لماذا يخفق الجانب الرسمي في مواكبة معركة سقفها «التحرير الشامل»؟!.. الجبهة الغائبة
- عيسى محمد المساوى الثلاثاء , 3 نـوفـمـبـر , 2026 الساعة 12:07:18 AM
- 0 تعليقات

عيسى المساوى / لا ميديا -
حين يخرج قائد الثورة في الـ17 من يوليو 2026م بخطاب تاريخي يشخص فيه 12 سنة من العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، ويشرح معاناة الناس الذين وصل الحال ببعضهم للأكل من الشجر، ويضع الشعب اليمني وهو في المقدمة على عتبة حرب مفصلية لاستعادة كافة الحقوق ونزع اليد السعودية من اليمن وفق معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد»، كان من الأوجب على الجهاز الرسمي ككل أن يكون عند مستوى المواجهة بكل ما للكلمة من معنى، ويُعدُّ كل ما بوسعه من قوة ليس لخوض المعركة فحسب، بل وللانتصار فيها، امتثالاً لقول الله سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)، وهنا تبرز تساؤلات محورية مفادها: هل أعددنا ما نستطيع من القوة في كل المجالات لمواجهة أعتى طواغيت المنطقة، ومن يقف خلفهم من قوى الاستكبار العالمي؟ أم ما يزال بمقدورنا إعداد ما هو أفضل؟ وماذا يترتب على بقاء هذه الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، من آثار على شروط الانتصار في هذه المعركة المفصلية؟
للإجابة على هذه التساؤلات فإن من الأهمية بمكان إجراء مراجعات تقييمية لمستوى الأداء القائم، وتلمس أي فجوات قد تظهر هنا وهناك، والتنبيه للمخاطر التي قد تحرف مسار المعركة عن الانتصار الكبير، وبناءً على ذلك يمكن البدء بالمراجعات الهامة التي تفرضها اللحظة الراهنة، وتأجيل باقي المراجعات للفترة القادمة.
يمكن القول إن هذه المعركة تتسم بخصوصية من نوع مختلف عن الجولات السابقة من الحرب، فكون المعركة مفصلية فهذا يعني أولاً أن سقف هذه المعركة ينتهي باستعادة كافة الحقوق، وتحقيق سيادة الدولة اليمنية كاملة غير منقوصة، وثانياً أن البحر الأحمر والعمق السعودي هما أبرز الساحات الرئيسية لهذه المعركة المفصلية، وبالتالي فإننا نحارب في أهم شرايين الاقتصاد العالمي، ما يجعل معركتنا مع المجتمع الدولي وليس مع النظام السعودي فقط، لا سيما بعد تجربة اليمن الاستثنائية في طوفان الأقصى، الأمر الذي يجعلنا بأمس الحاجة إلى أدوات القوة الناعمة لتوجيه أدائنا خارج الجغرافيا اليمنية، ولمواكبة تطورات المعركة المفصلية وتفاعلاتها الإقليمية والدولية.
لهذه الاعتبارات تحتل الجبهة السياسية والدبلوماسية والجبهة الإعلامية أهمية بالغة لا تقل أهمية عن الجهة العسكرية، وما حصل من ردود فعل واسعة النطاق اقليمياً ودولياً على اغلاق الصواريخ اليمنية لمطارات الرياض والدمام واستهداف منشآت أرامكو عصب الاقتصاد العالمي، ناهيك عن الانتصار العسكري الاستثنائي وغير المسبوق في استعادة السيطرة على الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب ومعظم تعز، خير شاهد على ذلك.
لقد حدثت معركة دبلوماسية وإعلامية على امتداد الإقليم والعالم: أخبار عاجلة، وتقارير إعلامية، وبيانات ومواقف دبلوماسية، كلها تريد تغيير مسرح العمليات العسكرية، وتندد بالسيطرة اليمنية الحاكمة على معادلة الصراع، وتبث الرعب في العالم من خطورة وصولنا إلى باب المندب، وكأن مطبخاً إعلامياً ودبلوماسياً واحداً هو من صاغ سيل الرسائل الإعلامية والدبلوماسية بهدف تحريض المجتمع الدولي لاتخاذ أي مواقف عدائية ضدنا، والمشكلة في هذه المعركة أن هناك العديد من المغرر بهم، والواقع تحت تأثير السردية الإعلامية والدبلوماسية لتحالف العدوان على اليمن.
على الجهة المقابلة نرى أداءنا السياسي والدبلوماسي والإعلامي وكأنه لم يفهم المعركة بعد، والحقيقة أننا نعاني عجزاً قاتلاً في أداء وزارتي الخارجية والإعلام يُعرض قواتنا العسكرية وما حققته من انتصارات نوعية لأخطار حقيقية، وسنقتصر في هذه الحلقة على الأداء الإعلامي تاركين الأداء السياسي والدبلوماسي للحلقة القادمة، فالجبهة الإعلامية منكفئة على خطاب الداخل، والتموضع الدفاعي معظم الوقت لرد الهجمات الاعلامية للعدو، وتفنيد شائعاته هذا إن نجحت، أو منهمكة بمتابعة وأحياناً تأجيج الهجمات الإعلامية البينية على منصات الإعلام الاجتماعي بين المحسوبين على هذا الشخص أو ذاك وكلا الشخصين محسوبان على الجبهة الداخلية للأسف الشديد، لتتحول هذه الهجمات إلى محك حقيقي لقياس مستوى ترهل الأداء الإعلامي، والذهنية الإعلامية التي تحكم الجبهة الإعلامية، ومادة دسمة لإعلام العدو قدمت له الشواهد المؤيدة لبعض هجماته طوال السنوات الماضية.
في الوقت الذي ننتظر فيه من وزارة الإعلام إزاحة الستار عن منابر إعلامية على درجة عالية من المهنية والاحترافية لمخاطبة الرأي العام العربي والغربي على وجه التحديد لما له من أهمية كبيرة في المعركة الراهنة، نتفاجأ أن وزارة الإعلام منشغلة بصناعة معارك جانبية على الجبهة الداخلية، إما مع صحيفة "لا" لتمنع تجديد تصريحها كمقدمة لإيقاف صدورها، وهي جزء أصيل من الجبهة الإعلامية، لا لشيء سوى أنها لا تخضع لإملاءات العقلية المأزومة، وترفض الانضمام إلى طابور المسبحين بحمد الوضع الأزرى، أو تطلق ذبابها الإلكتروني لتأجيج الخلافات والهجوم على كل صوت حر يريد تصويب الأخطاء وتقويم الاعوجاج، فكانت بارعة حقيقية في تضييق الخناق على الإعلام الحر والمسؤول بدعوى أنه يغرد خارج سرب القطيع ويخدم العدوان، متجاهلةً أن الأداء المترهل والفاشل والشللية والمناطقية يمثل أكبر خدمة للعدو.
حين خرج قائد الثورة بذلك الخطاب التاريخي الذي رسم معالم معركة التحرير الشامل، كان من البديهي أن نجد مضامين ذلك الخطاب مانشتات ومضامين في كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية والإقليمية، لكن للأسف الشديد لم نجد لذلك أي أثر لأن جهابذة وزارة الإعلام عجزوا طوال 12 عاماً من العدوان على اليمن أن يبنوا جسور التواصل مع كبريات المؤسسات الإعلامية والشخصيات العالمية، على الأقل الذين يكنون العداء للسياسة الأمريكية في المنطقة، وللرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديداً، لنتمكن من توظيف هذه العلاقات في الدفاع عن مظلوميتنا وتقديم السردية اليمنية التي تضع حداً لتقولات وافتراءات إعلام البترودولار، كما يفعل الآخرون، وكما يفعل حلفاؤنا في محور الجهاد والمقاومة، وحين فاجأنا العدو بدعوى زائفة وركيكة تدعي مهاجمتنا لمكة والمدينة، وقفت وزارة الإعلام عاجزة عن رد هذا التضليل الإعلامي، وأثارت سيلا من الردود العشوائية بلا وجهة ولا هدف ولا ضابط إيقاع، الأمر الذي ترك رسائل سلبية وزاد الطين بلة، واضطر الأمر أن يخرج قائد الثورة لدحض هذه الشائعات ولعب الدور بدلاً عن وزارة الإعلام! هكذا يكون الأمر مستفزاً حين يتم استدعاء قائد الثورة لينهض بالدور بدلاً من الذين تركوا مواقعهم في الجبهة الإعلامية وانهمكوا منشغلين بسفاسف الأمور.
اليوم ما يزال العدو السعودي يعمل على فرية استهداف مكة والمدينة لأنه أدرك وجود هذه الفجوة المعيبة في أدائنا الإعلامي، فما المطلوب يا قادة وزارة الإعلام؟! وما المطلوب بالضبط من قائد الثورة؟! هل يتفرغ لهذه المعركة الكبرى التي لم ندرك بعد أبعادها وحجم التكالب العالمي علينا، ويركز على إدارة تفاعلاتها التي تتجاوز جغرافيا اليمن والإقليم، أم يترك هذه المهام الكبرى ويتفرغ لسد ثغرات المنكفئين على أنفسهم بعيدين عن مهامهم الجهادية في هذه المعركة الحاسمة؟!
على سبيل المثال لا الحصر لا يوجد إلى اليوم لقناة اليمن الفضائية مترجم فوري لاستضافة كبار الخبراء والمحللين الدوليين في النشرات الرئيسية والبرامج الحوارية، والأمر ينطبق على المسيرة وباقي القنوات الوطنية وإن كانت اليمن الفضائية الأقل من حيث الإمكانات في الوقت الذي يفترض أن تكون الأولى في كل شيء، وهذا العجز الفاضح تتحمل وزره قيادة وزارة الإعلام، وإلى اليوم لا نملك حتى صحيفة إنجليزية احترافية كنموذج للإعلام الموازي لمخاطبة الرأي العام الغربي والتحكم قدر الإمكان بسردية الإعلام العالمي بدلاً من أن نترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للسردية المعادية، لأن الإعلام الغربي لا يمكن أن يتعامل مع الإعلام الرسمي ولو كان ناطقاً بكل لغات العالم، وإلى اليوم لم نشاهد مؤتمرا صحفيا واحداً للناطق باسم الحكومة رغم كل هذه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها اليمن، ورغم الضخ الإعلامي الذي يتهددنا على مدار الأسبوع من إعلام البترودولار، فإذا كان الناطق الرسمي باسم الحكومة لا يستطيع إدارة مثل هذه المؤتمرات، فالأولى التأسي بنبي الله موسى عليه السلام الذي قال الله سبحانه وتعالى على لسانه: "وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ" وبالتالي تكليف من يمتلك الخبرة والكفاءة في إدارة مثل هذه المؤتمرات الصحفية.
لا ندري حتى اللحظة ما الحكمة من وراء الإبقاء على مثل هذه الأعباء والثغرات التي تخدم العدو ولا تخدمنا، فمن لم يضطلع اليوم بمسؤوليته كما يجب ونحن نخوض معركة مصيرية مع العالم، فهو أعجز من باب أولى في غير هذا اليوم، وإذا لم يتم تصحيح هذا الوضع اليوم، ونحن بأمس الحاجة إلى التصحيح، فمتى يا تُرى، وهل يا تُرى الوقت وقت المجاملات والمحسوبيات ونحن نخوض معركة التحرير الشامل؟! أرجوا ألا تكون الإجابة صادمة.
إنّ ما ينطبق على وزارة الإعلام ينطبق على غيرها، وإنما اضطررنا إلى إفرادها في الحديث لأنها تشكل محور ارتكاز للانتصار في معركة التحرير الشامل، أكثر من غيرها من الجهات الرسمية.
هذه المرحلة المفصلية في الصراع لا بد لها من تلازم المسارين العسكري والسياسي، إذ لا يمكن للمسار العسكري منفرداً إحراز الانتصار الكبير في معركة التحرير الشامل في ظل الظروف الراهنة، وهذا ما تدعمه الخلاصة التحليلية لحصاد 12 سنة من العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وبناءً على حصاد هذه المعركة الطويلة هناك أهمية قصوى لوجود مسار سياسي دبلوماسي مؤهل لتلقف الانتصارات العسكرية وترجمتها إلى مكاسب على طاولة المفاوضات، في ضوء رؤية استراتيجية واضحة المعالم تمتلك إجابات شافية للكثير من المعضلات، وتعرف بوضوح متى تبدأ ومن أين، وكيف تُدار مثل هذه المفاوضات المعقدة، فالمواجهة لم تعد محصورة في حدودها اليمنية السعودية، بل باتت تتصل بأمن التجارة الدولية، وهو ما يوسع دائرة الأطراف المتأثرة بنتائجها، ويعزز من رغبة الفاعلين الإقليميين والدوليين في التدخل لرسم نهاية الملف اليمني الكبير، وأمر كهذا سيزيد من مستوى الاستقطاب والاختراق بشكل غير مسبوق، الأمر الذي يتطلب توسيع الرؤية، وإخضاع كل شيء للفحص والتدقيق.
هذا التشابك يضع صنعاء أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فإلى جانب السعودية، توجد قوى دولية وإقليمية ترتبط مصالحها بأمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وقد تتباين مواقفها تبعاً لحجم التهديد الذي تتعرض له تلك المصالح، وهذا بقدر ما يفرض توازناً عالياً في إدارة هذه التفاعلات، يقدم لصنعاء في الوقت ذاته أوراق ضغط يمكن استخدامها باحترافية في سبيل تحقيق المصالح العليا لليمن، الأمر الذي يفرض على صنعاء عدة أمور من أهمها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أولاً: بناء سردية سياسية مقنعة للمجتمع الدولي، وشرح المواقف والأهداف المعلنة لصنعاء، فالأخيرة تستطيع استثمار التناقضات في مواقف القوى الدولية وتباين المصالح عبر حوار سياسي واسع ومركز بدلاً من الاستسلام لفرضية وجود موقف دولي موحد تجاهها.
ثانياً: توسيع قنوات التواصل، والاستفادة من كل الأصوات القريبة من وجهة نظر صنعاء، أكانت مراكز أبحاث، أو شخصيات سياسية وأكاديمية، أو إعلاميين ومؤثرين، بالإضافة إلى الفاعلين الاقتصاديين، والمنظمات، وأصحاب المصلحة، بما يتيح إيصال وجهة نظر صنعاء إلى دوائر لا تصل إليها القنوات السياسية الرسمية.
ثالثاً: تطوير أدوات القوة الناعمة وتوسيع الحضور الدبلوماسي والإعلامي، وتقديم خطاب سياسي رصين، يخاطب صُنّاع القرار بمنطق الدبلوماسية ولغة المصالح المشتركة، لا بلغة الخطابة والشعارات.. فما الذي فعلناه في هذا السياق؟
حتى اليوم لم تنجح الذهنية التي تقود وزارة الخارجية في مغادرة منصة ميدان السبعين ببياناتها الخطابية التي لا تمت بأي صلة للعمل الدبلوماسي، ومع أن اللحظة الراهنة تشهد سيلاً من البيانات الدبلوماسية من مختلف دول العالم، إلاّ أن خارجيتنا ترفض الاستفادة من تجارب الآخرين، والمشكلة الحقيقية ليست في الكوادر الدبلوماسية التي لا تخلو منها الوزارة، بل في الذهنية التي تقود الخارجية القادمة من الوسط الأمني والعسكري والقبلي، وهذا ليس عيباً أبداً إذا لم يتم اعتساف الأمور؛ فوزير الخارجية الأمريكية الأسبق كولن باول كان من كبار جنرالات الدفاع الأمريكية لكنه يُصنف ضمن وزراء الخارجية الناجحين، والسبب أنه لم يحاول أبداً أن يقود الخارجية بالعقلية العسكرية، بل أفسح المجال للدبلوماسيين أن يؤدوا دورهم المعهود، وأخَذَ موقع التلميذ الفطن ليستفيد من أصحاب الخبرة أبجديات العمل الدبلوماسي، فنجح في ردم الهوة الواسعة التي خلفتها تلك النقلة الكبيرة من قلب المؤسسة العسكرية إلى قلب المؤسسة الدبلوماسية.
على الجهة الأخرى من الأداء الضعيف للخارجية لدينا توثيق لعشرات، بل مئات الجرائم التي تكفي لملاحقة مجرمي الحرب السعوديين وغير السعوديين في المحافل والمحاكم الدولية، ولا أدري لماذا لم يتم تحريك هذا الملفات الهامة جداً؟! وكأن 12 سنة من جرائم الحرب بحق الأبرياء اليمنيين والمستمرة حتى اليوم لا تكفي لتحريك الضمير للنهوض بمسؤولية هذا الملف الهام، ويبدو أن الخارجية لا تشعر بالدونية وهي ترى ما صنعه رجال فلسطين الصادقون بمجرمي الحرب الصهاينة، وكيف أوصلوهم إلى المحاكم الدولية وأصدروا بحقهم مذكرات اعتقال.
في السياق ذاته كان للخارجية تجربة ناجحة، وإن كانت محدودة، في تنشيط الدبلوماسية الشعبية خلال سنوات ما قبل خفض التصعيد، غير أن هذه التجربة الناجحة اختفت هذه المرة بشكل مثير للاستغراب في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إليها، وإلى مضاعفة أنشطتها على نطاق واسع، وهناك من قيادات الجاليات اليمنية من هو على استعداد للعب دور فاعل في هذا المسار، المهم أن تُستنهض هذه الجهود بالتقدير والتكريم المعنوي ليس إلاّ، وليس عيباً أن ننسق مع إخوتنا الفلسطينيين ونستفيد من تجربتهم المذهلة في استثمار الدبلوماسية الشعبية، بل العيب كل العيب في هذا النكوص غير المبرر.
