عادل بشر / لا ميديا -
مشهد صادم فوجئ به المواطنون والمزارعون في محافظة ذمار، تمثّل في كميات كبيرة من بذور البطاطس متناثرة على الأرض في أكثر من موقع، ملقاة في العراء قرب الحقول الزراعية، وأكياسها ممزقة، دون أي إجراءات عزل أو تحريز. لم تكن تلك مجرد مخلفات زراعية عادية، وإنما هي جزء من شحنة بذور مستوردة مصابة بمرض "العفن البني"، أحد أخطر الأمراض الحجرية في العالم، وكان يفترض أن تبقى معزولة في منفذ عفار الجمركي بمحافظة البيضاء، لا أن تتحول إلى خطر مفتوح في قلب أهم المحافظات الزراعية في البلاد، وتهديد مباشر للحقول والقيعان الزراعية في مجمل اليمن.
الصور التي حصلت عليها "لا" توثق بوضوح هذا المشهد، إذ تظهر أكوام من البذور المصابة بـ"العفن البني" منتشرة في أحد الوديان الزراعية، بمنطقة "يفاع"، التي تُعد إحدى مناطق إكثار بذور البطاطس في محافظة ذمار. كما حصلت الصحيفة على نُسخ من تصاريح رسمية لإدخال شحنة تزن 139 طناً من بذور البطاطس مستوردة ثبت إصابتها بمرض "العفن البني"، ونقلها إلى محافظة ذمار -أكبر مناطق إكثار بذور البطاطس في اليمن- وتسليمها إلى معمل لتصنيع سماد الكمبوست، بهدف تحويل الشحنة إلى سماد عضوي يتم بيعه للمزارعين في مختلف المحافظات، الأمر الذي عدّه مختصون "كارثة بيئية وزراعية تمتد آثارها لعقود، وبالإمكان أن تضرب الأمن الغذائي الوطني في مقتل".

من الحجز إلى "التمرير"
القصة تعود إلى أواخر العام 2025، عندما تم ضبط شحنة بذور بطاطس مستوردة قادمة من مناطق سيطرة مرتزقة العدوان في محافظة مأرب، وتم حجزها في منفذ عفار الجمركي بمحافظة البيضاء، بعد التأكد من إصابتها بمرض "العفن البني"، في وقت كانت فيه البلاد قد أعلنت الاكتفاء الذاتي من بذور البطاطس، وأقرت منع استيرادها. وبحسب مصادر مطلعة، فقد خضعت الشحنة لفحوصات مخبرية أكدت خطورتها، الأمر الذي استدعى حجزها.
غير أن مسار الشحنة لم يتوقف عند هذا الحد. فقد كشفت معلومات حصلت عليها "لا" عن محاولات متكررة لإدخالها، عبر ضغوط مورست من داخل بعض الجهات المعنية، في محاولة لتغيير توصيفها أو تمريرها رغم خطورتها. وبعد سلسلة من التحركات، صدر توجيه رسمي، في 19 نيسان/ أبريل الجاري، يقضي بنقل الشحنة إلى محافظة ذمار لإتلافها من خلال تحويلها إلى سماد عضوي في أحد معامل الكمبوست.

