دمشق - خاص / لا ميديا -
عاش السوريون، يوم الثلاثاء الماضي، 4 آب/ أعسطس الجاري، يوماً عصيباً ساده الغموض، مع تناقل أخبار، تارة عن انقلاب عسكري، وأخرى عن تمرد عسكري، وعن اشتباكات تجري في أكثر من مكان في سورية، ومن بينها عند القصر الجمهوري بدمشق، وأخرى عن تغييرات في هرم القيادة العسكرية، لتستقر أخيراً، على عزل بعض القادة العسكريين، وتحديداً من قادة الفرق (المجموعات المسلحة)، لكن ما جرى لم يكن مجرد تغيير عادي كما يحصل في كل الجيوش النظامية.
فالتغيير جرى لقادة فصائل مسلحة شاركت في الأحداث السورية، قبل سقوط نظام الأسد، وبعد التغيير الدراماتيكي الذي حصل في دمشق، ووصول «حركة تحرير الشام (جبهة النصرة)» بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) إلى الحكم، تم تشكيل (جيش السلطة الجديدة) من هذه الفصائل، وإعلان كل فصيل كفرقة عسكرية مستقلة، وتم منح قادتها رتبة عميد، رغم أن معظمهم لا يحمل حتى الشهادة الثانوية، وليسوا من خريجي الكليات العسكرية، بمن فيهم وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، الذي يحمل شهادة الهندسة الزراعية، وهو الوحيد بينهم من يحمل شهادة جامعية.
وبعد جلاء الصورة، تبين أنه تم اتخاذ الإجراءات التالية:
- عزل محمد الجاسم (أبو عمشة) من قيادة الفرقة 62.
- عزل أحمد الهايس (أبو حاتم شقرا) من قيادة الفرقة 86.
- عزل سيف بولاد (أبو بكر) من قيادة الفرقة 76.
- عزل ثائر معروف من قيادة الفرقة 80.
- عزل معتصم عباس من قيادة الفرقة 80.
- عزل عبدالناصر أبو جلال من قيادة الفرقة 80.
وسبق ذلك، عزل أبو أسيد حوران (فيلق الشام) من قيادة فرقته، وتم حل الفرقة وتوزيعها على بقية الفرق الأخرى، وهو ما يتوقع أن يجري للفرقة 62 التي كان يقودها أبو عمشة، حتى لا تبقى تشكل خطراً داخلياً، ولحرمان أبو عمشة من إمكانية تحريك عناصر الفرقة، الذين يدينون له بالولاء، حتى بعد عزله عن قيادتها.
كان أبو عمشة أخطر هؤلاء وأقواهم مكانة عسكرية في السلطة الجديدة، ولذلك استحوذ على الاهتمام الأكبر، من بين القادة الذين تم عزلهم، سواء بطريقة التغيير أو بدلالات هذا التغيير.
فالجولاني والقيادة العسكرية في السلطة، يعلمون أن أبو عمشة مشاغب، وسيرفض القرار، ويحرك الشارع في ريف حماه عليهم، فتم اللجوء إلى خطة لتضليله، حيث تم:
- إعلان استنفار الجيش، وبدون إبلاغ أبو عمشة وبقية القادة، عن سبب الاستنفار.
- نشر الشرطة العسكرية في مدينة حماه وريفها، حيث تتواجد قيادة الفرقة، وأماكن انتشارها.
- تحريك الفرقة 70 من دمشق باتجاه حماه.
- استدعاء أبو عمشة لاجتماع، وتم سحب جهاز الموبايل منه، وبقي شبه محجوز، من الليل حتى الصباح.
- تم إرسال مختار التركي، الذي تم تعيينه قائداً للفرقة بدلاً عنه، وأنجز ترتيبات التغيير، قبل أن يتم إعلام أبو عمشة بما يجري.
