تقرير/ عادل بشر / لا ميديا -
في تطور إقليمي بالغ الدلالة، شهدت المنطقة منذ مساء أمس الأول الأحد، حتى نهار أمس الاثنين، واحدة من أكثر جولات التصعيد تعبيراً عن مفهوم «وحدة الساحات» منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى، حيث تزامنت الضربات الصاروخية الإيرانية على أهداف «إسرائيلية» مع عملية عسكرية يمنية استهدفت مواقع حساسة في يافا المحتلة، فيما أعلنت القوات المسلحة اليمنية بدء حظر كامل للملاحة «الإسرائيلية» في البحر الأحمر، في خطوة أعادت ملف مضيق باب المندب إلى واجهة الصراع مجدداً، في الوقت الذي تستمر أزمة إغلاق مضيق هرمز، جراء العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران منذ 28 شباط/ فبراير الماضي.
هذه التطورات، جاءت عقب العدوان «الإسرائيلي» على الضاحية الجنوبية لبيروت وتصاعد عدوانه على جنوب لبنان، وهو ما اعتبرته قوى محور المقاومة محاولة «إسرائيلية» لفرض وقائع جديدة في المنطقة، لتأتي الردود المتزامنة من طهران وصنعاء باعتبارها -وفقًا لمراقبين- رسالة سياسية وعسكرية واضحة بأن أي اعتداء على إحدى ساحات المحور لن يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي، وإنما سيستدعي ردوداً من ساحات أخرى تمتلك القدرة على التأثير في عمق المعادلة الإقليمية.
استهداف يافا وإغلاق البحر الأحمر
في هذا السياق أعلنت القوات المسلحة اليمنية، أمس، تنفيذ عملية عسكرية ضد أهداف حساسة للعدو الصهيوني في منطقة يافا المحتلة عبر دفعة صاروخية قالت إنها أصابت أهدافها بدقة.
وأوضحت القوات المسلحة في بيانها أن العملية تأتي في إطار التصدي للعدوان الأمريكي والصهيوني على محور الجهاد والمقاومة في فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن، ورفضاً للمشروع الصهيوني الساعي لإقامة «إسرائيل الكبرى» تحت مسمى «الشرق الأوسط الجديد»، وسعيا لكسر الحصار الظالم والغاشم الذي يفرضه العدو الأمريكي على الشعب اليمني وشعوب المحور في لبنان وغزة وإيران، وفي إطار مبدأ وحدة الساحات ومواجهة الأعداء.
التطور الأبرز في بيان صنعاء لم يكن العملية الصاروخية فحسب، وإنما ما جاء في البيان من إعلان الحظر الكامل للملاحة البحرية التابعة للعدو «الإسرائيلي» في البحر الأحمر، والتأكيد أن جميع تحركاته البحرية أصبحت أهدافاً عسكرية اعتباراً من لحظة صدور البيان.
كما أكدت القوات المسلحة اليمنية أنها ستواجه التصعيد بالتصعيد، وأن عملياتها العسكرية ستكون متصاعدة بما يواكب الأحداث والمعركة بالاشتراك مع محور الجهاد والمقاومة.
ويمثل هذا الإعلان عودة قوية لورقة البحر الأحمر وباب المندب إلى قلب المعركة مع العدو الصهيوني، بعد أشهر من المواجهات البحرية خلال معركة إسناد غزة، التي فرضت فيها صنعاء حضورها كفاعل استراتيجي مؤثر في حركة التجارة الدولية المرتبطة بالكيان «الإسرائيلي»، وكان لذلك الحصار أثره الكبير على الاقتصاد الصهيوني، حيث شُلت الحركة في ميناء أم الرشراش «إيلات» بشكل كامل لأكثر من عامين، فضلًا عن الفشل الاستراتيجي للاحتلال ومن خلفه أمريكا ودول غربية، في فك الحظر البحري الذي فرضته صنعاء، والذي ارتبط بالتطورات في قطاع غزة.
ضربات دقيقة ومعادلة جديدة
وفي الوقت نفسه، كانت إيران تنفذ واحدة من أكثر عملياتها المباشرة وضوحاً منذ توقف جولة المواجهة السابقة مع الاحتلال الصهيوني وأمريكا، حيث أطلقت، مساء أمس الأول الأحد وصباح أمس الاثنين، موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، معلنة أن العملية جاءت رداً على العدوان «الإسرائيلي» على الضاحية الجنوبية لبيروت.
ووفق المعطيات الإيرانية، استخدمت طهران خلال العملية أحدث أجيال صواريخ «خيبر شكن» الباليستية إلى جانب صواريخ «عماد» و«قدر إف»، فضلاً عن طائرات مسيّرة نفاثة متطورة ظهرت للمرة الأولى في ساحة العمليات. واستهدفت الضربات مواقع عسكرية وقاعدتين جويتين استراتيجيتين للكيان الصهيوني، في رسالة أكدت طهران من خلالها أن قدراتها العسكرية ما تزال قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي «الإسرائيلية» والأمريكية والوصول إلى أهدافها بدقة.
الأهمية السياسية لهذه التطورات لا تكمن فقط في حجم الضربات أو طبيعة الأسلحة المستخدمة، وإنما في المعادلة الجديدة التي أعلنتها إيران عقب انتهاء المواجهة.
فبعد نحو أربع عشرة ساعة من تبادل الضربات، أعلن مقر «خاتم الأنبياء» وقف العمليات العسكرية، لكنه ربط هذا القرار بشرط واضح يتمثل في وقف الاعتداءات «الإسرائيلية» على لبنان، مؤكداً أن أي عدوان جديد على الضاحية الجنوبية أو حتى على جنوب لبنان سيؤدي إلى استئناف العمليات الإيرانية بصورة «أشد وأكثر إيلاماً».
