عادل بشر / لا ميديا -
ما كان يعنيه سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله؟ وماذا بعد التشييع؟ 
سؤال حاولنا في صحيفة «لا» من خلاله استطلاع آراء قيادات وشخصيات بارزة، فلسطينية وعربية، فكان رد العديد منهم بأن السؤال كبير بكبر شخصية الحدث. والواقع أن الحديث عن سماحة الشهيد الأسمى، حسن نصر الله، لن تكفي المجلدات لتدوينه، بينما حاول بعض تلك الشخصيات الإجابة بقدر من الإيجاز، مؤكدين أن سيد شهداء الأمة سيبقى شعلة لكل جهاد ونضال ضد الظلم والطغيان، ونبع كرامة وإباء يُستسقى منه إكسير البطولة والرجولة، ويُنار به درب التحرر وكسر قيود الجبروت، وسيبقى إلى الأبد روح كل حرّ شريف.

المحامية اللبنانية بشرى الخليل:غياب سماحة السيد حدث غير عادي
استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله يمثل خسارة جسيمة، لحزب الله وللبنان ومحور المقاومة بشكل عام؛ كون استشهاده ليس حدثاً عادياً. كما أن غياب سماحته عن الساحة وعن مسرح  الأحداث، وعن وجه الكرة الأرضية، هو حدث ضخم وليس عادياً.
حتى الآن، الكثير من الناس لم يصدقوا هذا الأمر، والكثير من الناس يقولون إنه مازال على قيد الحياة، وأنها خطة، وكلام من هذا النوع؛ ولكنه استشهد في كل الأحوال. أما ما يقوله الناس فهو لأن الصدمة كانت كبيرة جداً، ولم تستطع بيئة المقاومة ولا الشعب اللبناني بشكل عام، ولا المحبون لسماحته، أن يصدقوا هذا الخبر. لكن الواقع أن السيد استشهد، وبالرغم من حجم الخسارة لا بد أن نكون واقعيين، وأن نحمل الرسالة والراية من بعده بقوة، والمقاومة بقيادتها ورجالها ونسائها وشبابها ومقاتليها وأنصارها ومعهم كل أحرار العالم، قادرون على ذلك، وسيأتي اليوم الذي ننادي باسم السيد في القدس الشريف، ونقول: «حررنا القدس يا سيدنا، ودمك الطاهر صنع الانتصار».


نائب أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جميل مزهر:نصر الله أول قائد عربي مقاوم يحقق انتصاراً واضحاً وكاملاً على الجيش الصهيوني
استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله لم يكن مجرد خسارة لحزب الله أو لبنان أو لفلسطين، أو حتى لمحور المقاومة فحسب؛ بل كان خسارة لحركة التحرر العربية والعالمية؛ فقد كنا أمام قائد استثنائي وشخصية مفصلية في تاريخ المواجهة مع الكيان الصهيوني، تمكن بذكائه وحنكته من رسم معادلات ردع حقيقية، وصياغة نهج مقاوم أحدث تحولاً استراتيجياً في طبيعة الصراع العربي-الصهيوني.
منذ اللحظة الأولى، كانت فلسطين بوصلته التي لم تنحرف قيد أنملة، وكانت المقاومة سبيله الأوحد للتحرير. وكانت معاركه في لبنان مع الاحتلال امتداداً لمعركة الأمة في وجه المشروع الصهيوني الاستيطاني. وكان يرى في كل جبهة مفتوحة ضد العدو جزءاً من معركة التحرير الكبرى؛ فخاض معركة استنزاف طويلة أجبرت الاحتلال الصهيوني على الهروب من جنوب لبنان في عام 2000، ليصبح أول قائد عربي مقاوم يحقق انتصاراً واضحاً وكاملاً على الجيش الصهيوني، محطماً بذلك أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر».
وفي العام 2006، قاد حرب تموز التي أذلت الاحتلال وكشفت هشاشته، وفرضت معادلات ردع أجبرته على إعادة حساباته الاستراتيجية. وهذا الانتصار لم يُشكّل فقط إنجازاً عسكرياً، بل تَحوّل إلى نموذج ملهم للمقاومات في المنطقة، وعلى رأسها المقاومة الفلسطينية، التي وجدت في حزب الله الداعم والسند على كافة المستويات.
ولم يقتصر دوره على الساحة اللبنانية، بل جعل من دعم المقاومة الفلسطينية ركيزة ثابتة في مشروعه التحرري، فمدّها بالخبرات، والتكنولوجيا، والأسلحة، والتدريب؛ إيماناً منه بأن فلسطين قلب الصراع، وألا انتصار حقيقياً إلا بهزيمة المشروع الصهيوني برمّته.
وعندما اندلعت معركة «طوفان الأقصى»، لم يكن بحاجة إلى وقت طويل ليحسم موقفه؛ فالتحق بها في اليوم التالي، مُسخِّراً كل إمكانيات المقاومة اللبنانية لدعم المعركة في فلسطين، وربط وقف استنزاف العدو في الجنوب اللبناني بوقف عدوانه على غزة، في موقف يعكس أقصى درجات الوفاء والانتماء لفلسطين. وهذا القرار الجريء الذي اتخذه كان بالنسبة له خياراً استراتيجياً نابعاً من إيمانه بوحدة المعركة والمصير، رغم إدراكه التام أن ذلك قد يُدَفّعه ثمناً فادحاً، وهو ما حدث بالفعل، باستشهاده وثلة من الصف الأول من الحزب في هذه المعركة.
وما ميّز السيد حسن نصر الله عن غيره من القيادات هو شجاعته الميدانية وإقدامه العالي في ساحة المعركة، وقدرته الفائقة على استشراف المستقبل وقراءة العقل الصهيوني بذكاء شديد. وقد فهم أن الصراع مع العدو هو معركة شاملة تحتاج إلى إرادة صلبة، وتخطيط مدروس، ونَفَس طويل، فقاد معركة استنزاف جعلت الاحتلال يعيش تحت ضغط دائم، وغيّرت معادلات القوة في المنطقة لصالح المقاومة.
السيد حسن أيضاً كان رجل دولة بامتياز، يتمتع بذكاء سياسي حاد. وهو رجل توافقي في المسائل الوطنية وقادر على إدارة التحالفات، ونسج العلاقات، وتوجيه المعركة وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى. وكانت نظرته للمواجهة أشمل من مجرد الرد العسكري، فقد أدرك أن تحرير فلسطين يتطلب مشروعاً متكاملاً يدمج بين القوة العسكرية، الإعلام، التعبئة الشعبية، الاقتصاد المقاوم، والاستفادة من كل الأدوات المتاحة لكسر الهيمنة الصهيونية.
ما بعد التشييع
أما بعد التشييع، فإننا نؤكد مجدداً أن استشهاد السيد حسن نصر الله شكّل خسارة موجعة للجميع؛ لكن المقاومة لا تُهزم باغتيال قادتها، بل تزداد صلابةً. ومن يعتقد أن اغتياله سيضعف المقاومة فهو واهم، فعلى الدوام مسيرة المقاومة لم تكن قائمة على فرد، بل على مشروع متكامل من النضال والتضحية. واليوم، المقاومة أمام تحدٍّ تاريخي يَتمثّل في مواصلة الطريق الذي خَطّه بدمه، وتطوير معادلات الصراع، وتصعيد المواجهة ضد الكيان الصهيوني وأعوانه.
