عادل بشر / لا ميديا -
يحتفي اليمنيون غداً الأحد بالذكرى الـ58 ليوم الاستقلال المجيد ودحر المحتل البريطاني من جنوب اليمن في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967م، بعد 129 عاماً من الاحتلال.
وسيشهد ميدان السبعين في العاصمة صنعاء، وبقية الساحات على خارطة السيادة، عصر غد، مسيرات جماهيرية بهذه المناسبة تحت شعار "التحرير خيارنا والمحتل إلى زوال".
وعلى مدار عقود حين يطل الـ30 من تشرين الثاني/ نوفمبر على اليمنيين في كل عام، لا يأتي مروراً عابراً على الذاكرة، بل يجيء كجرس تاريخي صاخب يعيد تذكير الأمة بواحدة من أكثر اللحظات إشراقاً في مسار النضال العربي ضد الاستعمار. إنه اليوم الذي طُرد فيه آخر جندي بريطاني من الجنوب عام 1967، معلناً نهاية أطول وجود استعماري عرفته الجزيرة العربية. يوم أعاد لعدن حريتها، ولليمنيين حقهم في الأرض والسيادة، ولشعوب المنطقة مثالاً يحتذى في الإرادة الثورية التي لا تُقهر.
لكن الذكرى هذا العام تحل مثقلة بالمرارة، لأن عدن التي احتفت قبل عقود برحيل الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، تعيش اليوم تحت شمس احتلال آخر، متعدد الجنسيات والرايات، لكنه لا يختلف في جوهره عن الأول. فكما جاءت بريطانيا بالأمس تحت ذريعة "حماية المصالح" و"الشراكات الأمنية"، جاءت اليوم قوى إقليمية ودولية بذات الخطاب، وإن تغيرت اللهجة وتبدلت الأدوات.

من استعمار الأمس إلى وصاية اليوم
حين خرج البريطانيون من عدن، كان المشهد يبدو خاتمة لعصر كامل من الهيمنة العسكرية المباشرة. السنوات الطويلة التي سبقت الاستقلال حملت مظاهر القمع، ونهب الموارد، وإعادة تشكيل الجغرافيا لخدمة الإمبراطورية، لذلك كان الـ30 من تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 كثمرة نضال طويل، راكمت خلاله عدن والجنوب إرثاً نضالياً تجاوز حدوده المحلية. اليوم، حين يعود اليمنيون لاستحضار تلك الذاكرة، فإنهم يفعلون ذلك وفي صدورهم شعور مؤلم، فالقواعد العسكرية التي غادرها البريطانيون بالأمس، تُدار اليوم من قبل قوات سعودية وإماراتية، وبإشراف أمريكي بريطاني علني أو مستتر.
تبدو عدن، في المشهد الراهن، كأنها مدينة عالقة بين زمنين، زمن استعمار قديم كان واضحاً في هويته ونواياه، وزمن احتلال جديد يرتدي أقنعة مزيفة ويركب على ظهور مرتزقة محليين ارتضوا بأن يكونوا مطايا لقوى خارجية تسعى للسيطرة على اليمن ونهب ثرواته وإضعاف قوته واحتلال الموانئ والسواحل والجزر الاستراتيجية.

فلسفة واحدة بثياب مختلفة
لا يختلف اثنان اليوم أن المحافظات الجنوبية، وفي مقدمتها عدن، تقع ضمن فضاء نفوذ إماراتي -سعودي مباشر. فالقواعد العسكرية، والمطارات المسيطر عليها، والموانئ المحولة إلى نقاط ارتكاز، كلها تعكس بنية احتلال حقيقية لا تقل وضوحاً عن أي وجود استعماري تقليدي.
وليس خافياً على أحد أن هذا الوجود لم يعد شأناً خليجياً فحسب. فأمريكا حاضرة بقوات، وبشبكات رادار، وبإدارة غرف عمليات في بعض المناطق الجنوبية والشرقية. وبريطانيا، التي خرجت ذات يوم تحت ضغط المقاومة، تعود اليوم بثوب "المستشار العسكري" و"الشريك الأمني". أما الإمارات، فقد ذهبت أبعد من ذلك من خلال إنشاء قواعد جوية وعسكرية في السواحل والجزر اليمنية الواقعة تحت سيطرة مرتزقتها، بعضها يخدم، على نحو فاضح، المشروع "الإسرائيلي" في البحر الأحمر وخليج عدن.
هكذا يتحول الجنوب إلى لوحة جيوسياسية مفتوحة، تتقاطع فيها مصالح واشنطن ولندن و"تل أبيب"، بإدارة إماراتية ونفوذ سعودي، في مشهد لا يجد اليمنيون صعوبة في مقارنته بمشهد الاحتلال القديم.

