أمريكا تخلّت عنهم.. فهل انتهى الكُرد؟
 

حسني محلي

حسني محلي / لا ميديا -
كما كان متوقعاً رجّحت واشنطن الحليف الاستراتيجي منذ 85 عاماً تركيا على الحليف التكتيكي الذي حارب «داعش» في سوريا أي الكرد، فأضاءت الضوء الأخضر للفصائل المسلحة المعروفة بـ»الجيش السوري» والمدعومة من الجيش التركي للقيام بعملياتها العسكرية المفاجئة والسريعة، غرب الفرات وشرقه، فسيطرت على معظم المناطق الاستراتيجية التي كانت تحت سيطرة «قسد»، التي انتهت بانفصال معظم العشائر العربية عنها وانضمامها إلى «الجيش السوري».
وجاءت لقاءات توم برّاك مع مسعود البرزاني، بحضور مظلوم عبدي وقبل ذلك مع ناتشيران البرزاني، (السبت والأحد)، لتؤكد هذا التطور المثير والسريع، حيث اضطر مظلوم عبدي للقبول بكل الشروط التي فرضها عليه «الرئيس أبو محمد الجولاني» وتهدف إلى وضع شرق الفرات برمته تحت السيطرة السورية الرسمية، عسكرياً وأمنياً وإدارياً، وبالتنسيق مع الجيش التركي الموجود أساساً في المنطقة الممتدة من رأس العين وحتى تل أبيض، بعمق يصل إلى عشرين كم وطول يزيد على 100 كم، يُضاف إلى ذلك الوجود التركي غرب الفرات، من جرابلس وحتى أرياف إدلب، وبطول يزيد على 200 كم.
الاتفاق الذي قيل إن الجولاني ومظلوم عبدي قد توصلا إليه بعد مكالمة هاتفية جاءت بعد لقاء الجولاني مع توم برّاك، لا يتضمن أياً من الأمور التي سبق أن تمّ الاتفاق عليها بين الطرفين، في إطار اتفاق الـ10 من مارس/ آذار وأهمها دمج قوات «قسد» داخل «الجيش السوري» في إطار ثلاث فرق مستقلة، مع منح 100 من قيادات «قسد» رتباً عسكرية عُليا ومهمة داخل وزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة الأركان السورية، حيث تقرر في الاتفاق الأخير انضمام عناصر «قسد» إلى «الجيش والأمن السوري» كأفراد فقط، ليكتفي الكُرد بعد الآن بالحقوق التي وعد (من دون أي ضمانات دستورية طالب بها الكرد) بها الجولاني في مرسومه الرئاسي الأخير، ومنها تعليم اللغة الكُردية في المدراس الرسمية والخاصة، إضافة إلى منح كل الكُرد الموجودين في سوريا الجنسية السورية، وسبق لنظام الأسد أن طبّقه عام 2012 في إطار المصالحة بين الدولة والكُرد، لمنعهم من الانضمام إلى المعارضة آنذاك.
ومع استمرار الحديث عن أسباب وخلفيات الموقف الأمريكي وانحيازه إلى جانب أنقرة التي لا يدري أحد ما الذي قدمته لواشنطن مقابل هذا التضامن المهم جداً، اعتبر الإعلام الموالي للرئيس إردوغان التطورات الأخيرة «انتصاراً عظيماً للدبلوماسية التركية، التي أفشلت المشروع الكردي في سوريا»، باعتبار أنه امتداد للمشروع الكُردي في تركيا.
ويريد الرئيس إردوغان أن يقرر مصير هذا المشروع بمفرده، كما هي الحال في شمال العراق، حيث يمتلك علاقات استراتيجية مع مسعود البرزاني الذي لم يتأخر في الإعلان عن مباركته للاتفاق الأخير، خلال اتصال الجولاني معه ليلة الأحد (18/1)، على أن تكون الخطوة التالية بالنسبة إلى أنقرة هي ملاحقة قيادات وكوادر حزب العمال الكردستاني التركي، التي تعهد مظلوم عبدي في إطار اتفاقه مع الجولاني بطردها من شمال شرق سوريا، لتعود إلى شمال العراق حيث جبال قنديل، المعقل الرئيسي للعمال الكردستاني. وبات مهدداً بالمسيّرات والطائرات التركية التي تحلّق في المنطقة باستمرار، خاصة بعد أن توغل الجيش التركي في المنطقة قبل ثلاث سنوات، لا فقط عسكرياً بل استخبارياً، كما هي الحال في سوريا وقريباً في شرق الفرات عموماً.
