ماذا بعد فشل مفاوضات إسلام آباد؟!
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
انتهت المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى الفشل، والسبب الرئيسي أن الولايات المتحدة أرادت أن تحقق في المفاوضات ما عجزت عن تحقيقه في الحرب، وإيران رفضت ذلك.
من بين عدة سيناريوهات كانت متوقعة بعد الفشل، اتخذت الولايات المتحدة قراراً بتنفيذ حصار بحري على إيران، لمنعها بشكل رئيسي من تصدير نفطها، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: «سيتم تفعيل الحصار البحري على إيران، ولن تتمكن من بيع النفط».
وقال ترامب: «سنعمل على فتح مضيق هرمز، وإيران يائسة»، وشدد على أن إيران «لن تمتلك سلاحا نوويا»، وادعى بأنه «غير مهتم فيما إذا كانت إيران ستعود للمفاوضات أم لا».
كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن تنفيذ حصار على حركة الملاحة البحرية، الداخلة والخارجة من موانئ إيران، بدءا من الساعة الخامسة من مساء يوم الاثنين 13 نيسان/ أبريل الجاري.
على عكس ما يدعيه ترامب بعدم اهتمامه بعودة المفاوضات، فإن اتخاذ هذا القرار كان الخيار الأقل خطورة حتى الآن، ويستهدف إعطاء فرصة للوسيط الباكستاني وللدول الإقليمية والدولية الفاعلة لبحث إمكانية العودة إلى المفاوضات، لأن حاجة أمريكا لها ليست أقل من حاجة إيران، إن لم نقل أكثر، خاصة وأن الحصار لا يحل المشكلة، ولن يصمد طويلاً، حيث المنطقة أمام خيارين إما العودة إلى القتال، مع ما يحمله هذا الخيار من مخاطر وتداعيات كبيرة، على الطرفين المتحاربين، وعلى العالم كله، أو العودة إلى المفاوضات، على أسس جديدة وواقعية، وخاصة من الجانب الأمريكي.
هذه الحالة لم تأت من فراغ، وإنما بنتيجة الجولة الأولى من القتال الشرس بين الجانبين، وما انتهت إليه من خسائر، لا تقاس فقط بالمعدات والتجهيزات العسكرية، أو الدمار والضحايا، وإنما بما نتج عنها من زلازل جيوسياسية، وفي توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، وعلى الاقتصاديات الأمريكية والعالمية.
أبرز ما نتج عن تلك الجولة، هو ما كان الأكثر بعداً عن التغطية الخبرية والإعلامية، التي تسيطر عليها المنظومة الأمريكية الصهيونية، والتي تحاول إعطاء صورة عن نجاح أمريكي -«إسرائيلي»، والتركيز على الخسائر المباشرة، فيما الواقع على الأرض، أعمق من ذلك بكثير، وهو الفشل في تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية، التي وضعها الأمريكيون و«الإسرائيليون» للعدوان، وهي إسقاط النظام الإيراني، ووقف البرنامج النووي الإيراني، ونقل الكميات المخصبة خارج إيران، ووقف البرنامج الصاروخي، ودعم إيران لحلفائها في المنطقة.
نقطة التحول الأساسية، التي أدت إلى هذه النتيجة، هي أن إيران (سحقت) العقيدة العسكرية الأمريكية و«الإسرائيلية» في الحرب، والتي تقوم على أساس الصدمة، والقوة الجوية الساحقة، والضربات الدقيقة، التي تدمر دفاعات وإمكانات العدو، في الموجة الأولى من الضربات، كما حدث في العراق، وفي يوغسلافيا سابقاً، لكن هذه العقيدة، فشلت مع إيران، التي قرأت على مدى أكثر من عشرين عاماً، العقيدة الأمريكية جيداً، وبنت قوتها واستراتيجيتها، على نقاط الضعف الأمريكي، فوزعت قواتها وقواعدها، وبنتها في جبال محصنة، وصنعت أجيالاً من الطائرات المسيّرة، والصواريخ الفرط صوتية، التي لا تمتلكها أمريكا و«إسرائيل».
