مراسم تشييع الشهيد الخامنئي تخطف أضواء الاحتفالات الأمريكية.. «واشنطن بوست»: العدوان على إيران أنجب جيلاً من القادة أكثر صلابة وثقة
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
رغم الاحتفالات التي تشهدها الولايات المتحدة بمناسبة عيد الاستقلال الأمريكي، إلا أن المشهد المهيب لتشييع مرشد الثورة الإسلامية، الشهيد السيد آية الله علي الخامنئي، في إيران، طغى بشكل لافت على الاحتفالات الرسمية الأمريكية التي دعا دونالد ترامب لأن تكون الأكبر في تأريخ أمريكا.
وكان اللافت توجه اهتمام الإعلام الأمريكي بالحشود المليونية التي تقاطرت إلى العاصمة الإيرانية طهران من إيران وخارجها للمشاركة في وداع وتشييع الشهيد الخامنئي، الأمر الذي اعتبرته صحيفة "واشنطن بوست" استفتاء سياسياً وشعبياً على صمود الدولة الإيرانية، ورسالة مباشرة بأن الرهانات الأمريكية و"الإسرائيلية" على إسقاط النظام أو تفكيكه قد انتهت إلى الفشل.
وفي تقرير مطول أقرت الصحيفة الأمريكية بأن إيران خرجت من الحرب "الأمريكية- الإسرائيلية" الأخيرة بصورة مغايرة تماماً لما كانت تتوقعه واشنطن و"تل أبيب"، مؤكدة أن الجمهورية الإسلامية لم تنجُ فقط من أخطر مواجهة عسكرية تعرضت لها منذ عقود، وإنما خرجت منها بقيادة أكثر تماسكاً، وأكثر جرأة ورسوخاً، وأشد ثقة بقدرتها على فرض معادلات جديدة في المنطقة، وبشكل يناقض زعم ترامب نجاح "تغيير النظام".
وبحسب التقرير، الذي نشرته "واشنطن بوست" أمس، فإن اغتيال المرشد الأعلى في اليوم الأول للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، كان يُنظر إليه داخل الولايات المتحدة وكيان الاحتلال باعتباره الضربة التي ستفتح الباب أمام انهيار النظام الذي يقود إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979؛ غير أن التطورات اللاحقة سارت في الاتجاه المعاكس تماماً؛ إذ نجحت مؤسسات الدولة الإيرانية في احتواء الصدمة، وإعادة ترتيب هرم السلطة بسرعة، ومنع أي فراغ سياسي أو أمني.
وترى الصحيفة أن مراسم التشييع الرسمية، التي تأتي بعد أربعة أشهر من اغتياله، قد تجاوزت الوداع لقائد تاريخي، إلى الإعلان غير المباشر عن انتقال منظم للسلطة، وكشفاً عن جيل جديد من القيادات التي تشكلت داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، واكتسبت خبراتها خلال العقود الماضية، لتتولى اليوم قيادة الجمهورية الإسلامية في واحدة من أكثر مراحلها حساسية.
ويشير التقرير إلى أن القيادة الجديدة، التي يتصدرها المرشد مجتبى الخامنئي، تتميز بصغر سنها مقارنة بالجيل المؤسس للثورة؛ لكنها أكثر إحكاماً في إدارة مؤسسات الدولة، وأكثر انسجاماً في اتخاذ القرار، بعدما تشكل معظم أفرادها داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، وراكموا خبراتهم في إدارة الأزمات والصراعات الإقليمية.
ونقلت الصحيفة عن الباحث الصهيوني راز زيمت، رئيس قسم الأبحاث الإيرانية في معهد دراسات الأمن القومي "الإسرائيلي"، اعترافه بأن إيران الجديدة قد تكون تعرضت لأضرار اقتصادية وعسكرية، إلا أنها أصبحت في المقابل أكثر جرأة وثقة بالنفس، مضيفاً أن "إسرائيل" والولايات المتحدة تواجهان اليوم إيران مختلفة عن تلك التي دخلت الحرب.
ويكشف التقرير أن ما حدث يناقض بصورة مباشرة الرواية التي روّج لها ترامب، والذي تحدث عقب الحرب عن أن الضربات العسكرية فتحت الباب أمام تغيير النظام، أو على الأقل إضعاف التيار المحافظ داخل الجمهورية الإسلامية.
وأكدت "واشنطن بوست" أن النتائج جاءت معاكسة تماماً، فالعدوان مصحوباً بالتهديدات الأمريكية التي وصلت حد الحديث عن القضاء على الحضارة الإيرانية، أدى إلى تعزيز الخطاب الثوري والصمود الإيراني الرسمي والشعبي، أمام معركة وجودية مع الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما منح القيادة الجديدة زخماً سياسياً وشعبياً مضاعفاً.
وترى الصحيفة الأمريكية أن القيادة الإيرانية الحالية استفادت أيضاً من دروس التجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان، إذ تابعت عن كثب الحروب الطويلة التي انتهت دون أن تحقق واشنطن أهدافها الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس على طريقة إدارة طهران للمواجهة الأخيرة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.
وبحسب التقرير، فإن هذا الجيل لا ينظر إلى الولايات المتحدة من زاوية أزمة الرهائن عام 1979 كما كان يفعل الجيل الأول للثورة، وإنما ينظر إليها باعتبارها قوة يمكن استنزافها وإجبارها على تقديم التنازلات إذا أحسن استخدام أوراق الضغط الاستراتيجية، مشيراً إلى أن مضيق هرمز عاد ليحتل موقعاً محورياً في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية، بعدما أثبت خلال الحرب الأخيرة أنه يمثل واحدة من أهم أدوات الضغط الاقتصادي في العالم.
وأوضح التقرير أن إيران نجحت في تحويل هذه الورقة إلى عنصر تفاوضي مؤثر، وأن استعدادها لاستخدام القوة العسكرية رداً على أي عدوان، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار الأولي ساعدها، على انتزاع تنازلات اقتصادية مهمة من الولايات المتحدة، وأتاح لطهران الخروج من الحرب منتصرة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوروبي مطلع على الاتصالات مع طهران قوله إن "المسؤولين الإيرانيين يفيضون ثقة بأنفسهم، فهم لا يعتقدون أنهم نجوا من الحرب فحسب، بل يرون أنهم أعادوا اكتشاف مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط قادرة على فرض شروطهم في أي مواجهة مقبلة".
يأتي هذا التقييم الأمريكي في وقت تشهد فيه إيران تشييعاً تاريخياً للمرشد الأعلى، الشهيد علي الخامنئي، بدأ منذ أمس الأول، ويستمر ستة أيام، بمشاركة ملايين الإيرانيين ووفود رسمية وشعبية من أكثر من مئة دولة، في مراسم تنطلق من طهران وتمتد عبر عدة محطات داخل إيران والعراق، وصولاً إلى مدينة مشهد، حيث سيوارى الشهيد الثرى في جوار مرقد الإمام الرضا عليه السلام.
وتتزامن هذه المراسم مع معلومات كشفتها وكالة "تسنيم" الإيرانية عن حملة دبلوماسية أمريكية واسعة هدفت إلى ثني عدد من الدول عن المشاركة في التشييع، في خطوة تعكس، بحسب مراقبين، إدراك واشنطن للرمزية السياسية الكبيرة التي يحملها هذا الحدث، وما قد يتركه من أثر على صورة إيران الإقليمية والدولية.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا