الحرب التي غيرت «الشرق الأوسط».. صعــود إيران كقــوة إقليمية
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا
ريكاردو مارتينيز - موقع «الدبلوماسية الحديثة»
ترجمة خاصة: غيداء الصغير / لا ميديا -
لعل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة و»إسرائيل» تمثل نقطة تحول استراتيجية في الجغرافيا السياسية لـ»الشرق الأوسط». ومع انتقال طهران من عقيدة البقاء إلى عقيدة النفوذ الإقليمي، فإن توازن القوى الذي شكل المنطقة لعقود من الزمن يخضع لإعادة تشكيل جذرية.
إيران.. من الدفاع إلى الطموح
يلاحظ المحللون أن منطقة الشرق الأوسط في حالة تغير مستمر، فلم تعد إيران تقاتل من أجل البقاء فحسب؛ بل تختبر أيضاً شروط التفوق الإقليمي. ويطلق روبرت بيب، عالم السياسة الأمريكي والأستاذ في جامعة شيكاغو، على هذا الأمر اسم «اللعبة الوسطى»؛ إذ تنتقل إيران إلى ما هو أبعد من مجرد الدفاع عن نفسها، وتقوم الآن ببناء ما يصفه بـ»حزام أمني للمقاومة» يمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر. لم تعد إيران منكفئة في موقف رد الفعل فقط؛ بل باتت تنسج نفوذها عبر الخليج الفارسي ولبنان واليمن، بما يحول المنطقة إلى ساحة استراتيجية واحدة ليكون بمقدور إيران وضع القواعد والشروط، وليس مجرد اتباعها.
يقول بيب: «نحن الآن في منتصف اللعبة. وفي هذه المرحلة، ثمة سمة حاسمة: إيران تتحول من البقاء إلى الطموح. وهذا سيستمر؛ فإيران في طريقها لتصبح الدولة المهيمنة في الخليج الفارسي».
العقيدة الجديدة للحرس الثوري الإيراني: حزام أمني جديد للمقاومة
يضيف روبرت بيب: «تسير إيران على طريق أن تصبح قوة مهيمنة في المنطقة؛ قوة مهيمنة لا يساورها قلق بشأن بقائها، ولكنها تعمل على بناء مجال نفوذ. وهذا هو شكل القوة المهيمنة إقليمياً».
لماذا هذا مهم؟ لأنه يشير إلى تغيير حقيقي في كيفية إدارة الصراع. ويرى بيب أن إيران أصبحت أكثر تنسيقاً وتصميماً في استراتيجيتها، في حين تبدو واشنطن و»تل أبيب» عالقتين في دوامة من ردود الفعل. الرئيس دونالد ترامب يكتفي بالإيماءات، دون أي استراتيجية؛ فهو لا يصدق ما يراه، ويطلب من نتنياهو أن يمتثل لمطلب إيران، بوقف قصف بيروت. وتمارس إيران الضغط في المواقع الأكثر تأثيراً: في الكويت والبحرين لتضييق الخناق على الجيش الأمريكي، وإرسال إشارة إلى بيروت لردع الضربات «الإسرائيلية»، وفي البحر الأحمر لتهديد طرق الشحن والطاقة العالمية. والفكرة الأساسية هي أن إيران تحول الجغرافيا إلى استراتيجية. هذا ليس يأس نظام محاصر؛ بل على العكس من ذلك، فهو دليل على استراتيجية تحاول إعادة رسم خريطة موازين القوى الإقليمية.
تقلص هامش المناورة لـ»إسرائيل»
في إحدى المقابلات، أشارت المحللة تريتا بارسي إلى نقطة أكثر وضوحاً بشأن «إسرائيل»؛ فموقفها الأمني أصبح أكثر هشاشة، حتى مع تزايد جرأة عملياتها العسكرية.
ويرى بيب، في مقابلة أخرى، أن «إسرائيل» عالقة في معضلة تصعيد كلاسيكية: إذا لم ترد، فإنها ستبدو ضعيفة ويتآكل الردع؛ وإذا ردت، فإنها تخاطر بتأجيج الصراع ذاته الذي يهدد أمنها. لنأخذ على سبيل المثال الحادثة الأخيرة من عمليات تسلل حزب الله: موقف عسكري من دون استراتيجية، إذ تؤدي التوغلات المحدودة إلى عواقب استراتيجية وخيمة.
إن «إسرائيل»، رغم قوتها العسكرية، ورغم أن جيشها مرهق ومعنوياته منخفضة، لا تزال تعتمد بشدة على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني النهائي لها؛ لكن قدرة واشنطن على الحفاظ على هذا الدور تضعف بسبب الأداء الضعيف للجيش الأمريكي وضغط الرأي العام المحلي. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الولايات المتحدة لا تستطيع دائماً كبح جماح التصعيد «الإسرائيلي»، حتى عندما تحاول ذلك. خلاصة القول أن التفوق العسكري «الإسرائيلي» لا يُترجم إلى مكاسب استراتيجية.
«إسرائيل».. خسائر سياسية باهظة
وعلى الصعيد السياسي، لا تقل الأمور صعوبة: فالدعم الدولي لـ»إسرائيل» يتضاءل (أصبحت مكانة «إسرائيل» في الرأي العام الأمريكي والعالمي في أدنى مستوياتها طيلة تاريخها)، والموقف «الإسرائيلي» الداخلي الحالي يثير قدراً من المعارضة أكبر من منح الشرعية. وذلك سببه اتهامات بالإبادة الجماعية في غزة، والسلوك الوحشي وغير الأخلاقي للجيش «الإسرائيلي»، وعدم احترام القوانين والأعراف الدولية، والوحشية والسلوك الإجرامي للمستوطنين في الضفة الغربية دون عقاب، وتدمير جنوب لبنان، على غرار ما حدث في غزة.