كان الصادم والمأساوي بكل ما للكلمة من معنى بيان الخارجية الصادر بعد الانتصار النوعي في الساحل الغربي، والذي طالب النظام السعودي بالعودة إلى "اتفاقية خفض التصعيد"!! هكذا بكل برود وسطحية وكأن تلك الانتصارات النوعية التي هزّت عواصم القرار الغربي بما أحدثته من تحولات جذرية في واقع الصراع مضيفةً لصنعاء ثقلاً وازناً على طاولة المفاوضات، لا قيمة لها بنظر الخارجية، حتى الاجتماع الاستثنائي الذي عقد في ألمانيا في الـ17 من سبتمبر بقيادة قائد القيادة المركزية الأمريكية، ورؤساء أركان الجيوش في مصر والأردن والكيان "الإسرائيلي" ودول الخليج -باستثناء عُمان- للاتفاق على رؤية مشتركة ضد اليمن وإيران، وتقديم الدعم للسعودية في مواجهة هجمات "أنصار الله" و"تهديدات باب المندب"، لم ينجح هو الآخر في إقناع الذهنية التي تقود الخارجية بأن ما حدث كان صادماً بكل المقاييس لقادة الجيوش المجتمعة، وخارج حسابات العقلية الاستراتيجية التي ترسم سياسات صانع القرار الأمريكي والغربي، فبيان كهذا لا يمكن اعتباره موقفا متسرعا أو زلة لسان، بل خطأ جسيماً يثير الكثير من علامات الاستفهام، ويستدعي الوقفة الجادة لمحاسبة هذه الذهنية غير المؤهلة لقيادة واحدة من أهم جبهات المعركة المفصلية.
على الجهة المقابلة واستمراراً لهذا الانحدار السياسي ظهر أحد القيادات السياسية المحسوبة على الأنصار في برنامج حواري وهو يطلق التهديدات العنترية بضرب باكستان النووية بيد من حديد، في الوقت الذي لم نحسم فيه بعد معركتنا مع السعودية البدوية، في محاولة رعناء لاستعداء قوة نووية، ودفعها دفعاً للارتماء في أحضان السعودية، بينما هي تعاني من مشاكل اقتصادية كما هو حال تركيا، وتبحثان عن حلب البقرة الحلوب كما يفعل الرئيس الأمريكي ترامب.
لقد اضطر قائد الثورة للخروج لتغطية هذا العجز القاتل وتوجيه رسائل سياسية ذكية لكل من تركيا وباكستان عالجت الآثار السلبية لتلك التهديدات، بالإضافة إلى إعادة الاعتبار للانتصارات النوعية في الساحل الغربي التي يستحيل معها التقهقر إلى اتفاقية خفض التصعيد.
أما على صعيد مبادرات السلام، فهناك خفة وسطحية لا تليق باليمن كلاعب إقليمي وازن، فعلى سبيل المثال أحدثت "مبادرة شيخ الأزهر" فوضى من الردود والترحيب أظهرتنا أقل بكثير مما نحن عليه، والقضية لا تستحق كل هذا التهافت غير اللائق بوزن اليمن، وعلى مبادرة لم توجه لصنعاء أصلاً، بل تتحدث عن المنطقة ككل، وكان الأولى الاكتفاء بمفتي الجمهورية للرد عليها حتى نُبقي لردودنا قيمة ووزنا إذا ما تلقينا مبادرات من الرئاسة المصرية، أو من دولة عظمى كالصين مثلاً، وبدا الأمر أن الجبهة السياسية والدبلوماسية كالجبهة الإعلامية تعاني هي الأخرى من العشوائية وغياب القيادة الضابطة لإيقاع العمل السياسي والدبلوماسي بما يواكب الأحداث وتفاعلاتها.
وبمناسبة الحديث عن السلام هناك من يربط أي مسار تفاوضي بضرورة وقف الحرب وإفساح المجال للمفاوض السياسي الذي يتعكر مزاجه من رائحة البارود، ومشاهد الصواريخ والمسيّرات، وهو ربط مخادع في حقيقة الأمر يهدف إلى منح الرياض فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقها، ولا أدري ما المانع من التفاوض مع استمرار المسار العسكري، فإن نجحت المفاوضات فهذا ما نبحث عنه، وإن فشلت نكون قد أخذنا حذرنا من قبل، ولم نقع في فخ "مذكرة التفاهم" الذي وقعت فيه إيران ومثلت طوق نجاة للأمريكي لكنها لم تصمد شهراً واحداً.
لا بد أن ندرك مآلات هذا الخلل الكبير في الجبهة السياسية والدبلوماسية، وأننا في مرحلة مفصلية تفرض علينا استنفار كافة الطاقات، وتصحيح وضع هذه الجبهة ليس بالأمر الصعب.










المصدر عيسى محمد المساوى
زيارة جميع مقالات: عيسى محمد المساوى