عادل بشر / لا ميديا -
في ذروة المواجهة الإقليمية، وبينما تنشغل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بتقدير كلفة المواجهة الفاشلة مع إيران والمقاومة في لبنان، برز عنصر غير متوقع في الحسابات الصهيونية، وهو عدم انخراط صنعاء عسكرياً دعماً للجمهورية الإسلامية منذ بداية العدوان "الأمريكي الإسرائيلي" أواخر شباط/ فبراير الماضي، والتحاقها بالمعركة بعد شهر من بدئها موجهة ضربات بعيدة المدى إلى العمق الصهيوني.
ورغم امتلاك صنعاء أدوات وصفها محللون "إسرائيليون" بأنها "فعالة للغاية" وقد ثبت ذلك جلياً خلال معركة إسناد غزة، إلا أن عدم استخدام اليمن لأوراقه القوية لا يزال مثار حيرة وقلق لدى الكيان الصهيوني.
وبحسب توصيف وسائل إعلام صهيونية فإن "صمت صنعاء، ليس غياباً بالفعل، بل هو حضور ثقيل يثير قلق المؤسسة الإسرائيلية"، التي تبدو، وفق ما تكشفه تقارير صهيونية، منشغلة ليس بما يفعله اليمنيون، وإنما بما لم يفعلوه حتى الآن.
هذا القلق ظهر بوضوح في تقرير نشره موقع "والا" الصهيوني، أمس، بعنوان "لماذا لم يهاجم الحوثيون إسرائيل؟ وهل المفاجأة لم تأتِ بعد؟"، كشف فيه أن ما وصفها بـ"المؤسسة الدفاعية" لكيان الاحتلال "تسعى لفهم أسباب امتناع صنعاء عن الانضمام الكامل إلى الحملة إلى جانب إيران".
وأوضح التقرير أن "فرع الاستخبارات في جيش الاحتلال يواصل مراقبة الوضع في اليمن عن كثب" في ظل ما وصفه بـ"الهدوء النسبي الذي يسود بين الحوثيين"، وعدم الانخراط العسكري الكامل في هذه المواجهة، رغم امتلاك صنعاء أدوات ضغط عسكرية وبحرية أثبتت فاعليتها إبان معركة إسناد غزة، حين فرضت حصاراً بحرياً على الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر، وشلت فعلياً ميناء "إيلات" (أم الرشراش).
وبحسب التقرير فإن من "السيناريوهات التي كانت المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية قد توقعتها بداية الحرب على إيران، أن تقوم صنعاء بإغلاق باب المندب، أو شن هجوم أوسع على الجبهة الداخلية الإسرائيلية"، مشيراً إلى أن هذا لم يحدث بالشكل الذي توقعه الكيان، وكان تدخل صنعاء بعمليات بعيدة المدى إلى فلسطين المحتلة بعد شهر من بدء الحرب.
وأضاف التقرير: "رغم ذلك فإن قسم الأبحاث في الاستخبارات الإسرائيلية لا يزال يطرح السؤال:  لماذا لم ينضم الحوثيون إلى الحرب؟ وهل هم قادرون على شن هجوم مفاجئ واسع النطاق؟".
ويرى مراقبون أن هذه الأسئلة المطروحة في دوائر الاستخبارات "الإسرائيلية" لا تعكس طمأنينة، وإنما ارتباكاً استراتيجياً، خصوصاً وأنها صادرة من أجهزة أمنية تدير تقديرات حرب.
وفق "والا"، وضعت المؤسسة الأمنية لكيان الاحتلال عدة سيناريوهات لتفسير هذا السلوك، بينها "الخوف من الخسارة، القلق من توحيد السعودية والإمارات والولايات المتحدة ضد صنعاء، والأزمة الاقتصادية الداخلية". غير أن هذه السيناريوهات، في جوهرها، لا تكشف فهماً حقيقياً لطبيعة صنعاء، بقدر ما تكشف عجزاً "إسرائيلياً" عن قراءة عقل الخصم.