خرق صريح للبروتوكول الدولي
هذا القرار، الذي بدا في ظاهره إجراءً للتخلص من الشحنة، أثار موجة من القلق في الأوساط الزراعية والعلمية. فمختصون تحدثوا للصحيفة أكدوا أن ما جرى يمثل مخالفة خطيرة للإجراءات الدولية المعتمدة في التعامل مع هذا المرض، الذي يُصنف ضمن أخطر الآفات الحجرية التي تتطلب استجابة طارئة وفورية، موضحين أن "العفن البني" مرض بكتيري خطير يصيب البطاطس ويستطيع البقاء في التربة والمياه لأكثر من 20 عاماً.
ويؤكد هؤلاء أن التعامل مع شحنات مصابة بـ"العفن البني" يخضع لبروتوكولات صارمة لا تحتمل الاجتهاد، تبدأ بعزل الشحنة فوراً في المنفذ، ومنع نقلها أو تفريغها، وتنتهي بإتلافها عبر الحرق والصهر أو الدفن العميق في موقع مخصص وتحت إشراف كامل من الجهات المختصة. أما نقلها بين المحافظات، خصوصاً إلى مناطق زراعية نشطة، فهو، بحسب وصفهم، "مخاطرة غير محسوبة ستتحول إلى كارثة وطنية".
ويضيف مختصون أن الأخطر في ما جرى هو التوجيه باستخدام هذه الشحنة كسماد عضوي، وهو إجراء يتعارض كلياً مع الأسس العلمية والإرشادات الدولية، بل ويعد وسيلة مباشرة لنشر المرض في التربة والمياه، ما يعني عملياً نشر المرض على نطاق أوسع. فالبكتيريا المسببة لـ"العفن البني" تتمتع بقدرة عالية على البقاء في الظروف البيئية القاسية، ويمكنها الاستمرار في التربة لسنوات طويلة، ما يجعل من الصعب السيطرة عليها في حال انتشارها.
ويحذر خبراء من أن نقل الشحنة إلى محافظة ذمار تحديداً يضاعف الخطر، كونها من أهم مراكز إنتاج وإكثار بذور البطاطس في اليمن. وأي تلوث في هذه المنطقة قد يؤدي إلى انتشار واسع للمرض، ليس فقط في الحقول المحلية، وإنما عبر شبكات توزيع البذور إلى مختلف المحافظات، موضحين أن انتشار التلوث في ذمار يعني "انهيار المنجز الوطني في إنتاج بذور البطاطس عالية الجودة محلياً، والعودة إلى الاعتماد على الاستيراد، وتكبيد المزارعين خسائر فادحة، بخلاف النقطة الأخطر، وهي ضرب الاقتصاد والأمن الغذائي الوطني".

بؤرة دائمة للإصابة
المشاهد الميدانية التي حصلت عليها "لا" تعزز هذه المخاوف، إذ تظهر البذور المصابة ملقاة في بيئة مفتوحة، وعلى مقربة من مجاري المياه والحقول، دون أي إجراءات وقائية. ويؤكد مختصون أن مثل هذا الوضع سيؤدي إلى تسرب البكتيريا إلى التربة والمياه، ومن ثم تنتقل إلى محاصيل أخرى، ما يهدد بتحويل مناطق زراعية واسعة إلى بؤر دائمة للإصابة.
ولخص أحد المزارعين مخاوفه لـ"لا" قائلاً: "إذا انتشر المرض هنا، انتهى كل شيء".

تحرّك فوري وتحقيق عاجل
في ظل هذه التطورات، دعا مختصون ومزارعون وزارة الزراعة والجهات المعنية إلى التحرك الفوري والإسراع في إيقاف أي عمليات نقل أو استخدام للشحنة، وتحريز الكميات المصابة بشكل كامل، ونقلها إلى موقع آمن بعيد عن الأراضي الزراعية، ثم إتلافها وفق المعايير الدولية المعتمدة.
وشددوا على ضرورة فتح تحقيق شفاف لمحاسبة المسؤولين عن أي تقصير أو مخالفة، محذرين من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى نتائج كارثية يصعب تداركها.
في السياق، يتصاعد في أوساط المزارعين والمراقبين تساؤل مقلق: "هل نجحت مافيا الاستيراد في تحقيق هدفها، ولكن بطريقة مختلفة؟!"، فالشحنة التي مُنعت سابقاً من الدخول، يجري اليوم إدخالها بشكل رسمي؛ ولكن تحت غطاء "السماد العضوي"، ما يحولها إلى كارثة زراعية تمتد آثارها لأجيال.
ويأمل الجميع أن تتحرك جميع الوزارات والجهات المعنية بمسؤولية وطنية، فإما أن يتم التعامل مع هذه القضية ومع ملف منع الاستيراد بجدية توازي حجم الخطر، وإما أن تتحول إلى نقطة بداية لأزمة زراعية وبيئية واسعة النطاق.