وعلى عكس ذلك، كانت حاملات الطائرات التي تعتبر عماد القوة الأمريكية، أهدافاً سهلة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، مما سهل عليهم استهدافها، وتمكنوا من إصابتها، إصابات خطيرة، اضطرتها للانسحاب والابتعاد عن مرمى القوات الإيرانية، مما جعلها أقل فائدة وشبه معطلة.
هذا الفهم الإيراني العميق، للعقيدة الأمريكية و«الإسرائيلية» في القتال، واستخدام استراتيجيات قتالية ذكية، حرمتهم من خوض الحرب، وفق عقيدتهم الحربية، وبالطريقة التي أرادوها، فكانت نتيجتها، أنها وفرت لإيران، القدرة على تلقي الصدمة الأولى للضربات العنيفة، وتوفير مقومات الصمود، وتوجيه ضربات مؤلمة ومؤثرة، للعدو وبشكل استراتيجي.
هذه النتيجة التي لم تكن يتوقعها الأمريكيون، استكملت في مفاوضات إسلام آباد، عندما رفضت إيران، أن تمنحهم في المفاوضات، ما فشلوا في تحقيقه في الحرب، وهذا وضعتهم أمام ثلاثة خيارات، ليس بينها واحد مريح:
- الأول يقضي باستئناف القتال، مع عدم ضمان نتائجه، خاصة بعد الفشل الاستراتيجي، في تحقيق الأهداف في الجولة الأولى، ومع تأكيد المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، استعداد بلاده، للتصدي لأي عدوان جديد، وخاطب الأمريكيين قائلاً «كنا نثق تمام الثقة، بأنكم طالبتم بالهدنة، من أجل إعادة شحن سفنكم وأسلحتكم، بعد ما نفد مخزون الدفاع الجوي لديكم، لكننا أردنا أن نظهر للعالم، مدى حمقكم وضعفكم».
وأضاف خامنئي «نقول لكم، إن المخزون الذي ستأتون به خلال أسبوعين، سينفد بعد يومين فقط، لأننا نمتلك مخزونا من الصواريخ والمسيرات، لا يمكنكم استنفاده قبل 10 سنوات».
- الثاني، الدخول البري، واحتلال جزيرة خرج، وربما الدخول إلى البر الإيراني، لحماية قواتهم، وهو ما يضعهم أمام هزيمة مؤكدة، نتيجة للطبيعة الجغرافية، والاستعدادات الإيرانية، وتحولهم إلى أهداف ثابتة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وهي الخطوة التي حذر منها، كبار الجنرالات في الجيش الأمريكي، الذين تمت إقالتهم بسبب ذلك.
- الخيار الثالث، هو الموافقة الأمريكية على الشروط الإيرانية، وفي مقدمتها التعويض، والانسحاب من المنطقة، وسيطرة إيران على مضيق هرمز، مع ما يعني ذلك، من مخاطر جيوسياسية جسيمة، على الأمريكيين و»الإسرائيليين».
عدا عن ذلك، هناك خياران غير مطروحين الآن، الأول أن تسود لغة الحكمة والتعقل عند الأمريكيين، والقبول بالنتيجة الحتمية، التي سيصلون إليها آجلاً أو عاجلاً، وهي أن التوازنات الجيوسياسة الإقليمية والدولية، التي بنيت على نتائج الحرب العالمية الثانية، ومرحلة القطب الأمريكي الواحد، انتهت إلى غير رجعة، والعالم دخل مرحلة التعددية القطبية، وهو ما يقتضي جلوسهم، مع الصين وروسيا وإيران، لبناء رؤية جديدة للعالم، بعيدة عن سياسة القوة والهيمنة الأمريكية، لكن هذا الخيار، يحتاج أولا لعقلاء غير موجودين في إدارة ترامب، كما أن «الإسرائيلي» سيعمل المستحيل لمنع هذا الخيار، لأنه يعني انتهاء كل شيء، والإقرار لإيران، بأنها أصبحت قوة إقليمية عظمى، وعلى طريق التحول إلى قطب دولي، مع ما يعني ذلك من انتهاء الكيان الصهيوني.
والخيار الثاني، وهو اللجوء إلى السلاج النووي لفك الاستعصاء الأمريكي -»الإسرائيلي»، وعند ذلك سيكون هناك حسابات إقليمية وعالمية أخرى، ومختلفة.










المصدر خاص / لا ميديا