إن دماء القادة العظام لا تطفئ جذوة المقاومة، بل تشعلها أكثر، وتفتح الأبواب أمام مرحلة جديدة من التصعيد، حيث تصبح مسؤولية توسيع مشروع المقاومة وتطوير قدراتها أمانة في أعناق كل المؤمنين بنهجه. وإن المرحلة القادمة تتطلب البناء على إرث الشهيد، والاستفادة من تجربته الغنية في استنزاف العدو، ورفع كلفة احتلاله، وفرض قواعد اشتباك جديدة تجعل زوال الكيان أقرب من أي وقت مضى.
دورنا اليوم في حركات المقاومة ألا نرى مشروع المقاومة يستمر فقط، بل يتوسع ويقوى ويمتد ليصل إلى كل بقعة تواجه الهيمنة الصهيونية والاستعمارية؛ باعتبار المقاومة الحصن المنيع لحماية حقوق الشعوب وثوابتها وسيادتها، وهي القوة الوحيدة القادرة على تحقيق النصر على الكيان الصهيوني وإسقاط مشاريعه التوسعية.
كلنا ثقة بأن الشيخ نعيم قاسم ورفاقه في قيادة المقاومة اللبنانية قادرون على استكمال الطريق، والمضي على الدرب ذاته، متسلحين بالإرادة الراسخة، والعزيمة التي لا تلين، والرؤية الاستراتيجية التي تجعل من استشهاد السيد حسن نصر الله محطة لتعزيز مشروع المقاومة لا عرقلته. هذه المقاومة التي سطرت أعظم الانتصارات لن تتوقف، بل ستزداد قوة، حتى تحقيق الهدف الحتمي: وهو تحرير الأرض والإنسان، واستعادة الحقوق، وزوال الكيان الصهيوني من الوجود، وهذا ما بشرنا به سماحة الشهيد.


القيادي في الجهاد الإسلامي أبو سامر موسى:السيد حسن معشوق الأمة وقدوتها الجهادية
بداية لا بد أن نقف إجلالاً وإكباراً لأرواح الشهداء كافة الذين سبقونا إلى رضوان الله في مسيرة الجهاد والمقاومة على طريق القدس، هذا الطريق الذي تكلل بدماء عشرات الآلاف من الشهداء على امتداد محور المقاومة وجبهات الإسناد.
ثانياً: منذ انطلاق حزب الله في لبنان بعد الاجتياح الصهيوني للبلاد، وُلدت الفكرة والنهج المحمدي ومواجهة الكيان بأسلوب مختلف عن السابق، وتبلورت على نهج الإسلام وآل البيت الأطهار والصحابة الكرام، بمعنى آخر «الحق كله في مواجهة الباطل كله، الإيمان كله في مواجهة الكفر كله»، وتلاقت واتحدت رؤية حزب الله في لبنان مع رؤية الجهاد الإسلامي في فلسطين بخصوص مركزية فلسطين للأمة، حتى كانت اللحظات الحاسمة باغتيال أمين عام الحزب آنذاك، سماحة السيد عباس الموسوي، فكانت الكلمات الخالدة لأمين عام الجهاد الإسلامي، د. فتحي الشقاقي، بأعلى الصوت: «إن حزباً يستشهد أمينه العام لا يمكن أن ينكسر أو يُهزم». وتعاظمت قوتا الحزب والحركة في عملية تكاملية ودعم من الجمهورية الإسلامية، حتى حان وقت اللقاء، فالتحق الشقاقي بالموسوي، شهيداً بطريقة الغدر والصفة المعهودة  للصهاينة، فرثاه أمين عام حزب الله، السيد نصر الله، في دمشق، وقال كلمته الخالدة والمنقولة عن الشقاقي «إن حركة يستشهد أمينها العام لا يمكن أن تنكسر أو تُهزم».