ولهذا فإن الحرب لا تقتصر فقط على المنتصر في ساحة المعركة؛ بل تتعلق أيضاً بالتكاليف السياسية المتزايدة. فاستخدام «إسرائيل» المتكرر للقوة يهدد بترسيخ صورتها كدولة تفضل التصعيد على الحوار والقوة على الدبلوماسية، وهذا النهج في الواقع يُضعف موقفها، من خلال توسيع التحالف المناهض لها، وتعزيز العلاقات بين إيران وحزب الله، ودفع الدول العربية إلى التردد في رهاناتها بدلاً من حسم موقفها في العلاقة مع «إسرائيل».
الخريطة الإقليمية الجديدة: التفتُّت والتحوط والردع
ترى تريتا بارسي أن الولايات المتحدة تلقت ضربة حقيقية، فقد أصبحت قوى «الشرق الأوسط» متشككة بشكل متزايد في الاعتماد على الحماية الأمريكية. النتيجة؟
تقوم هذه القوى بتنويع استراتيجيات التحوط والردع الخاصة بها، فلم تعد دول الخليج تسير معاً؛ فالإمارات تتحالف مع «إسرائيل»، في حين أن دولاً مثل السعودية وقطر وعُمان والكويت تتخذ مسارات مختلفة؛ فبعضها، مثل الكويت، تتوخى الحذر، في حين تعمل دول أخرى على بناء علاقات اقتصادية أعمق مع إيران للحد من مخاطر المواجهة. وأود أن أضيف أنه لا يمكن إنكار دور القوة الخارجية، باكستان، وهي قوة نووية، في المنطقة. وإلى جانب معاهدة الدفاع المشترك السعودية الباكستانية، يشكل البلدان جزءاً من ترتيب أمني إقليمي أوسع يشمل تركيا ومصر. ومن خلال باكستان وإيران، تعزز الصين وروسيا نفوذهما في المنطقة.
هذه هي «خريطة الشرق الأوسط الجديدة»؛ إنها أقل تركزاً على الولايات المتحدة، وأكثر انقساماً، ومتعددة الأقطاب على نحو متزايد. ومع ذلك، فإن مجرد كون المنطقة لم تعد أحادية القطبية لا يعني أنها وجدت توازناً جديداً. الحرب لا تنتج توازناً مستقراً، بل تدار بارتجال استراتيجي، إذ تصبح القوى المتوسطة، والوكلاء، ونقاط اختناق الطاقة، أكثر أهمية من التحالفات التقليدية.
واحدة من أهم النقاط المحورية هي البحر الأحمر. فلم تعد اضطرابات الحوثيين وتهديداتهم لممر باب المندب مجرد عوامل مساعدة؛ بل أصبحت الآن أدوات قوة مركزية. وبالنسبة لإيران، فهذه وسيلة لبسط نفوذها إلى ما هو أبعد من بلاد الشام، رابطةً بين الأمن البحري، وتدفقات النفط، والمصداقية الأمريكية، في صراع بالغ الأهمية.
الاستنتاجات: إيران تسعى لإنشاء قوة ردع موسعة
لقد أوضحت إيران للولايات المتحدة و»إسرائيل» أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل المنطقة بأسرها، ويجب تضمين «إسرائيل» فيه لتجنب إشعال حروب جديدة. ورغم الضغوط والمحاولات لإفشال الدبلوماسية، فلا تزال هناك مصلحة مشتركة في التوصل إلى اتفاق. بالنسبة لإيران، لا ينبغي قبول أي اتفاق كيفما اتفق؛ وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الوقت لا يصب في مصلحة ترامب. لكن فجوة الثقة أصبحت الآن أكبر، ويرجع ذلك جزئياً إلى التخريب «الإسرائيلي» الذي يسعى إلى عرقلة المفاوضات، ولأن السياسة الأمريكية تنحني في الغالب للضغوط السياسية «الإسرائيلية».
والخلاصة غير المريحة هي أنه إذا انهارت الجهود الدبلوماسية، فقد يكون ذلك بسبب أن «إسرائيل» جعلت الكلفة السياسية على واشنطن كبيرة للغاية إن لم تنظر إلى إيران كخصم دائم. إذن، ما الذي تغير على الأرض؟
أولاً: تتمتع إيران الآن بثقة أكبر ودور أكبر في تشكيل توازنات المنطقة من خلال الضغط والمناورة.
ثانياً: كشف الصراع مدى هشاشة الردع «الإسرائيلي»، والحدود الواضحة لقدرة «إسرائيل» على العمل منفردة.
وثالثاً: مسارعة دول الخليج وتركيا ومصر وباكستان إلى إيجاد خيارات أمنية جديدة، لأنها لم تعد تكتفي بالاعتماد على الولايات المتحدة فقط. وفي الوقت نفسه، تشهد إيران صعوداً متزايداً، بفضل حساباتها الاستراتيجية في استخدام القوة وورقة مضيق هرمز، بينما يتنازع ترامب ونتنياهو علناً حول من يتولى قيادة تحالفهما.










المصدر ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا