حقيقة خريطة العالم
 

محمد سلطان

محمد سلطان  / لا ميديا -
يجب أن ندرك حقيقة علمية وتاريخية صادمة في البداية: كل الخرائط والأحجام التي درسناها وألفناها طوال حياتنا، بما فيها خريطة «مركاتور» الشهيرة، التي درسناها، هي في الواقع خرائط خاطئة ومضللة رياضياً ولا تعكس الحجم الحقيقي لدول العالم.
لم تكن تلك الخرائط السابقة مجرد خطوط بريئة رُسمت لتسهيل الملاحة، بل لطالما ضُخمت مساحة الغرب في خريطة العالم وتم تقزيم عالم الجنوب وأفريقيا لأغراض استعمارية إمبريالية. لقد رسخت هذه الخرائط وهماً بصرياً يعظم مساحات دول الشمال وأوروبا وأمريكا، في حين يصغر قارة عملاقة مثل أفريقيا لتظهر مقاربة في حجمها لجزيرة جرينلاند، رغم أن أفريقيا تكبرها في الواقع بـ14 ضعفاً.
وفي خطوة تاريخية لإنهاء هذا التشوه المعرفي، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، بأغلبية كاسحة بلغت 164 صوتاً، لاعتماد خريطة العالم الجديدة: «إسقاط المساواة في الأرض» (Equal Earth) لتظهر الحجم الحقيقي لأفريقيا وعالم الجنوب. غير أن اللافت في هذا الحدث هو الموقف الأمريكي؛ إذ وقفت الولايات المتحدة معزولة تماماً كالدولة الوحيدة التي صوّتت ضد هذا القرار، رافضةً اعتماد الخريطة الحقيقية والموافقة عليها، متذرعة بأن الخطوة تحمل دوافع «أيديولوجية».
هذا الرفض الأمريكي يعكس حقيقة أعمق؛ فالتمثيل البصري لطالما ارتبط بموازين القوة والهيمنة التي عفا عليها الزمن. ولكن، عندما تستعيد أمم الجنوب خريطة العالم وتظهر أوروبا والغرب بحجمهما الحقيقي، فكأنما حتى الجغرافيا والقارات تقولان إن العالم تغير، والغرب يتراجع، وأمم الجنوب تتحرر. لقد أثبت هذا التصويت الأممي أن الأجيال القادمة باتت تستحق أن تقرأ العالم بعدالته الجغرافية وحجمه الحقيقي، بعيداً عن أوهام العظمة السياسية التي رسمتها خرائط الماضي.

أترك تعليقاً

التعليقات