دمشق - خاص / لا ميديا -
أثار قرار سلطات الجولاني فتح ملف الأوقاف العثمانية، واعتمادها كمستند قانوني حول الآلاف من المنشآت والأبنية والأملاك في سورية، تساؤلات كثيرة، حول الأسباب والهدف، ودور تركيا، وعلاقتها مع السلطة في واحد من أكثر الملفات حساسية وتشابكاً، بين التاريخ، والقانون، والسياسة، والحقوق الشخصية.
تم فتح هذا الملف الشائك بداية، خلال تصريحات لمعاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، في حزيران الماضي، لكنها عادت إلى الواجهة بقوة، مع قيام الوزارة مؤخراً، بالطلب من إدارة "الديانة التركية"، تزويدها بالأرشيف العثماني، المتعلق بالحقبة التي حكم فيها العثمانيون سوريا، والممتدة من عام 1516، إلى انهيار السلطة العثمانية عام 1918، حيث أنشأت الدولة العثمانية، نظاماً مركزياً لإدارة الأوقاف، التي وُثّقت ضمن أرشيف الدولة في إسطنبول.
وشملت هذه الوقفيات، أسواقاً تاريخية كاملة، أو أجزاء منها، مثل سوق الحميدية، وسوق مدحت باشا، وهي أعرق أسواق دمشق، إضافة إلى حمامات عامة، وقنوات مياه، وأراضٍ زراعية واسعة، في غوطة دمشق وحلب، إلى جانب وقفيات السلاطين والوزراء، مثل وقف السلطان سليم الأول، ووقف السلطان عبدالحميد، لتشكّل بذلك عماد الاقتصاد العمراني في بلاد الشام، لأكثر من أربعة قرون.
ووفق تقديرات رسمية، يبلغ عدد العقارات الوقفية في سوريا، نحو 37 ألف عقار، تتوزع بشكل رئيسي في حلب بحوالي 19 ألف عقار، تليها دمشق بنحو 8500 عقار، ثم إدلب بما يقارب 3000 عقار، وتتوزع بقية العقارات على محافظات أخرى.
ومع انهيار الدولة العثمانية عام 1918، دخل نظام الأوقاف مرحلة معقدة، إذ خضعت خلال فترة الانتداب الفرنسي لسيطرة الدولة، وبدأت تتآكل استقلاليتها تدريجياً، لتتجه لاحقاً نحو إحكام قبضتها على الأوقاف، باعتبارها أداة للسيطرة الاقتصادية والسياسية.
وبعد الاستقلال، استمرت الحكومات السورية بتعزيز المركزية في إدارة الشؤون الدينية، من دون إلغاء بنيتها، وبعد وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة عام 1963، أصبحت وزارة الأوقاف خاضعة بشكل مباشر للسلطة التنفيذية، وتحوّل جزء من العقارات الوقفية لاحقاً، إلى أداة ذات أبعاد سياسية واقتصادية، ترافقت مع إقرار قوانين التأميم والإصلاح الزراعي.
وحول الغاية الأساسية من هذا القرار، قال بيرقدار، بأنها تستهدف حصر الأملاك الوقفية، واستخراجها من السجلات التي طُمست فيها، واستعادتها من الجهات التي استولت عليها، عبر تثبيتها في السجلات الرسمية للدولة، وأعلن عن تأسيس صندوق مستقل، لإدارة الاستثمارات الوقفية، منفصل عن خزينة الدولة.
ونفى بيرقدار علاقة تركيا بالموضوع، وأكد بأن الوقف في سوريا هو "ملكية سورية خالصة" نافياً أي حديث عن استعادة أنقرة لأوقاف عثمانية داخل البلاد، لكن قيام السلطات بإخلاء محطة الحجاز التاريخية في قلب دمشق، والتي كانت منطلق الخط الحديدي الحجازي، باتجاه الأراضي المقدسة في السعودية، ونقل الموظفين منها، ويقال بأنه سيتم تسليمها لتركيا، بداعي إقامة متحف فيها، عزز هذه المخاوف.