أردت بهذه المقدمة الإجابة على سؤال صحيفة «لا» اليمنية عن «ما كان يعنيه سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله، وماذا بعد التشييع؟» بتوضيح أن العلاقة بين حركة الجهاد الإسلامي وما يمثله سماحة الشهيد السيد نصر الله ليست علاقة سياسية عابرة؛ لأن القاعدة السياسية تقول إن العلاقات الدولية أو الحزبية تبنى على المصالح. ونحن نقول إن هذه العلاقة هي مبنية على الأخوة في الدين وهي علاقة روحانية وجدانية لا يمكن إلا أن تكون تكاملية، فالسيد حسن نصر الله وما يمثله كان للمقاومة والشعب الفلسطيني سنداً قوياً وكان دافعاً ومحرضاً للشعوب قاطبة لتبني القضية الفلسطينية التي كانت حاضرة أمامه بشكل دائم في صلاته وقيامه، في حركاته وسكناته، في خطاباته ولقاءاته، كانت محور اهتماماته، وآمن بأن قضية فلسطين هي القضية المركزية للأمة، فكان مدافعاً صلباً عنها، وخاض معركة الإسناد لغزة ودفاعاً عن المظلومين ونصرةً للمقاومة منذ اليوم الثاني لـ»طوفان الأقصى»، وقدم خيرة قادته شهداء على طريق القدس، حتى أكرمه الله بالالتحاق بهذه القافلة المباركة التي سبق أن تقدمها في أيلول 1997 نجله الشهيد هادي.
منذ تقلد سماحة السيد نصر الله أمانة منصب أمين عام حزب الله، أصبح قائداً وقدوة، ليس لحزبه أو طائفته، وإنما كان معشوق الأمة وملهمها وقدوتها الجهادية، في زمن تراجعت وتخلت فيه قيادات الأمة عن واجبها الجهادي والريادي للدفاع عن فلسطين. كان منارة للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وكان خير ناصر ومعين للمقاومة، بعد الله، جاهد وتعب هو ورفاقه لتطوير القدرات العسكرية والبشرية للمقاومة في فلسطين، والتي بفضل الله ودعم وتوجيهات سماحته استطاعت مواجهة الكيان على مدى سنوات، وخاضت معارك كبيرة وفارقة استطاعت في جولات عديدة منها تهشيم سمعة الكيان وإظهاره على حقيقته في معارك «السماء الزرقاء» أو «البنيان المرصوص» أو «سيف القدس» أو «ثأر الأحرار» و»بأس جنين»، وصولا إلى «طوفان الأقصى».
السيد نصر الله كان بمثابة الأب والأخ والمرشد الروحي للأحرار من الشعب الفلسطيني وللمقاومين. وكان ذا مكانة رفيعة في نفوس وعقول أبناء فلسطين، حتى دخل حبه كل بيت. وكان سيد المجالس، بمناقبه وسيرته العطرة ومواقفه التي تفتقدها الأمة.
وهنا، ونحن نودّع اليوم شهيدنا الحبيب الحي الباقي فينا بنهجه وفكره وتوجيهاته، لا بد لي أن أُذكِّر بالمقولة المأثورة عن الإمام الخميني رحمه الله: «اقتلونا، فإن شعبنا سيعي أكثر وأكثر»، وهي العبارة التي تشكل وعي الشعوب في مواجهة الاستكبار والظلم. وطالما كان شهيدنا الأسمى يرددها، ومعها عبارة أخرى هي: «نحن أبناء من قال: أبالموت تهددني يا ابن الطلقاء؟! إن الموت لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة‏». لذا نؤكد أن مسار الحركات الجهادية والثورية لا تتوقف بمجرد استشهاد القادة، بل تزداد توهجاً وقوة. واليوم، عند حمل النعوش الطاهرة في بيروت، سيسمع العالم أجمع أن حناجر الشعوب والجماهير التي ستشارك في التشييع أو التي لم تستطع المشاركة، ستهتف بنداء: «لبيك نصر الله، و»إنا على العهد» و»كلنا مقاومة»، فلا يغتر ترامب والإدارة الأمريكية ولا يفرح الكيان الصهيوني بهذا القتل، فالقادم أعظم وأكبر، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


الشاعر د. عباس فتوني:فكر السيد نصر الله ورؤيته اعتمدت بشكل أساسي على مبادئ الإسلام
إنَّ فكر السيد حسن نصر الله ورؤيته تعتمد بشكل أساسي على مبادئ الإسلام.