رمز مقاومة لم يفقد صلاحيته
حين تنظر إلى عدن اليوم، قد يبدو للوهلة الأولى أن مسافة زمنية شاسعة تفصل بين جيل الاستقلال في الستينيات، وجيل الاحتلال الجديد في العقد الحالي. لكن الرموز الوطنية لا تعرف التقادم، والمناسبات الكبرى لا تفقد رسائلها. فذكرى 30 تشرين الثاني/ نوفمبر ليست مجرد احتفال، بل مناسبة تستعيد فيها الذاكرة الجمعية معاني التحرر والكرامة والسيادة. لم تكن ثورة 14 تشرين الأول/ أكتوبر ولا استقلال 30 تشرين الثاني/ نوفمبر حوادث عابرة، بل محطات تأسيسية في الوعي اليمني الحديث.
وفي اللحظة الراهنة، يعود هذا الوعي إلى الواجهة، لأن اليمنيين يدركون أن معركة اليوم ليست سوى امتداد لمعركة الأمس، معركة ضد الهيمنة العسكرية، وضد تحويل الأرض إلى منصة لمشاريع أجنبية، وضد استبدال استعمار بآخر.

أهمية التحرك وحتمية الانتصار
بعد سنوات العدوان العسكري المباشر على اليمن الذي قادته السعودية والإمارات بمشاركة 16 دولة أخرى بينها أمريكا وبريطانيا، مطلع 2015م، بات الجنوب مساحة صراع مفتوح بين القوى الأجنبية. تتوزع فيه رايات متعددة، مليشيات مسلحة متنوعة الولاءات الخارجية، ومشاريع سياسية لا تعكس إرادة أهل الأرض بقدر ما تعكس مصالح مموليها.
في المقابل، تظهر صنعاء كطرف يؤمن أن معركته في الدفاع عن اليمن وحريته وسيادته واستقلاله وهويته، هي امتداد طبيعي لمعركة التحرر التي خاضها اليمن قبل عقود، كما أن هذا الموقف ينبع من عقيدة إيمانية راسخة تأبى الضيم وترفض العبودية تحت أي صورة أو شعار. وهذا ما يجعل خطاب صنعاء يستحضر 30 تشرين الثاني/ نوفمبر ليس كتاريخ، بل كمشروع سياسي مستمر. ففي خطابات متعددة بهذه المناسبة وكان آخرها العام الفائت، يؤكد سيد الجهاد والمقاومة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي أن ذكرى الاستقلال ودحر المحتل البريطاني تُمثل محطة من محطات التأريخ المشرف للشعب اليمني في وقوفه بشجاعة واستبسال ضد الاستعمار، مقدماً في سبيل ذلك التضحيات الكبيرة والعظيمة، لينال حريته وكرامته وعزته.
ويشدد السيد القائد على أن الـ30 من تشرين الثاني/ نوفمبر، هي أيضاً، محطة تذكير للشعب اليمني "بأهمية التحرك وحتمية الموقف وحتمية الانتصار وفيها الكثير من الدروس المهمة، وفرصة لغرس الوعي لدى الأجيال عن جرائم المحتل البريطاني وأساليبه في الخداع والاستقطاب والتجنيد"، كما أنها دليل على أن "المحتل مهما كان قوياً فإنه يُهزم"، ومناسبة "تُثبت أن الشعب اليمني قادر، اليوم على صناعة انتصارات أكبر، وأن هذا الشعب العزيز فيما هو عليه الآن من مسار تحرري جهادي يسلك المسلك الصحيح إلى العزة والتمكين والقوة والمنعة والنصر والوعي والبصيرة".

حين يضيء التاريخ الطريق
تأتي ذكرى الاستقلال هذا العام كنافذة يطل منها اليمنيون على تاريخهم ليقرأوا واقعهم بإدراك أن الاحتلال القديم رحل حين وُجدت إرادة شعبية لا تلين، وأن الاحتلال الجديد سيرحل مع تجدد تلك الإرادة، وأن الاستقلال الذي تحقق في 1967 لم يكن منحة، بل انتصاراً صنعته التضحيات. واليوم، في ظل التحالفات الأجنبية وتحول جنوب الوطن إلى قاعدة لمشاريع استعمارية، يصبح استحضار ذكرى 30 تشرين الثاني/ نوفمبر ضرورة وطنية قبل أن يكون مناسبة تاريخية.
إنه اليوم الذي يقول لليمنيين، إذا كان الاستعمار قد جلا ذات يوم، فليس هناك احتلال لا يرحل، وأن إرادة الشعوب لا تُقهر مهما كانت التحديات والأحداث.