- بعد إنجاز التركي لمهمته، تم إعلام أبو عمشة، وتخييره بين قبول هذه الإجراءات، وتعيينه نائباً لقائد الفيلق (منصب بدون أي قوة) أو تحريك وحدات من الجيش، وحصار مقراته ودخولها.
- أبو عمشه الذي وجد نفسه محاصراً، وافق تحت الضغط، وقبل تعيينه نائباً لقائد الفيلق.
وبعد جلاء الصورة، انتقل الحديث عن أسباب ما جرى، حيث قال القائد السابق في «جبهة النصرة» (صالح الحموي) الذي انشق عنها، وأصبح من أكثر من يكشف كواليس ما يجري في سورية، بأن ما جرى، كان استجابة لشروط قوات سورية الديمقراطية «قسد» لإكمال عملية الاندماج، بعزل قادة الفرق الثلاثة، الذين تم عزلهم بالفعل.
ومما يرجح هذا الاحتمال، أن ما جرى، تم بعد زيارة مظلوم عبدي قائد قوات «قسد»، والقيادية الكردية إلهام أحمد لدمشق، ولقائهم رئيس السلطة أبو محمد الجولاني لبحث استكمال اندماج «قسد» في الجيش، والمشاركة في مؤسسات الدولة، وتولي بعض قادة قسد مناصب سياسية في الدولة.
وتزامنت أيضاً، مع زيارة رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني إلى دمشق، ولقائه (الشرع) وسبق الزيارة اتصال هاتفي بينهما، وتحدثت أخبار عن أن البارزاني، نقل طلبات مظلوم عبدي قبل لقائه الجولاني.
كما تحدثت أنباء، بأن السلطة السورية طلبت من مظلوم عبدي، إرسال قوائم بترشيحات كوادر كردية، لتولي مناصب في الدولة، وبأن القيادية الكردية إلهام أحمد، ستزور وزارة الخارجية السورية، لبحث إمكانية تسلمها منصبا فيها، ويدور الحديث عن احتمال توليها نائبة لوزير الخارجية، أو مساعدة له، أو مستشارة كبيرة لدى الوزير.
أما عبدي، فلم يطرح حتى الآن، المنصب الذي سيتولاه، لكن السلطة السورية أبلغته مرارا بضرورة الوجود في دمشق.
ومن بين الأفكار التي يتم طرحها عليه، أن يتسلم منصب المبعوث أو المستشار الرئاسي لشؤون المكونات، بما في ذلك الأكراد، فيما طرحت أمريكا وفرنسا، أن يتولى منصب مدير مكتب الأمن الوطني، الذي صدر أمر بأن يتولاه وزير الداخلية أنس خطاب، إضافة إلى منصبه، وهو ما يبقي هذا الاحتمال مفتوحاً.
ومن المتوقع أن يعلن عبدي قريبا، حل «قسد» وجميع المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة للتنظيم، بما في ذلك «وحدات حماية الشعب» و»الإدارة الذاتية». أما «وحدات حماية المرأة»، وهو تنظيم عسكري نسائي تابع لـ»قسد»، فقد اقترحت «قسد» أن يكون لها وضع خاص، بحيث تلعب دورا ضمن جهاز الأمن الداخلي لمحاربة الإرهاب.
وبغض النظر عن هذه التفاصيل، فإن ما جرى، يأتي استجابة للمطالب الأمريكية والبريطانية والغربية من السلطة السورية، بعزل أسماء القادة وشخصيات السلطة الموجودين على القوائم الأممية والأمريكية للتنظيمات والشخصيات الإرهابية، وعزل المقاتلين الأجانب، كمقدمة لرفع العقوبات الدولية المفروضة على سورية، منذ سنوات طويلة، وبدء مرحلة إعادة الإعمار.
وهناك توقعات، بأن عملية التطهير ستتواصل وتتسارع، خاصة بعد إتمام عملية عزل القادة العسكريين، وستكون عملية عزل المقاتلين الأجانب، مهمة لا تقل صعوبة عن مهمة عزل القادة.