 100% لذلك".
وأضاف: "الحوثيون خصمٌ صعب ومثيرٌ للاهتمام. لقد خاضوا معارك طويلة ضد السعوديين والإماراتيين. وهم في كثير من الجوانب متمرسون ومبتكرون".
تمهيد لخسائر قادمة
ووفقاً لمراقبين فإن الأهمية الحقيقية لهذا التقرير لا تكمن فقط في تفاصيل الاشتباك، وإنما في توقيت نشره الآن. فإعادة تسليط الضوء على حادثة تعود إلى عام مضى، في ظل احتدام المعركة مع إيران، يحمل دلالات واضحة على أن الولايات المتحدة، التي قد تجد نفسها مضطرة لتوسيع نطاق المواجهة مع دخول صنعاء معركة الإسناد، تُعيد تذكير نفسها وجمهورها بأن جبهة اليمن ليست ساحة سهلة، وأن أي انخراط جديد فيها قد يُكلف أكثر مما يُتوقع.
ويرى محللون أن هذا التذكير "تحذير مبطن بقدر ما هو اعتراف". تحذير من أن السماء التي كادت تبتلع طائرتين متقدمتين، قد تفعل ذلك مجدداً، وربما على نطاق أوسع، واعتراف بأن خصماً وُصف في السابق بأنه "غير تقليدي"، نجح في فرض معادلات ردع حقيقية، ليس عبر امتلاك تفوق جوي، وإنما عبر حرمان خصمه من استخدام تفوقه بأمان.
ولعل ما يزيد ثقل هذه الشهادة هو ما رافقها من اعترافات أوسع بفشل الحملة الجوية في تحقيق أهدافها الحاسمة. فرغم عشرات الأيام من القصف، واستخدام أحدث المنصات الجوية، لم تتمكن الولايات المتحدة من القضاء على البنية القيادية لصنعاء، ولا تحييد أو إضعاف قدراتها العسكرية، أو منعها من مواصلة إسناد غزة. وبخلاف ذلك أثبتت الدفاعات اليمنية قدرتها على الصمود والتكيف، ونجحت خلال معركة إسناد غزة في إسقاط 22 طائرة أمريكية من طراز (MQ9) المتطورة.
في الخلاصة تبدو صنعاء في هذه الرواية، رغم أنها جاءت من مصدر أمريكي، كطرف استطاع أن يفرض إيقاعه الخاص. لم تمنع الضربات؛ لكنها جعلتها مكلفة. وكذلك لم تسقط كل الطائرات؛ لكنها جعلت بقاءها في السماء مخاطرة. ولم تمتلك تفوقاً تقنياً؛ لكنها نجحت في تحييد تفوق خصمها.
من هنا، يمكن فهم لماذا اختارت المجلة الأمريكية إعادة نشر هذه القصة الآن. ليس كونها "قصة نجاة بطولية"، كما يحاول الإعلام الغربي تصويرها، وإنما وثيقة تحذير من حرب لم تستطع واشنطن حسمها، ومن ساحة قتال أثبتت أنها قادرة على مفاجأة "القوة الأعظم في العالم".










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا