نشوان دماج / مرافئ -
تبقى فلسطين كل الحكاية، وأصل الحكاية. تحضر فيخفت في بريق بهائها كل لون، وتصبح هي البوصلة والهوية والانتماء. تكتسي اللغة في حضرتها صوتاً مهيباً، وتتسع الأبجدية والأغنيات لتشمل كل الفضاء. لا يعود الحرف منفلتاً أو بلا غاية، ولا شيء اسمه فن لأجل الفن. تكون الأغنية قد سمت بنفسها وارتقت إلى مصاف الخلود. فلا شيء خالداً كفنٍّ اتخذها وجهته وجعلها قبلته، لتجعله بدورها التزاماً وحضوراً لا يغيب. فأن تغني لفلسطين، أو أن تكتب قصيدة أو ترسم لوحة أو تتخذ أي شكل من أشكال الإبداع، معناه أنك مسبقاً قد كتبت الخلود لعملك ذاك مهما كان متواضعاً. ذاك أن فلسطين تكون قد منحتك روحاً شفافاً رائعاً تستطيع من خلاله التحليق في أعالي الجمال.

الأغنية الرحبانية نبض القضية الفلسطينية
لم تكن فيروز أجمل بدون ذلك الثوب المقدسي القشيب الذي منحته إياها فلسطين، ولا الأخوان رحباني أكثر قرباً وسخاءً في اللحن والكلمة لو لم تمنحهما كفيها المعروقين بشجر الزيتون، وإيقاعاً حماسياً لا يهدأ. 
فمنذ سبعين عاماً هي عُمر النكبة، نكبة اغتصاب الكيان الصهيوني لفلسطين عام 1948، لم تظهر أغنيات مؤثرة وعميقة عن القضية وأهلها كالتي أطلقها الأخوان رحباني (عاصي ومنصور) والسيدة الكبيرة فيروز، والذين هيمن نتاجهم على الساحة العربية بأكملها، ومازال إلى اليوم حاضراً بقوة.
ظلت الأغنية الرحبانية لفلسطين هي الأكثر التصاقاً بنبض القضية، والأكثر عمقاً وشمولاً في التعبير عن فصولها وعن مكانتها في الوجدان العربي. وقدم هذا الثلاثي للقضية عبر الأغاني والمشاهد الحوارية المغناة، ما لم يقدمه كل الفنانين الآخرين مجتمعين. ففي أي مكان تبث فيه إحدى أغنيات فيروز، لا يقوى السامع على ضبط مشاعره وذرف الدمع تأثراً. هذه الأعمال تكشف المكانة الأثيرة التي احتلتها قضية فلسطين في التجربة الرحبانية على مر عقود، وتقدم صورة من صور خلود العمل الفني، وقدرته على إثارة الاهتمام باستمرار، حين يولد على قدر كبير من الصدق، صدق الموهبة، وصدق الإيمان بالقضية، بحيث نستطيع القول بأنه، وباستثناء أغنيات قليلة جداً أبرزها «أصبح عندي الآن بندقية» للسيدة أم كلثوم، لم يقدّم أحد لفلسطين مثلما قدم الأخوان رحباني والسيدة وفيروز، ولا أبدع مثلما أبدع هذا الثلاثي الخالد.

«راجعون»
في عام 1955، سافرت فيروز إلى مصر مع زوجها عاصي الرحباني وشقيقه منصور، وعرضوا حينها على أحمد سعيد، مدير إذاعة صوت العرب، أن يقدموا عملاً للقضية الفلسطينيّة، فتم تسجيل أغنية «راجعون»، اختارها الأخوان رحباني من ديوان الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد «مع الغرباء»، والذي صدر عام 1954 عن رابطة الأدب الحديث في القاهرة، فاشتهرت القصيدة وذاعت، لتصبح من كلاسيكيات الرحابنة الشهيرة في سياق الغناء لفلسطين، ونشيد افتتاح إذاعة فلسطين عند تأسيسها في القاهرة. تقول القصيدة:
أنت من ديارنا من شذاها
يا نسيم الليل تخطر
حاملاً عبير أرض هواها
في حنين القلب يزهر

«القدس العتيقة»
بعد زيارتها لمدينة القدس، برفقة عاصي ومنصور الرحباني، عام 1964، غنّت السيدة فيروز أغنية «القدس العتيقة»، حيث التقت بسيدة فلسطينية في أحد شوارع القدس القديمة تلك، وتحدّثت معها عن معاناة الفلسطينيّين، فتركت أثرا بالغا في نفسها وبكت، فما كان من المرأة المقدسيّة إلّا أن أهدتها مزهريّة للتخفيف عنها، لتكون بمنزلة ذكرى لها من المدينة الّتي تحبّها.
يُميّز الأغنية الطابع الحميميّ الّذي جاء نتاجا لتجربة واقعيّة عاشتها فيروز وكانت فيها على تماسّ مباشر مع القدس وأشخاصها الحقيقيّين؛ إذ اطّلعت على تفاصيل حياتهم اليوميّة، وغنّت أغنيتها هذه لتصوّر حقّهم في مدينتهم وبلادهم. لم تأتِ الأغنية على ذكر القدس بصفتها الرمزيّة الدينيّة والتاريخيّة الكبرى، بل تطرّقت إليها بصفتها قدسَ أناسِها العاديّين الّذين يمشون في شوارعها؛ إنّها قدس الأطفال والكبار، قدس الكادحين الّذين يذهبون إلى دكاكينهم صباحا لطلب الرزق، وكأنّها تريد أن تؤكّد أنّ البشر، أهل القدس في هذه الحالة، أقدس مقدّسات الأرض.
مرّيت بالشوارع
 شوارع القدس العتيقة
 قدّام الدكاكين
 البقيت من فلسطين
 حكينا سوى الخبريّة
 وعطيوني مزهريّة
 قالوا لي هيدي هديّة

«زهرة المدائن»
غنّت السيدة فيروز أغنية «زهرة المدائن» إثر نكسة 1967 وهزيمة العرب في الجولان وسيناء واحتلال «إسرائيل» للضفة الغربية ومدينة القدس، فكانت الأغنية بمثابة رفض للهزيمة وتبشير بعودة القدس زهرةً للمدائن والعواصم جميعا، وبمثابة استحضار للمدينة بما هي حلم، وبما هي عاصمة للعروبة ورمز للقضيّة الفلسطينيّة ومدينة الأديان السماويّة.
كانت فيروز حريصة، من خلال هذه الأغنية، على تأكيد ما تمثّله مدينة القدس للعرب من ناحية عمق الانتماء الدينيّ والقوميّ؛ فقد جاءت الأغنية لتؤكّد عبر لحنها الوجدانيّ والروحيّ مكانتها الدينيّة في التراثين المسيحيّ والإسلاميّ، ولتؤكد بأن الغضب الفلسطينيّ والمقدسيّ عندما يأتي لا يأتي إلّا في أشدّ أشكاله سطوعا ووضاءة.
الغضب الساطع آتٍ
وأنا كلّي إيمان
الغضب الساطع آتٍ
سأمرّ على الأحزان
من كلّ طريقٍ آتٍ
بجياد الرهبة آتٍ
وكوجه الله الغامر
آتٍ آتٍ آتٍ

«جسر العودة»
الأغنية من تأليف وتلحين الأخوين رحباني، وتتحدث فيها فيروز إلى جسر الأحزان الذي سمته جسر العودة، بعد أن ارتفعت المأساة واتسعت وبلغت حد الصلب، لينهض معها كل عاثر ونازح وشريد ليقاتل حتى النصر.
مَنْ صلبوا كلّ نبيٍّ صلبوا الليلة شعبي
العاثر ينهض
النازح يرجع
المنتظرون يعودون
وشريد الخيمة يرجع
...
والمجد لأطفال آتين
الليلة قد بلغوا العشرين
لهم الشمس لهم القدس
والنصر وساحات فلسطين

«سيفٌ فليُشهر»
غنت فيروز هذه الأغنية القصيرة في معرض دمشق الدولي عام 1966، وهي من تأليف وتلحين الأخوين رحباني، وتتحدث عن ضرورة عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم المحتلة. وقد سرى اعتقاد أنها من تأليف الشاعر اللبناني سعيد عقل، وهو ما يتناقض مع المعلومات الواردة في الألبومات والإسطوانات الأصلية.
سيفٌ فَلْيُشْهَرْ في الدنيا
ولتصدعْ أبواقٌ تَصْدَعْ
الآن الآن وليس غداً
أجراس العودة فلْتُقْرَعْ
أنا لا أنساكِ فلسطينُ
ويشدّ يشدّ بِيَ البعدُ
أنا في أفيائك نسرينُ
أنا زهر الشوك أنا الوردُ
سندكُّ ندكُّ الأسوارَ
نستلهم ذاك الغارْ
ونعيدُ إلى الدارِ الدارَ
نمحو بالنارِ النارْ
فلتصدعْ فلتصدعْ..

«غرباء»
هذه الأغنية اختارها الرحباني أيضاً من ديوان الشاعر هارون هاشم رشيد، وقدماها بصوت فيروز، وهي عبارة عن مغناة شعرية، تنطوي على بنية درامية فيها تعدد أصوات.. وتقوم على حوار بين فتاة فلسطينية تدعى «ليلى» وبين والدها العجوز الذي يعيش مع أسرته مرارة حياة اللجوء.. ومن أجوائه:
أتت ليلى لوالدها وفي أحداقها ألم
وفي أحشائها نارٌ من الأشواق تضطرم
وقالت وهي من لهف بها الآلام تحتدم
لماذا نحن يا أبتي لماذا نحن أغراب
أليس لنا بهذا الكون أصحاب وأحباب
أليس لنا أخلاء أليس لنا أحباء
لماذا نحن يا أبتي لماذا نحن أغراب؟!
إلا أن هذه التساؤلات، لا تبقى أسيرة هذه النبرة الحزينة، وهي لا تنتهي إلى الندب والصراخ، بل تبشر أخيراً بالنصر وحلم الرجوع، واستعادة الوطن الصليب، حيث ينطلق صوت الأب، ليجيب على كل تلك التساؤلات والأحزان:
وترعد صرخة ابنته وتطرق في الدجى سمعه
فيصرخ سوف نرجعه سنرجع ذلك الوطنا
فلن نرضى له بدلا ولن نرضى له ثمنا

«وحدن بيبقوا مثل زهر البيلسان»
لهذه الأغنية التي غنّتها فيروز عام 1979، قصة مختلفة، فهي من كلمات الشاعر اللبناني طلال حيدر ومن ألحان زياد الرحباني، وكان قد روى الشاعر قصتها حيث كان يومياً يشرب قهوته الصّباحيّة والمسائيّة على شرفة منزله، وكان يشاهد ثلاثة شبان يدخلون الغابة صباحاً، بعد أن يلقوا التحية عليه، ثم يعودون في المساء ملقين السلام مرة أخرى، فاعتاد على الأمر رغم أنه كان يتساءل دائماً: ماذا يفعلون؟ إلى أن كان آخر يوم ألقوا التحيّة عليه صباحاً لكن في المساء لم يعودوا كالمعتاد، فقلق عليهم إلى أن وصله خبر بأن هؤلاء الشبان الثلاثة نفذوا عملية فدائية ضد الاحتلال «الإسرائيلي» في مستوطنة «كريات شمونة» والتي عرفت بعملية الخالصة، فكتب قصيدة «وحدن» التي تقول كلماتها باللهجة اللبنانية:
وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان
 وحدهن بيقطفوا وراق الزمان
 بيسكروا الغابة،
بيضلهن متل الشتي
يدقوا على ابوابي
يا زمان يا عشب داشر فوق هالحيطان
ضويت ورد الليل عكتابي
برج الحمام مسور وعالي
هج الحمام
بقيت لحالي لحالي
يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا
صرِّخ عليهن بالشتي
يا ديب بلكي بيسمعوا
وحدن بيبقوا متل هالغيم العتيق

فيروز وسيد المقاومة
في مقابلة على قناة «الميادين»، في ديسمبر 2013، رد الفنان زياد الرحباني على منتقديه ومنتقدي والدته السيدة فيروز، بعد إعلانه أنها تكنّ الود لسيد المقاومة السيد حسن نصر الله، متسائلاً: «ليس مسموحاً في زمن الفتن، على ما يبدو، أن تقول أميرة الفن العربي الراقي حبّاً لسيد المقاومة! من القدس التي وضعتها في القلب وجمّلتها بالصوت، إلى فلسطين التي أبقتها متقدةً في وجداننا، إلى شط اسكندرية حين كان للحب معنىً، إلى شآمها التي عطّرت فيها السلام وغار الورد وأطل الخزام، إلى المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد التي خاطبتها بصديقتي جميلة، يا وردة الجزائر الجميلة، قصتك هي الأحب من طفولةٍ تزرع وجه الشمس بالبطولة، وصولاً إلى إسوارة العروس في الجنوب المقاوم... لا يحق لمن غنى كل هذا ورفع الفن إلى مصاف الصلوات النبيلة أن تحيي سيد المقاومة؟!».
لم يتوقع أنه بمجرد أن يقول إن السيدة فيروز تحب السيد حسن نصر الله، ستنتشر المقالات والانتقادات لتشوّه صورة والدته والرحابنة وكل هذا التاريخ المحمي بأهداب عيون محبيه من المشرق إلى المغرب.
حينها قال زياد إن «من يهاجم فيروز ونصر الله إنما يدافع عن إسرائيل»، مؤكداً أن فيروز مع المقاومة، وأنه يتحدث باسمها لأنها تفضّل الصمت. وتابع: «فيروز لا تمثل نفسها فقط، بل تحمل كل إرث الرحابنة، ولو لم تكن فيروز مع المقاومة لكان هناك مشكلة بيني وبينها ولم أكن لألحن لها أغنياتها».