وتتمنى أنقرة لهذا التطور الجديد أن يساعدها في الضغط على زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان بعد أن خسر أوراق المساومة، وإجباره على تقديم التنازلات المطلوبة منه ومن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وهو الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، ليضمن بذلك دعم الكُرد له في مساعيه لتغيير الدستور، حتى يتسنى له، وبفضل هذا التغيير، ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة لولاية أو ولايتين جديدتين، مقابل إخلاء سبيل أوجلان وإعلان قيادات الحزب في الخارج ترك العمل المسلح، وربما عودتها إلى تركيا في إطار عفو عام ضمن مبادرة زعيم حزب الحركة القومية دولت باخشالي، الذي دعا، في الـ22 من أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، أوجلان إلى ترك العمل المسلح وحلّ الحزب.
وهو ما فعله أوجلان ومن دون أي مقابل من الدولة التركية، التي رجّحت العمل العسكري ضد وحدات حماية الشعب الكردية، باعتبار أنها الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني، الذي تعرّض لطعنة أمريكية لا تقلّ أهمية عن تلك التي تعرّض لها عندما اختطفت الاستخبارات الأمريكية ومعها «الموساد» عبدالله أوجلان من نيروبي وسلّمته لتركيا في 14 شباط 1999 ولم يستخلص الكرد منها أي درس.
كما أن هذه الطعنة قد تتحول قريباً إلى انتكاسة (اعترف بها مظلوم عبدي بشكل غير مباشر في خطابه ليلة الأحد وقال إنه سيسافر إلى دمشق) وستنعكس بكل معطياتها السلبية على مستقبل القضية الكُردية سوريّاً، وستكون بعد الآن تحت رحمة أنقرة، التي تخطط منذ عهد الرئيس الراحل تورغوت أوزال لإحكام سيطرتها على الملف الكُردي إقليمياً، وهو ما تحقق لها الآن بفضل دورها العملي الفعّال في سوريا ودعم الرئيس ترامب، الذي قال أكثر من مرة «أنا معجب بالرئيس إردوغان وأثق به وأحبه كثيراً لأنه يفعل كل ما أطلبه منه».
في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن الرئيس إردوغان استغلّ بدوره هذه العلاقة الشخصية ليدعم بها أولاً موقفه داخلياً في مواجهة حزب الشعب الجمهوري، الذي تبيّن كل استطلاعات الرأي تقدمه على حزب العدالة والتنمية، وثانياً لدعم تحركاته الإقليمية والدولية التي تلتقي في الحد الأدنى مع الحسابات الأمريكية، التي لا تتناقض مع الحسابات «الإسرائيلية».
ويفسّر ذلك عدم اعتراض «تل أبيب» على أحداث الأيام الثلاثة الأخيرة غرب وشرق الفرات، وهي تعرف جيداً أن لاعبها الرئيسي هو تركيا التي تنسّق في كثير من الأمور مع دمشق بمجمل مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية، بل وحتى الدينية، في الوقت الذي لم يحرك حكام دمشق ساكناً ضد التوغل العسكري والاستخباري «الإسرائيلي» في الجنوب السوري.
وفي جميع الحالات و أياً كانت التطورات المحتملة على الصعيد السوري، بانعكاسات ذلك على المعطيات الإقليمية، يبدو واضحاً أن القضية الكردية في سوريا قد دخلت في طريق المجهول مع تراجع الدعم الأمريكي والأوروبي، ومن دونه لا ولن يتسنّى لمظلوم عبدي ورفاقه، القيام بأي عمل يتناقض مع حسابات أنقرة وواشنطن، وهما معاً أوصلا أبو محمد الجولاني إلى السلطة في دمشق، ومن أجل أجندات خاصة بهما، والتخلص من الكرد كان من أهم فقراتها التي ستعني في نهاية المطاف خدمة مجمل مخططات ومشاريع الكيان العبري، لا فقط في سوريا، بل عبرها في المنطقة عموماً وهو ما زال في منتصف الطريق!

أترك تعليقاً

التعليقات