ويمكن تلخيص أبرز ملامح فكره ورؤيته في النقاط الآتية:
 المقاومة والتحرير:
يرى السّيِّد نصر الله أن المقاومة ضد الاحتلال واجب ديني ووطني، والمقاومة هي أداة لتحقيق الحرية والسيادة الوطنية، وهو ما تجسد في معركة لبنان ضد الاحتلال «الإسرائيلي».

 المشروع الإسلامي:
يروّج السّيِّد نصر الله لفكرة الإسلام، التي ترى أن الإسلام يجب أن يكون محركاً لكل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الأمة الإسلامية. هو يؤمن بأن الإسلام هو الحل لمشاكل العالم الإسلامي.
 العدالة الاجتماعية:
يؤمن السّيِّد نصر الله بدور الدولة في توفير العدالة الاجتماعية والمساواة، وهو ما يراه جزءاً من المشروع الإسلامي لتحقيق العدالة لكل طبقات المجتمع.
هذه بعض الجوانب الرئيسية لفكر السيد حسن نصر الله ورؤيته.

 ما بعد التشييع:
أما الشق الثاني من سؤال صحيفة «لا» اليمنية: ماذا بعد تشييع السيد نصر الله؟ فهذا السُّؤالُ يفتح مجالاً واسعاً للتأمل في تداعيات رحيل شخصية مهمة، أدَّى دوراً محوريّاً في السياسة اللبنانية والإقليمية. والإجابة على هذا السؤال قد تتعدد حسب النِّقاط الآتية:

 الآثار السياسية:
رحيل السيد نصر الله قد يؤدي إلى إعادة ترتيب القوى السياسية في لبنان والمنطقة. فيمكن أن يغير التوازنات السياسية في لبنان والمنطقة، حيث كان نصر الله يعتبر أحد أبرز اللاعبين في الساحة السياسية والإقليمية.

 الآثار الاجتماعية والروحية:
بالنسبة إلى مؤيدي السيد نصر الله، قد يكون رحيله صدمة كبيرة، ويمكن أن يثير مشاعر الحزن والفقدان في أوساط مَن يرونه رمزاً للقيادة الدينية والسياسية. ومن الناحية الروحية، قد يظهر الخوف من الفراغ القيادي فيمن يتبعه.

  الآثار الإعلامية والثقافية:
رحيل السَّيِّد نصر الله سيؤدي إلى تغييرات في الخطاب الإعلامي. وقد تركِّز وسائل الإعلام على تأثير هذه اللحظة التاريخية في المسارات المستقبلية في الشرق الأوسط.
في الختام، «ماذا بعد تشييع السيد نصر الله؟» سؤال يتعلق بتفاعل القوى السياسية، والاجتماعية، والثقافية في مرحلة ما بعده.




مذيعة «الميادين» راميا الإبراهيم:شهيدنا الأسمى تجاوز الإقليم وارتقى لمستوى النضال كقائد أممي
قد يكون من أصعب ما يتعرض له المرء، وهو العارف والفاهم لما كان يعنيه شهيد الأمة السيد حسن نصر الله، أن يتحدث عنه، خصوصاً ما بعد استشهاده، فمن المعروف أن اللغة العربية هي بحر غني بالكنوز والدرر في مكنوناته؛ لكنها تبدو فقيرة، صغيرة، أمام محاولة التعبير عن سماحة شهيدنا الأسمى.