وقالت وكالة «تسنيم» الإيرانية إن «الطرف الآخر -إسرائيل- طلب وقف إطلاق النار وهو أمر أعلنه ترامب صراحةً».
ويعني ذلك عملياً أن إيران أضافت جنوب لبنان إلى دائرة الردع المباشر الخاصة بها، في خطوة يعتبرها مراقبون تحولاً مهماً في قواعد الاشتباك الإقليمية. فالمعادلة السابقة كانت تقوم على أن استهداف إيران يستدعي رداً إيرانياً مباشراً، أما اليوم فإن طهران تقول بوضوح إن الاعتداء على لبنان يمكن أن يفتح الباب أمام تدخل إيراني مباشر أيضاً.
ويرى الخبراء أن خطورة ما جرى تكمن في أن إيران «رفعت مستوى قدراتها الردعية» عبر تنفيذ تهديدها بصورة مباشرة، حيث كانت طهران قد حذرت العدو الصهيوني، قبل أيام، من استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكدة بأنها ستنفذ ضربات قوية على الشمال الفلسطيني المحتل، في حال استُهدفت الضاحية.
واعتبروا أن الهجوم الإيراني على حيفا المحتلة حمل عدة رسائل، أبرزها السعي إلى ترسيخ قواعد اشتباك جديدة بعد وقف إطلاق النار، إضافة إلى تأكيد الترابط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية بصورة أقوى مما كان يُعتقد سابقاً.
قلق صهيوني
هذا التحول دفع عدداً من الخبراء «الإسرائيليين» إلى الحديث عن مرحلة جديدة من الردع الإقليمي. فالتقديرات الصادرة داخل الكيان تشير إلى أن إيران لم تعد تكتفي بردود الفعل التقليدية، وأنها باتت تسعى إلى فرض قواعد اشتباك جديدة تمنع الاحتلال من الاستفراد بأي ساحة من ساحات المقاومة.
وضجّت وسائل الإعلام العبرية، أمس، بتحليلات الخبراء العسكريين والسياسيين، الذين حذروا من التداعيات الاستراتيجية أكثر من نتائج الضربة العسكرية ذاتها.
وفيما قال البعض بأن «التطورات الأخيرة أظهرت أن إيران خرجت من المواجهة السابقة أكثر ثقة من نفسها»، أفاد آخرون بأن «الرسالة الأهم للهجوم تكمن في أن طهران لم تعد ترى نفسها ملزمة بانتظار الضربة أولاً قبل الرد، بل باتت تعتبر نفسها قادرة على فرض قواعد اللعبة بنفسها»، مشيرين إلى أن «معادلة فصل الساحات عن بعضها البعض، سقطت، وأن طهران وصنعاء، أثبتتا ذلك بوضوح».
معادلة باب المندب
في السياق خصصت وسائل الإعلام العبرية، أمس، جزءًا كبيرًا من نقاشاتها حول إعلان صنعاء استخدام ورقة باب المندب والبحر الأحمر ضد الملاحة الصهيونية.
وأفاد محللون «إسرائيليون» بأن صنعاء تبدو ماضية في تثبيت موقعها كأحد أبرز أطراف هذه المعادلة الجديدة. معتبرين أن إعلان الحظر البحري يمثل رسالة استراتيجية تتعلق بقدرة اليمن على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وفي السياق يرى خبراء عسكريون أن باب المندب والبحر الأحمر تحولا خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم أوراق القوة التي يمتلكها محور المقاومة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. فالممر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية بات يمثل نقطة ضغط حساسة يمكن أن تنعكس تداعياتها على الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة.
ويؤكد مراقبون أن تزامن التهديدات المرتبطة بباب المندب مع التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز يمنح محور المقاومة قدرة إضافية على التأثير في المعادلة الاستراتيجية للمنطقة، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصادات الغربية على استقرار حركة الملاحة والطاقة في هذين الممرين الحيويين.
ومن هنا يقرأ كثير من المحللين إعلان صنعاء الأخير باعتباره يتجاوز موقف التضامن مع لبنان أو إيران، إلى خطوة عملية ضمن استراتيجية إقليمية أوسع تقوم على توحيد ساحات المواجهة وتوزيع أدوات الضغط على أكثر من جبهة في وقت واحد.
رسالة واضحة
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والاحتلال بعد ساعات من المواجهة، فإن الوقائع التي أفرزتها الجولة الأخيرة توحي بأن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة. فإيران وضعت لبنان ضمن معادلة الردع المباشر، واليمن أعاد تفعيل ورقة البحر الأحمر، فيما تواصل المقاومة الفلسطينية واللبنانية حضورها في قلب المشهد.
والرسالة الواضحة التي خرجت بها الساعات الماضية هي: «أي محاولة إسرائيلية أو أمريكية لعزل ساحات المقاومة عن بعضها تواجه اليوم واقعاً مغايراً، عنوانه أن الاعتداء على طرف من أطراف المحور قد يستدعي ردوداً متزامنة من أكثر من جبهة، وأن البحر الأحمر وباب المندب وبيروت وطهران لم تعد ساحات منفصلة في حسابات المواجهة، وإنما حلقات مترابطة في معادلة واحدة تتشكل ملامحها بصورة متسارعة مع كل جولة تصعيد جديدة».










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا