استطلاع:طارق الأسلمي / لا ميديا -
مع اقتراب صافرة البداية لأكبر حدث كروي عالمي، تترقب الجماهير العربية، من المحيط إلى الخليج، مشاركة استثنائية بكل المقاييس. نسخة تاريخية تشهد لأول مرة حضور ثمانية منتخبات عربية في محفل اتسعت مظلته لتضم 48 منتخباً. ولم تعد تطلعات الشارع العربي تكتفي بالمشاركة فقط، بل بات الطموح مدفوعاً بإرث تاريخي صنعه أسود الأطلس في قطر 2022، ليرتفع سقف الآمال نحو مقارعة الكبار والعبور للأدوار الإقصائية.
في هذا الاستطلاع الموسع عبر "لا الرياضي" يستشرف نخبة من المدربين، النجوم الدوليين السابقين، والمحللين العرب، خارطة طريق المنتخبات العربية، مستعرضين نقاط القوة، التحديات، وفرص التأهل في ظل النظام المونديالي الجديد.

عظيمة: كسرنا الحاجز النفسي.. والتنوع التكتيكي سلاحنا الأبرز
استهل الدولي المصري السابق والمدرب الحالي محمد عبدالعظيم، الشهير بـ"عظيمة"، حديثه بالإشارة إلى الخصوصية الشديدة لهذه النسخة، قائلاً: "مع اقتراب صافرة بداية كأس العالم، تبدو المشاركة العربية هذه المرة استثنائية، ليس فقط بسبب الحضور غير المسبوق لثمانية منتخبات، بل لأن الكرة العربية تدخل البطولة بخبرات تراكمت عبر سنوات من الاحتكاك والاستثمار والاحتراف، إضافة إلى الثقة التي زرعتها الإنجازات الأخيرة، وعلى رأسها بلوغ منتخب المغرب نصف نهائي مونديال قطر 2022 للمرة الأولى عربياً وأفريقياً".
وعن السمات الفنية للمنتخبات المشاركة، أضاف عظيمة: "أبرز ما يميز المنتخبات العربية في هذه النسخة هو تنوع المدارس والأساليب. وهذا قد يكون عنصر قوة؛ لأن مفاجآت كأس العالم غالباً لا تصنعها المنتخبات الشهير، بل المنتخب الأكثر جاهزية وانضباطاً وقدرة على استثمار التفاصيل الصغيرة".
وأوضح عظيمة أن من العوامل التي قد تساعد العرب على تجاوز سقف التوقعات أن "كرة القدم العالمية أصبحت أقل احتكاراً من السابق، والفوارق تقلصت، إذ رأينا منتخبات مغمورة تبلغ أدواراً متقدمة بفضل التنظيم والروح الجماعية، وهو ما يمنح العرب مساحة حقيقية للحلم، وفي النهاية يمكن القول إن المشاركة العربية ليست مجرد حضور عددي، بل اختبار حقيقي لمدى تطور المشروع الكروي العربي".

القواسمي: نظام البطولة الجديد يخدم العرب.. والأردن يملك ميزة الاستقرار
من جانبه، يرى المحلل الرياضي الأردني فهد القواسمي أن التوسع الجديد في نظام البطولة يفتح آفاقاً أوسع للمنتخبات العربية، مبرزاً الأوراق الرابحة لمنتخبي بلاده والمغرب، ويقول: "من وجهة نظري أن التواجد التاريخي للعرب في كأس العالم يعكس مدى تطور الكرة العربية خلال السنوات الأخيرة. وبالنسبة لحظوظ هذه المنتخبات، أرى أن أبرز التحديات التي واجهت العديد منها تتمثل في غياب الاستقرار الفني، وهو ما يؤثر على الانسجام داخل الفريق".
ويستدرك القواسمي: "لكن المنتخب الأردني من المنتخبات العربية القليلة التي حافظت على الاستقرار الفني بقيادة الكابتن جمال السلامي منذ التصفيات وحتى النهائيات، وهو عامل مهم في بناء هوية واضحة للمنتخب. كما أن نظام التأهل يمنح العرب فرصة أكبر لتجاوز دور المجموعات والوصول إلى دور الـ32. أما على مستوى التوقعات، فأرى أن المنتخب المغربي يملك المقومات للوصول إلى أدوار متقدمة، لما يمتلكه من جودة فنية وخبرة وثبات في المستوى، وقد يكون أحد أبرز الفرق القادرة على مواصلة الحضور القوي عالمياً".
ويؤكد أن أبرز العوامل التي قد تمهد الطريق أمام المنتخبات العربية لتجاوز سقف التوقعات تتمثل في الاستقرار الفني، والدعم الجماهيري والمساندة المستمرة للاعبين، ورفع الدوافع والطموحات لدى اللاعبين من خلال التحفيز النفسي والمعنوي، وتعزيز الجانب الذهني داخل أرضية الملعب، والالتزام التكتيكي، والتنظيم الدفاعي والهجومي خلال المباريات، والتعامل مع كل مباراة بتركيز عالٍ.