لعلنا بالنظر إلى واقعة اغتيال سماحته، نعرف مدى حجم وقوة هذا القائد المقاوم. فحين تقف أمريكا ومن خلفها الغرب الأطلسي وكل المتحالفين معها، الساعون لتحقيق مشروع الهيمنة على المنطقة والاستيلاء على مقدراتها، وراء اغتيال شخص واحد ممثلاً في أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، في توقيت يراد فيه تغيير الشرق الأوسط، وبالتالي انتصار مشروع الهيمنة بالكامل، نعرف أن هذا الرجل كان الصخرة التي كسرت معاول الاستكبار والاستعمار والهيمنة. فكان سماحته جيشاً، جبهة، نموذجاً، رسالة، فكراً، عنواناً لمقاومة هذا المشروع. كان قائداً باسم كل المستضعفين والمظلومين، يختصر مفهوم ورسالة المقاومة بشخصه، فلم يكن رجل دين وسياسة وفكر فحسب، بل كان كل هذا وأكثر، نراه نموذجاً لمستوى قادة لطالما كانوا معنيين بمخاطبة الناس، أياً كانت اللحظة وحساسية الموضوع. كان معنياً بأن يخاطب الناس، أن يتحدث وإياهم، أن يشرح لهم، أن يكون حاضراً... ونقطة ضعفه التي كان يعمل عليها العدو هي محبته واهتمامه وخوفه على الناس، فالكثير من القرارات على مستوى المواجهة العسكرية، لم يكن يتخذها، لأنه كان يخشى على الناس من تداعيات الحرب. وهنا عندما نتحدث عن السيد حسن نصر الله نتحدث عن القوة والصلابة والشجاعة والإيثار والصدق والحق، وبالوقت نفسه نتحدث عن الإنسانية والرأفة والتواضع والرحمة والمحبة... وبالتالي فإن المنفذين والداعمين والمخططين والمؤيدين لجريمة اغتيال سيد المقاومة ظنوا أنهم بهذا الاغتيال سيحققون الأهداف التي عجزوا عن تحقيقها في العقود الثلاثة الماضية. والتحدي الأكبر، اليوم، هو ما غرسه شهيدنا الأزكى من فكر ومشروع وقضية ورسالة وموقف ومبدأ في الأجيال الحاضرة والقادمة. وبالتأكيد فإن ورثة نصر الله سيحملون نهجه وفكره ورسالته، وسيكونون سيفه الضارب وقلبه النابض وفكره المنير، وسيحطمون مؤامرات ومخططات أعداء الأمة.
السيد نصر الله كان فكراً ونهجاً ورسالةً، وهذه لا يمكن اغتيالها، وإنما تتوارثها الأجيال. صحيح أننا أمام حدث جلل، وأمام مصاب كبير وخسارة لا تُعوض، ولا يمكن أبداً أن نقول بأننا نستطيع أن نتجاوزها وأن هناك من سيملأ فراغاً بهذا الحجم الذي خلفه السيد مباشرة؛ لكن هناك اطمئنان حقيقي ويقين، خصوصاً من أداء المقاومة في مواجهة العدوان «الإسرائيلي» على لبنان، بأننا أمام زرع أصيل متجذر بعمق الأرض. وما نراه واقعاً في الميدان نستطيع من خلاله أن نقول بأن المقاومة مستمرة ولم ولن تنهزم، وستحمل وصية سماحة السيد الشهيد: «سننتصر قطعاً».
وكما كان سيد الشهداء واقفاً في وجه قوى الاستعمار والاستكبار العالمي، مدافعاً عن الأمة وقضيتها ومقدساتها ودينها وحريتها وتحررها، هناك قادة ومجاهدون عظماء في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، وكل محور المقاومة، سيستمرون في الدرب ذاته، يحملون الراية من بعده، وإلى جانب هؤلاء العظماء هناك الملايين من أحرار العالم على مستوى الكرة الأرضية ينتهجون نهج الحرية في مواجهة الاستعمار والهيمنة. فالسيد حسن نصر الله كان قائداً أممياً تجاوز الإقليم وارتقى لمستوى النضال كمقاوم أممي.