تحقيق: بشرى الغيلي / لا ميديا -
غرفة باردة بالعناية المركزة بأحد المشافي.. لا شيء يعلو فوق أزيز أجهزة الإنعاش التي توثق تسرب حياة بأكملها بسبب أعشاب حولت أجساد الناس لتجارب تحت مقولة «إذا ما نفع ما يضر»، خلف الزجاج يقف سالم المقطري يراقب والده وهو يصارع الموت، ليروي بمرارة كيف تحولت وصفة عشبية لمشهور عبر منصات التواصل إلى مقصلة.. يقول سالم: «كان والدي مستقرا وملتزما بأدويته، حتى اقتحم ترند أقنع الحاضرين بخلطته العجيبة التي تخلصهم من سموم الأطباء».
بحماس أعمى من أصدقاء المقيل، اتُخذ القرار القاتل بإيقاف دواء القلب وتجرع «خلطة أعشاب».. ولم تتأخر الكارثة؛ فالتقرير الطبي وثق بلغة صارمة أن التوقف المفاجئ عن مضادات التخثر لأربعة عشر يوما متتالية، أدى لانسداد كامل في الشريان التاجي الأيسر.
حقيقة تسقط ورقة التوت عن مروجي الوهم؛ فلسنا أمام رأي شخصي أو حرية تعبير، بل أمام جريمة تمرر عبر الهواتف الذكية.. وتسقط معها كل أعذار النية الحسنة أو الطب البديل أمام أنين المرضى.. صحيفة (لا) تناقش هذه القضية التي صارت ما بين فينةٍ وأخرى تظهر في سلسلة «ترندات» توقع بالكثير من الضحايا.

ترند الوهم!
حتى لا نقع في فخّ التقليل من فوائد الأعشاب و«الطب البديل» يجب أن نوازن بين العبث، والتقنين الحقيقي لهذه المهنة؛ فطب الأعشاب ليس هو الجاني، بل هو الصيدلية الأولى للبشرية، وفي تراثنا وصفاتٌ توارثتها الجدات أثبت العلم نجاعتها. الفرق الجوهريّ يكمن في المنهجية والمقدار؛ فالأعشاب الطبية تحتوي على موادّ فعّالة تتعامل مع الجسد كالأدوية تماماً، ولها تداخلات قد تكون مُميتة إذا أُخذت بعشوائية، فحكمة الخبراء اعتمدت على التجربة الحذرة، وتحت (حذرة) نضع ألف خط.. بينما (ترند الوهم) يعتمد على الخلط العشوائيّ للربح السريع.
وحول هذه الكارثة تحدث وليد التاج (صيدلي) لصحيفة (لا): «العلم لا يُنكر فوائد الأعشاب، لكنَّ الكارثة تكمن في الجهل بالأعشاب، وتجاهل تداخلاتها الخطيرة مع الأدوية الكيميائية؛ فالعشبة التي تُخفف ألماً، قد تُبطل مفعول أدوية القلب المُنقذة للحياة».
الطبيعة تمنحنا الدواء، لكنَّ التعامل معها بجهلٍ يُحوّل ترياقها إلى سُمّ؛ ليكون اللجوء إليها عبر بوابة العلم المدروسة، لا عبر شاشات المُتاجرين بالأوجاع.

المعالج المزعوم
لم تكن مأساة والد سالم سوى حلقة في سلسلة طويلة من الضحايا الذين ابتلعتهم دوامة الوهم الرقمي.. ففي هذا الفضاء المفتوح، لا يحتاج المعالج المزعوم إلى سنوات من دراسة الطب أو أبحاث علمية رصينة؛ يكفيه هاتف ذكي، ولغة شعبوية تدغدغ العواطف، ليتحول إلى مرجعية مقدسة تتصدر المجالـــــس، مستغلاً يأس المرضى وحاجتهــــــم للتعلــــق بقشة للترويج لخلطاته المجهولة.
هذا العبث يعتمد على شيطنة الطب الحديث، وتصوير المستشفيات كمسالخ وأماكن للاستغلال التجاري، ليُقدم «بائع العطارة الرقمي» نفسه كمنقذ زاهد يمتلك أسرار الطبيعة، يقف المواطن مكتوف الأيدي أمام سيل من المعلومات المضللة التي تنتشر كالنار في الهشيم.
يصف الدكتور رمزي (أخصائي أمراض القلب) هذا النزيف بـ«الوباء الصامت»، ويقول بحرقة: «نستقبل في قسم الطوارئ حالات شديدة الخطورة لمرضى أوقفوا أدوية السكر والضغط ومميعات الدم فجأة، استجابة لنصائح العطارين».
وما بين جشع المروجين الباحثين عن التفاعل والمشاهدات بأي ثمن، وغياب الرقابة الصارمة على المحتوى الطبي المضلل، تستمر عجلة التضليل في الدوران.