جدران: حان وقت مقارعة الكبار وكسر عقدة الحضور للمشاركة فقط
من جهته يعتقد المدرب المغربي هشام جدران أنه بعد وصول أول متخب عربي إلى نصف نهائي مونديال قطر، أصبح السقف عالياً والطموحات حقاً مشروعاً للكل؛ لأن الجمهور والمتتبع الرياضي يرى أن بالإمكان تثبيت ذلك، فالانتصار على منتخبات عالمية لم يعد مفاجأة بعد ما حققه المنتخب المغربي.
وأشار إلى أنه يؤمن بالعمل والإيمان وكسر عقدة المشاركة فقط، وضرورة إعطاء صورة طيبة عن المنتخبات العربية لتكون نداً قوياً في المحفل العالمي، وهذا لن يتحقق إلا بتضافر الجهود والعمل الجاد.
ويرى جدران أن العوامل التي تمهد الطريق للسير قُدماً في البطولة: التخطيط الجيد، والترتيب والإعداد للمباريات جيداً وبطريقة احترافية، وعدم ارتكاب أخطاء بدائية تكلف المنتخب المباراة، مع ضرورة الإيمان بأنه يمكن مقارعة الكبار، واحترام الخصوم، والتحفيز داخل المعسكر وغرفة الملابس.

الساري: تضخم المونديال أضعف شغفه.. والتأهل صعب على العراق والسعودية
من جانب آخر، يبدي صالح الساري، الصحفي السعودي السابق في جريدة "الجزيرة"، امتعاضه من العدد المبالغ فيه للمنتخبات المشاركة في المونديال، موضحاً أنه رغم الرقم القياسي للتواجد العربي في المونديال القادم، إلا أن مشاركة 48 فريقاً أمر لا يدخل العقل ولا يقبله المنطق، مقللاً من الرغبة والنشوة والحماس لمتابعة المباريات كما كان في السابق.
ويشير الساري إلى أنه على المستوى الشخصي يتابع المونديال، ولكن متابعته تقتصر على أهم المباريات إضافة للمنتخبات العربية المشاركة وبدرجة أقل منتخبات القارة السمراء. ويرى الساري أن حظوظ المغرب وقطر جيدة، ونوعاً ما الأردن والجزائر وربما مصر، للتأهل إلى الدور الثاني؛ ولكنه يراها صعبة جداً على العراق وبدرجة أقل على السعودية للتأهل من مجموعتيهما القويتين.

