عادل بشر / لا ميديا -
في كشف لافت يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد السرد الإخباري، أزاحت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية الستار عن واحد من أخطر المخططات التي صاغها الكيان الصهيوني، بدعم أمريكي، لإسقاط النظام في إيران، قبل أن تنتهي هذه المغامرة إلى فشل كبير، يعكس خللاً عميقاً في التقدير الاستراتيجي لدى واشنطن و"تل أبيب".
التقرير "الإسرائيلي"، الذي جاء بعد أربعين يوماً من الحرب، لا يروي فقط ما جرى، وإنما يكشف حجم الرهان الذي وضعته القيادتان الأمريكية و"الإسرائيلية" على "ضربة قاضية" تُنهي إيران كقوة إقليمية، قبل أن يتبدد هذا الرهان على أرض الواقع.
وأوضح التقرير أن خطة "إسرائيلية"، مدعومة أمريكياً، لإسقاط النظام الإيراني، فشلت في تحقيق أهدافها خلال الحرب الأخيرة، رغم التحضيرات التي استمرت سنوات، مختصراً ذلك بالقول إن "النظام لم يسقط، وزحف المليشيات الكردية أحبِط، ولم يخرج الإيرانيون إلى الشوارع، ودخلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الحرب من دون أن تقدرا بشكل صحيح قدرة النظام على الصمود".

تفاصيل الخطة
بحسب التقرير، تعود جذور هذه الخطة إلى الفترة التي كان فيها الصهيوني مئير داغان رئيساً لجهاز الموساد، إبان رئاسة إيهود أولمرت لحكومة الكيان، قبل أن يعاد تفعيلها وتطويرها في عهد بنيامين نتنياهو، وبإشراف مباشر من رئيس الموساد الحالي دافيد برنياع. وقد هدفت الخطة إلى إنهاء "التهديد الإيراني"، بمختلف أبعاده، للوجود "الإسرائيلي"، بما في ذلك البرنامج النووي ومنظومة الصواريخ ودعم حلفاء طهران في المنطقة (حزب الله، الحوثيين، المقاومة العراقية". وأضاف أن نتنياهو دفع باتجاه التنفيذ، بينما أبدى الموساد حماساً لذلك، في حين أبدت شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) تحفظات على الخطة.
وأشار التقرير إلى أن التحضير للخطة بدأ قبل أربع سنوات، وأصبحت جاهزة للتنفيذ قبل سنتين ونصف، لافتاً إلى أن الحرب على لبنان خلال حرب الإبادة في غزة، والحرب على إيران في حزيران/ يونيو 2025، شكلتا محطتين رئيسيتين في اتخاذ قرار تفعيلها.
وأوضح أن التنفيذ كان مقرراً في حزيران/ يونيو المقبل؛ لكن تم التبكير به بعد الاحتجاجات التي شهدها عدد من المدن الإيرانية في كانون الثاني/ يناير الماضي، نتيجة ما وصفه التقرير بـ"العمل الهائل الذي قامت به إسرائيل لتحريض الشارع الإيراني ضد نظامه"، لافتاً إلى أن ترامب طلب، حينها، من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) نقل قوات إلى الخليج، فيما أوعز للجيش "الإسرائيلي" والموساد بتقديم موعد التنفيذ.
وقال: "في الحادي عشر من فبراير، وصل نتنياهو إلى البيت الأبيض. وفي اجتماع عُقد في غرفة العمليات، ظهر رئيس الموساد، بارنيا، على شاشة مكالمة جماعية مشفرة، متحدثاً من إسرائيل. عرض بارنيا الخطة على الرئيس (الأمريكي) بكل تفاصيلها. كان الجو إيجابياً. استطاع ترامب أن يتخيل إمكانية تطبيق ما فعله في فنزويلا على طهران؛ لكنه لم يكن يعلم أن فنزويلا حالة فريدة من نوعها".
ووفقاً للتفاصيل، كانت الخطة تتضمن ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ باغتيال المرشد الأعلى الإمام السيد علي الخامنئي وعدد من كبار قادة النظام، عبر ضربات جوية مركزة. أما المرحلة الثانية، فكانت تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة، تشمل أولاً: توغل مليشيات كردية من شمال العراق باتجاه الأراضي الإيرانية وانضمام أكراد إيرانيين إليهم بهدف الوصول إلى طهران، على غرار ما حدث في سورية نهاية العام 2024 عند سقوط النظام.
أما المسار الثاني فيتمثل في حملة تأثير إعلامية وتحفيز احتجاجات داخلية عبر شبكات تأثير تم إعدادها مسبقاً من قبل الموساد، تهدف إلى دفع الإيرانيين للخروج إلى الشوارع، ويتزامن معها المسار الثالث الذي يتعلق باستهداف قوات "الباسيج" والأجهزة الأمنية من الجو لإضعاف قدرتها على السيطرة.
أما المرحلة الثالثة فكان هدفها تنصيب قيادة بديلة للنظام، تكون جاهزة لتولي الحكم في حال انهيار السلطة القائمة.

بداية نارية ونهاية متعثرة
وذكر التقرير أن العمليات العسكرية بدأت بضربات مكثفة وعمليات اغتيال طالت قيادات في النظام، ما أعطى انطباعاً أولياً بإمكانية تحقيق تقدم سريع.
إلا أن مجريات الميدان سرعان ما أظهرت تعثراً في تنفيذ الخطة، إذ لم يستجب الشارع الإيراني للدعوات التي أطلقتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" للنزول إلى التظاهر. كما فشل المسار المتعلق بتوغل المليشيات الكردية، بعدما تمكنت الاستخبارات الإيرانية من كشف التحضيرات، وأطلعت الاستخبارات التركية عليها، ما أدى إلى تدخل إقليمي، أسفر عنه وقف العملية قبل انطلاقها.
في السياق ذاته، أشار التقرير إلى بروز معارضة داخل الإدارة الأمريكية لخطة إسقاط النظام، إذ أعرب عدد من كبار المسؤولين، بينهم نائب الرئيس ووزير الخارجية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، عن تحفظاتهم على جدوى العملية ومخاطرها.
وأضاف أن هذه المعارضة، إلى جانب التطورات الميدانية، دفعت الرئيس الأمريكي إلى التراجع عن بعض مكونات الخطة، ما أدى إلى تقليص الدور "الإسرائيلي" في عملية صنع القرار خلال الحرب.

صمود إيراني يعيد رسم المشهد
في المقابل، أوضح التقرير أن النظام الإيراني تمكن من الحفاظ على تماسكه، رغم الضربات التي تعرض لها، إذ جرت عملية إعادة تنظيم للقيادة والسيطرة، ولم يؤدِّ اغتيال قيادات بارزة إلى انهيار بنية النظام كما كان متوقعاً، وهو ما اعتبره التقرير أحد الأسباب الرئيسية لفشل سيناريو الانهيار السريع الذي كانت تراهن عليه بعض الدوائر.
وأشار التقرير بوضوح إلى أن التقدير الأمريكي الصهيوني لقدرة النظام الإيراني على الصمود كان خاطئاً. كما أن استخدام إيران لأدوات ضغط استراتيجية، مثل مضيق هرمز، أربك الحسابات الأمريكية.
مع تعثر الخطة، وفقاً للتقرير، بدأ الخطاب "الإسرائيلي" يشهد تحولاً تدريجياً. فبدل الحديث عن إسقاط النظام كهدف مباشر، جرى استخدام صيغة أقل حدة، تقوم على "تهيئة الظروف" لتغييره.
وخلص التقرير إلى أن فكرة "تغيير النظام" في إيران، التي طُرحت كهدف استراتيجي في سياق الحرب، اصطدمت بواقع سياسي وعسكري أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً، لتتحول إلى مشروع غير مكتمل، وسط استمرار الجدل داخل "إسرائيل" والولايات المتحدة حول مستقبل المواجهة مع طهران.