فاليمن، الذي صمد أكثر من عقد تحت الحرب والحصار، وخاض مواجهة مباشرة مع تحالفات إقليمية ودولية، لا تبدو حساباته قابلة للاختزال في منطق الخسائر التقليدي. ومن هنا، بدا لافتاً أن الموقع الصهيوني نفسه أشار إلى سيناريو رابع وضعته الاستخبارات العسكرية الصهيونية، ووصفه الموقع بـ"السيناريو المثير للاهتمام"، وهو، وفقاً للتقرير، احتمال وجود "عملية خفية" أو ترتيب استراتيجي داخل محور المقاومة، يجعل من صنعاء قوة مؤجلة الدور، لا غائبة عنه، ووصفها التقرير ذاته بأنها "من الممكن أن تصبح القوة الأقوى في المنطقة".
هذا التقدير هو الأكثر إثارة للقلق "إسرائيلياً"؛ لأنه، كما يرى محللون، ينقل صنعاء من خانة الفاعل المنضبط إلى خانة التهديد الكامن. ولذلك لم يكن عرضياً أن يؤكد التقرير الصهيوني بالقول أنه: "رغم هذا، يواصل الجيش الإسرائيلي جمع المعلومات الاستخباراتية عن الحوثيين، لرفع مستوى اليقظة والاستعداد لأي سيناريو في البحر والجو والبر، مع التركيز على البحر الأحمر ومدينة إيلات، بالتوازي مع تدريبات عسكرية تحاكي هذه السيناريوهات".
كما قامت الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية"، وفقاً للموقع، بزيادة عدد الضباط  المتخصصين بمتابعة اللهجة اليمنية.
في هذا السياق، يبدو القلق "الإسرائيلي" مرتبطاً بما هو أبعد من احتمال إطلاق صواريخ أو مسيّرات. المسألة تتصل بممرات استراتيجية وخنق اقتصادي محتمل سبق أن تم تجريبه، ولايزال الكيان يتجرع آثاره حتى اللحظة.
حول هذا نشر موقع "نيوز1" الصهيوني، أمس، تقريراً بعنوان "المضيق المنسي والصمت الإسرائيلي"، ليكشف بُعداً آخر في الأزمة، وهو الخوف من باب المندب.
التقرير وجّه نقداً لاذعاً للمؤسسة "الإسرائيلية"، معتبراً أن "العالم منشغل بمضيق هرمز، بينما يتجاهل الخطر الحقيقي على إسرائيل في باب المندب، باب الدموع، حيث يكفي التهديد بإغلاق المضيق، وليس إغلاقه فعلاً، لشل ميناء إيلات" وضرب أحد أهم مراكز النشاط الاقتصادي في جنوب فلسطين المحتلة.
ويطرح التقرير سؤالاً صادماً من داخل الخطاب الصهيوني نفسه: "هل تخلت إسرائيل رسمياً عن مدينة إيلات كما تتخلى عن الشمال؟". وهو سؤال لا يصدر عادة إلا حين يتحول القلق إلى شعور بانكشاف استراتيجي.
ويرى مراقبون أن ما يخيف الكيان الغاصب ليس فقط قدرة صنعاء على استئناف الحصار البحري على "إسرائيل"، وإنما قدرتها على إبقاء هذه الورقة معلقة، حاضرة كاحتمال دائم؛ فحين يتحول باب المندب من ساحة جغرافية إلى أداة ردع استراتيجية، يصبح الصمت نفسه جزءاً من المعركة.
في المحصلة فإن ما كشفته التقارير الصهيونية يؤكد أن "إسرائيل" لا تواجه مشكلة في فهم قدرات صنعاء العسكرية فقط، وإنما تواجه مأزقاً أعمق في فهم نواياها. وحين تصبح النوايا مجهولة، يتحول الخصم إلى مصدر تهديد مضاعف.
وفي الحسابات العسكرية، يمكن التعامل مع الصاروخ حين يُطلق، ومع السفينة حين تُستهدف؛ لكن الأصعب هو التعامل مع خصم يمتلك القدرة، ويختار ألا يستخدمها الآن، وهذا ما يُربك كيان الاحتلال، ويُظهر أن صنعاء، وهي تضبط إيقاع تدخلها المباشر في المعركة، قد نجحت أيضاً في فرض معادلة نفسية واستراتيجية جديدة، وهي أن مجرد احتمال تحركها يكفي لإبقاء الاستخبارات الصهيونية في حالة استنفار، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الاشتباك، وربما أخطرها.