فوضى تجارة الأعشاب
في ظل هذا السيل الجارف من الوصفات العشوائية، يبرز التساؤل المُرعب: من يحمي أرواح البسطاء من مقصلة الطب الشعبيّ الرقميّ؟ أين تقف الجهات الرقابيّة من انتشار مروجي الأعشاب مُستغلين غياب الردع لتحويل صفحاتهم إلى عيادات مفتوحة تصرف وصفات وخلطات للناس بجهل؟
الغياب الرقابيّ لا يقتصر على ضعف التوعية، بل يتعداه إلى غياب التشريعات الصارمة التي تُجرّم الوصفات الطبيّة غير المُرخصة عبر الإنترنت، فحين يخضع الطبيب لسنوات من الدراسة والمُساءلة القانونية، يُمارس مشاهير الخلطات العبث بأرواح الناس بضغطة زرّ، دون أن تطالهم يد المُحاسبة.
وحول هذا القصور المريع، تحدّث الخبير القانونيّ (ع. م) لصحيفة (لا): «نحن نُواجه جريمة إلكترونية مكتملة الأركان، لكنَّ النصوص القانونية الحالية تقف قاصرة أمام عبث منصّات التواصل؛ فإثبات العلاقة السببيّة بين مقطع فيديو مُضلل ووفاة مريض يُعدّ أمراً معقداً في أروقة المحاكم، ممّا يمنح بائعي الوهم حصانة غير مُعلنة لمواصلة جرائمهم».

طبيعي 100 % !
خلف لافتة مُنتج طبيعي 100٪، تُحاك واحدة من أخطر جرائم العطارة الحديثة؛ فبائع الوهم لم يعد يكتفي بخلط الأعشاب، بل تجاوز ذلك إلى طحن الأدوية الكيميائية ودمجها سرّاً في خلطاته.. تُصنع قنابل موقوتة لتُباع في عُلبٍ أنيقة تحت مُسميات برّاقة، كالخلطات الجنسية، وعشبة التسمين السحرية، وخلطات التنحيف، وخلطات البشرة، وخلطات القولون، والسكر.. وغيرها. الخطير في الموضوع أنها تعتمد على إحداث تأثير سريع ومُبهر لإقناع الضحية بـ«سرّ المهنة»، فخلطات الضعف الجنسيّ تُخلط بمطحون مُنشطات طبيّة مجهولة المصدر، ومُركبات التسمين تُحشى بـ«الكورتيزون» الذي ينفخ الأجساد ويُدمّر الكُلى، بينما تعجّ كريمات البشرة والشعر بمواد كيميائية ضارة، ولا تخلو أعشاب التنحيف من أدوية خطيرة تلعب في كيمياء الدماغ وتضرب صمامات القلب.
وحول هذه الكارثة الصامتة، تحدثت الدكتورة سماح أبو حورية لصحيفة (لا): «نستقبل حالات فشل كُلويّ وتليّف كبديّ بسبب هذه الخلطات؛ فالمرضى يعتقدون أنهم يتناولون عسلاً أو أعشاباً آمنة، بينما هم يتجرعون جرعاتٍ زائدة وعشوائية من الكورتيزون والمُنشطات التي طُحنت خفيةً؛ لتتحول تلك العُلب إلى جرائم مُغلفة بالعسل».