الجدي: التفاصيل الصغيرة هي الفيصل والكرة العربية بلغت مرحلة النضج
ومن واقع خبرته الميدانية المباشرة، قدم المدرب التونسي رضا الجدي، الذي عايش المونديال ضمن الجهاز الفني لنسور قرطاج في نسخة 2006، رؤية تحليلية عميقة ركزت على تحول العقلية العربية، قائلاً: "في تقديري، الحديث اليوم عن ثمانية منتخبات عربية في كأس العالم لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية العدد، بل من زاوية التحول الحقيقي الذي عرفته الكرة العربية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى التكوين أو الاحتراف أو حتى الثقافة التكتيكية للاعب العربي. ومن خلال تجربتي الميدانية خلال مشاركتي مع منتخب تونس في مونديال 2006، أستطيع القول إن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق في هذه البطولات الكبرى. كأس العالم ليست فقط مسألة جودة لاعبين".
وتابع الجدي: "أعتقد أن بعض المنتخبات العربية تملك عناصر قد تسمح لها بتجاوز سقف التوقعات، خاصة مع تطور شخصية اللاعب العربي واحتكاكه المستمر بالمستوى العالي في أوروبا. كما أن النجاح التاريخي الذي حققه منتخب المغرب في مونديال قطر غيّر الكثير من المفاهيم، وأثبت أن المنتخبات العربية قادرة على الذهاب بعيداً عندما تتوفر الهوية التكتيكية والانضباط الجماعي والثقة بالنفس".
واستعرض المدرب رضا الجدي أربعة عوامل أساسية قد تقود المنتخبات العربية نحو أدوار متقدمة، أولها الاستقرار الفني، وثانيها الجاهزية البدنية، وثالثها الجانب الذهني، ورابعها الروح الجماعية والانضباط التكتيكي.
وختم المدرب التونسي حديثه بالقول: "شخصياً أرى أن الكرة العربية وصلت إلى مرحلة النضج التنافسي، ولم يعد الوصول إلى الدور الثاني أو حتى أبعد من ذلك أمراً مستحيلاً، والدليل ما فعله المنتخب المغربي في المونديال الأخير بقطر. والأهم هو أن تلعب منتخباتنا بعقلية المنافس الحقيقي لا بعقلية المشاركة فقط، لأن الفارق بين المنتخبات الكبرى وبقية العالم أصبح يُحسم غالباً بالتفاصيل والانضباط أكثر".

هشبول: الأخضر في اختبار معقد.. والمغرب ومصر يملكان مفاتيح العبور
من جانبه، قدم الإعلامي السعودي والمحلل الرياضي المتخصص في الكرة الأوروبية، محمد هشبول، قراءة فنية واقعية لفرص الاستحقاق العربي في المونديال، واضعاً يده على مكامن القوة والتحديات، مؤكداً أن "الأخضر" سيجد نفسه في صراع مباشر على خطف بطاقة المركز الثالث. وأشار إلى صعوبة المهمة في ظل ضيق الوقت أمام المدرب الجديد "دونيس" الذي لم يحظَ بالوقت الكافي لإعداد الفريق والاجتماع باللاعبين، وفرض أسلوبه.
واستبعد هشبول تأهل المنتخب العراقي عن مجموعته، وقال: "مع كامل تقديري لأسود الرافدين، إلا أن الفريق خاض المشوار الأصعب والأطول للوصول إلى المونديال، ما تسبب له بإرهاق كبير، والإمكانيات الحالية قد لا تسعفه للذهاب بعيداً. وهو ما أتوقعه للمنتخب القطري، نظراً لوقوعه في مجموعة شديدة التعقيد تضم كندا المستضيفة، وسويسرا والبوسنة".
ويرشح هشبول المنتخب المغربي بقوة لبلوغ أدوار متقدمة مدفوعاً بإنجازه التاريخي في النسخة الماضية ووفرة عناصره واستقراره الفني. كما وضع المنتخب المصري ضمن أبرز المرشحين للتأهل، مستنداً إلى الشخصية القوية لمنتخب الفراعنة، ويرى أنه قادر على تخطي منافسيه في المجموعة بنجاح وحسم التأهل.
وعن منتخب تونس، يرى هشبول صعوبة موقفه ومغادرته مبكراً، لافتقاد التشكيلة الحالية للأسماء الرنانة والعناصر الثقيلة، خصوصاً وهي تواجه مجموعة شرسة تضم هولندا، السويد، واليابان.
واختتم تحليله بالحديث عن المجموعة التي تجمع الأردن والجزائر رفقة الأرجنتين المرشح الأول للصدارة، مؤكداً أن المواجهة العربية المباشرة بينهما هي التي ستحسم هوية المتأهل، ورغم قوة النمسا في المجموعة، إلا أن أحدهما (الأردن أو الجزائر) سيضمن المركز الثالث بالتأكيد، وقد يكون لقاؤهما معاً هو الفيصل.