هذه التصريحات، أثارت جدلاً واسعاً، ونقاشاً عاماً، حول ملف بالغ الحساسية، ليس فقط لتعلقه بمصير ممتلكات وقفية، وإنما لاعتبار أن هذه المناطق والأبنية والمنشآت، تشكل نبض مدينتي دمشق وحلب، وعدة مدن سورية، وترتبط بذاكرة عمرانية وتاريخية واجتماعية، ممتدة منذ مئات السنين.
أصحاب الأملاك، يقولون بأنه من المستحيل النظر إلى هذا الموضوع بهذا الشكل، بعد توارثها لعدة أجيال، وصلت إلى أحفاد الأحفاد.
وفي أوساط الرأي العام، أثيرت تساؤلات مهمة، منها هل يعقل أن تعتمد وثائق دولة كانت محتلة، وانهارت وتلاشت منذ أكثر من مائة عام، ولم يعد لها أي وجود قانوني، كمستند لتحديد أملاك وعقارات السوريين؟ وهل يعقل أن تبقى كل هذه الأملاك، لدولة استقلت منذ أكثر من ثمانين عاماً، على سجلات دولة لم تعد موجودة قانونا؟
وترى هذه الأوساط، أن هذا الإجراء، ليس مجرد نزاع عقاري محدود، بل هو مشروع منظم، لإعادة فتح أبواب العبث بالملكية الخاصة، وفرض وقائع جديدة على الناس بالقوة السياسية، هو اعتداء خطير على حقوق السوريين، واستقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.
كما تثار أسئلة قانونية، حول صلاحية حكومة (انتقالية مؤقتة) لفتح هكذا ملف وطني خطير، ودور تركيا، وأهدافها في سورية، خاصة في ظل توزيع وثائق، تؤكد أن الموضوع متفق عليه مسبقاً.
الجدل حول هذا الموضوع، لم يتوقف على هذه الأملاك، وإنما فتح الباب واسعا، حول حق السوريين بفتح الأرشيف والوثائق المتعلقة بأراضيهم وملكياتهم في تركيا، وخاصة الأراضي السورية، التي احتلها تركيا بعد انهيار الدولة العثمانية، بتواطؤ مع سلطات الانتداب الفرنسي، مع العلم بأن القوانين الأممية والدولية، لا تبيح لدولة الاحتلال والانتداب، التلاعب بالأراضي الوطنية أو التنازل عنها، في الدولة التي تحتلها، وتشمل هذه الأراضي، مساحات تصل إلى حوالي مساحة سورية الحالية، وتشمل لواء إسكندرون، وماردين، ونصيبين، واورفه، وكلس، وديار بكر، وصولا إلى جبال طوروس، وما بعد مرسين وطرسوس، على الساحل، بما فيها من مساجد وكنائس وأديرة، وبيوت ومزارع وأراض زراعية، وكلها بلدات ومدن سورية الأصل، تنازلت عنها فرنسا لتركيا، بشكل غير قانوني، لأهداف سياسية، تلت الحرب العالمية الأولى، ومعظمها تقع خارج حدود الدولة التركية، التي وضعتها معاهدة لوزان في 24 تموز 1923، وتم احتلالها بعد توقيع المعاهدة.
أيضاً ظهرت دراسات وتساؤلات تقول بأن فتح هذا الملف، يتيح الحجة لفتح ملفات أبعد، حول وقف فاطمي، وأيوبي، وعباسي، وأموي، وحمداني، ومن ثم بيزنطي ورومي، وحتى حول الجامع الأموي بدمشق، والذي كان كنيسة، تم تحويلها إلى مسجد، في الحقبة الأموية، وحتى لكنيسة الفاتيكان، والتي أقيمت على مدفن القديس بطرس ابن سورية.
أيضاً يتيح فتح هذا الملف، فتح ملفات قانون الإصلاح الزراعي، والأراضي التي تم الاستيلاء عليها من الإقطاعيين، منذ أيام الحكم العثماني، ثم المنشآت والمصانع التي أممها الرئيس جمال عبدالناصر أيام الوحدة، وتواصلت مع وصول حزب البعث إلى السلطة.
ملف شائك فتحته السلطات السورية، ولا يعرف الآن مدى قدرتها على إنجازه، وهل يتوقف الأمر عند هذا الموضوع، أم يتشعب لقضايا سياسية واقتصادية واجتماعية، في وقت حساس جداً، تعيشه السلطات السورية، والشعب السوري.