أوجاع في الظل
هناك أمراضٌ يُفضّل المرضى تحمّل آلامها المُبرحة بصمتٍ، وتأتي البواسير في صدارتها. هذا الحياء المجتمعيّ تحوّل إلى ثغرةٍ ذهبية لعياداتٍ تنشط بعيداً عن أعين الرقابة في الضواحي كمنطقتي قحازة، وقاع القيضي وغيرهما.. حيث يُساق المريض المُثقل بالخجل إلى فخّ الإعلانات المُروجة لأسماء كثيرة.. بحثاً عن الستر وعلاجٍ سحريّ سريع بعيداً عن المستشفيات.
الأساليب خلف تلك الأبواب تعتمد على وعودٍ بـ«علاج نهائي بدون جراحة»، لتنتهي الرحلة بكوارث طبيّة نتيجة الكيّ العشوائي والتدخلات البدائية؛ تبدأ بالنزيف المُستمر وتصل إلى كوارث كفقدان التحكم بعضلة الإخراج، في بيئةٍ تفتقر لأبسط معايير السلامة.
وحول هذه المُعاناة الصامتة، تحدث (م. ع) لـ(لا) بمرارةٍ: «ذهبتُ إليهم هرباً من حرج المستشفيات، وتصديقاً لإعلانٍ يوهمك بالشفاء الفوريّ، سلبوني مبلغاً كبيراً مُقابل جلسة كيّ عشوائية حوّلت حياتي إلى جحيم؛ نزيفٌ مستمر ومضاعفات مرعبة انتهت بي إلى سلسٍ في الإخراج، لأجد نفسي مضطراً لإجراء جراحة معقدة في مستشفى حكوميّ لترقيع وإصلاح ما أفسدوه!».
الهروب من المشرط الطبيّ الآمن، والارتماء في أحضان عيادات الأطراف التي تستغل الأوجاع المكتومة، لا يمنح الشفاء؛ بل يُضاعف العذاب، ويجعل من المريض فريسةً لسماسرةٍ لا يرون فيه سوى صيدٍ ثمين.

من هو طبيب الأعشاب؟
طبيب الأعشاب ليس عطاراً يجهل أوراقه، بل ممارسٌ صحي لا يزاول المهنة إلا بتأهيل أكاديمي صارم بعلم العقاقير، وإلمام عميق بالعلوم الطبية الأساسية.. وأكد الدكتور محمد الحاضري لـ(لا) أن قانون مزاولة المهن الطبية والصيدلانية، يشترط على من يمارس طب الأعشاب التصنيف المهني الطبي واجتياز تدريب سريري معتمد لمنح الترخيص، مع فرض شفافية مطلقة ويمنع منعاً باتاً صرف أي خلطات مجهولة المكونات، وتُلزم الممارس بنطاق اختصاصه دون تجاوزه لادعاء علاج الأمراض المستعصية بـ«وصفات سحرية»، ومن يتجاوز ذلك يخضع فوراً للمسؤولية القانونية والجزائية والتأديبية.. هكذا تُصان الأرواح بقوة القانون، لا أن تُترك فريسة لدجالين يخلطون السم بالعسل تحت ستار الطبيعة.

تقنين رسمي
في الوقت الذي يبحث فيه اليمنيون عن العافية في أحضان الطبيعة، تبرز كوارث «أطباء الأعشاب» الدخلاء كخطر صامت يهدد الكبد والكلى.
يرى الناشط الاجتماعي محمد سلطان أن «طبيب الأعشاب الحقيقي هو من يجوب القفار والوديان بحثاً عن الخصائص العلمية للأشجار، لا أولئك الذين يعجزون حتى عن التفريق بين زيت الزيتون الأصلي والمغشوش، أو يبيعون ورق (الأراك) على أنه ورق (أثل).
ويكشف سلطان عن جانب مرعب في هذا العبث المستتر خلف علب العسل والخلطات السرية، ويقول: «ما يروجه البعض كـ(خلطة سحرية) تشفي في لحظات، ليس إلا جرعات عشوائية من الكورتيزون أو المسكنات الطبية القوية، بل وصل الأمر ببعضهم إلى خلط الأعشاب بجرعات مبالغ فيها من الكيماويات كالفياجرا، مما أدى لإسعاف ضحايا بعد ساعات من تناولها».
ويقول إن هذا العبث بأرواح البسطاء يتطلب «تقنيناً حكومياً صارماً عبر لجنة خبراء مختصين» لضبط المتلاعبين الذين يوهمون المرضى بالمعجزات بينما يطحنون السموم الكيميائية ويدمجونها بالأعشاب، مؤكداً أن «الطبيعة بريئة من هذا العبث، ولا غنى عن الطب الحقيقي والمتخصص».