آيت: المغرب مرشح فوق العادة.. والجزائر تملك سلاح الخبرة
بدوره، وضع المحلل والناقد الرياضي الجزائري مهدي آيت منتخب أسود الأطلس كفرس رهان أول للعرب، مع إعطاء بقية المنتخبات نسباً متفاوتة من التفاؤل استناداً إلى النظام الجديد للبطولة. وقال: "بالنسبة لحظوظ العرب في المونديال، أعتقد أن المنتخب الأول المرشح لبلوغ الأدوار المتقدمة والتألق هو المغرب، نظراً لما يملكه من أسماء تلعب في أكبر الأندية الأوروبية، وما يتميز به من استقرار، والمردود الكبير والاستثنائي الذي قدمه أسود الأطلس في مونديال قطر، لذا أعتقد أن المنتخب المغربي اكتسب الثقة والخبرة اللازمة التي تجعله يحاول الوصول إلى ما وصل إليه على الأقل في مونديال 2022".
وعن بقية المنتخبات العربية، قال آيت: "بالنسبة لباقي المنتخبات، أظن أنها تملك حظوظاً، خاصة إذا نظرنا إلى أن هذا المونديال يضم 48 منتخباً، والتأهل إلى الدور الثاني سيكون متاحاً لأكبر عدد من المنتخبات بالصيغة الجديدة. لذلك، أتوقع تأهل منتخبين أو ثلاث منتخبات عربية على الأقل، وبعد ذلك في المباريات الإقصائية كل شيء ممكن، ونتمنى أن تتألق جميع المنتخبات وأن نرى على الأقل منتخباً عربياً في المربع الذهبي، كما حدث في مونديال قطر 2022".

كاظم: القرعة أحيت آمال البعض.. الفوارق مع الكبار لا تزال قائمة
في ختام الاستطلاع، يقدم المدرب والمحلل الرياضي العراقي ثائر كاظم، قراءة فنية واقعية، موضحاً أن المنتخبات العربية تعد العدة من خلال اختيار أفضل اللاعبين وتوفير الدعم اللوجستي الكامل لظهور منتخبات العرب بأبهى حلة؛ ولكن مهما كان مستوى لاعبي المنتخبات العربية فإن الفوارق ما تزال واضحة وكبيرة مع المنتخبات الأوروبية واللاتينية، باستثناء منتخب المغرب وبنسبة أقل مصر.
ويرى أن القرعة لعبت دوراً مهماً في إحياء آمال بعض المنتخبات العربية للتأهل، إذ وقع منتخب قطر في مجموعة سهلة نسبياً، وبإمكانه أن يتأهل ولو كأفضل ثالث على الأقل، بينما يعتبر منتخب المغرب أبرز مرشح لعبور المجموعة ثانياً على الأقل، في حين يبدو منتخب تونس في مهمة صعبة وشبه مستحيلة في مجموعة تعتبر صعبة جداً، وقد يتنافس مع السويد على المركز الثالث.
ويؤكد كاظم أن "منتخب مصر هو صاحب الحظ الأوفر للتأهل المباشر عن مجموعته مع منتخب بلجيكا. أما المنتخب السعودي فهو في مهمة صعبة، خاصة بعد تراجع مستواه فنياً وعدم الاستقرار على مدرب واحد، بينما العراق في مهمة مستحيلة، وأعتقد أنه سيكتفي بالمشاركة وتقديم مستوى يليق بوجوده في المونديال. وسيعطي لقاء الأردن والجزائر في مجموعة تضم حامل اللقب، فرصة للمنتخبات العربية لزيادة عدد الفرق المتأهلة إلى دور الـ32 في حال تأهل أحد الفريقين أو كلاهما؛ لكن هذا الأمر يبقى صعباً بوجود منتخب قوي كالنمسا".