لا يمكن للقصف الجوي وحده أن يكسب الحرب.. خطأ أمريكا الكبير في إيران
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا
ستيفن أ. كوك برين تانيل - مجلة «ذا أتلانتيك»
ترجمة خاصة: غيداء الصغير / لا ميديا -
استندت الولايات المتحدة و«إسرائيل» في حربهما على إيران في فبراير الماضي، على خطة بسيطة: قصف إيران حتى ينتفض الشعب الإيراني ويطيح بالحكومة، أو حتى تستسلم الحكومة القائمة للمطالب الأمريكية. وسرعان ما اتضح أن كلا الأمرين لن يحدث. لم يثر الشعب الإيراني على «مضطهديه».
بل لجأت الحكومة الإيرانية إلى الدفاع عن نفسها، وأغلقت المضيق، وراهنت على أن الولايات المتحدة لن تكون مستعدة لغزو إيران أو ضرب بنيتها التحتية الحيوية.
لذا يبدو أن المخططين الأمريكيين ارتكبوا خطأً واضحا وشائعا: فقد افترضوا أنه يمكن كسب الحرب عن طريق القصف الجوي وحده.
ابتداءً من أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة، تبنى المنظرون العسكريون في الولايات المتحدة وإيطاليا والمملكة المتحدة فكرة أن القوة الجوية تقلل أو تلغي الحاجة إلى الجيوش والقوات البحرية. وكانت فرضيتهم الأساسية أن الحروب يمكن كسبها بشكل شبه حصري باستخدام القاذفات وحملات القصف.
جادل الجنرال الإيطالي جوليو دوهيه في كتابه «السيطرة على الجو» الصادر عام 1921، بأن الدولة التي تستحوذ على التفوق الجوي أولاً ستتمكن من قصف مدن أعدائها حتى تحرقها، مما يجبرهم على الاستسلام. أما المارشال هيو ترينشارد، الملقب بأبي سلاح الجو الملكي البريطاني، والذي كان رائداً في نظرية القصف الاستراتيجي خلال الحرب العالمية الأولى، فقد اعتقد أن القوة الجوية قادرة على كسر إرادة العدو في القتال بدلاً من مجرد توفير دعم تكتيكي للقوات البرية. في حين اعتقد الجنرال الأمريكي كورتيس ليماي، المؤيد المتحمس للقصف الاستراتيجي، أن القوة المركزة الساحقة هي أفضل وسيلة لكسب الحرب. وقد فضّل استخدام الأسلحة الحارقة ضد المراكز الحضرية، والضربات الفورية المدمرة بدلاً من التصعيد التدريجي.
عندما طُبقت هذه النظريات حول الحرب الشاملة عبر القصف في الحرب العالمية الثانية وما بعدها، فشلت فشلاً ذريعاً. لم يُجبر القصف الألماني على لندن الشعب البريطاني على الاستسلام. ولم يُكسر قصف الحلفاء لألمانيا إرادة النازيين في القتال؛ بل كان انهيار ألمانيا في النهاية مرتبطاً بشكل أكبر بالخوف (المبرر) من الوقوع في أسر الجيش الأحمر، وفرصة الاستسلام للأمريكيين.
في حالة اليابان، أدى الجمع بين الحصار البحري وقصف المدن بالقنابل الحارقة إلى ترك ملايين اليابانيين معرضين للموت إذا استمرت الحرب حتى عام 1946. ومع ذلك، لم تسع اليابان إلى استسلام غير مشروط تقريبا إلا بعد القصف الذري لهيروشيما وناغازاكي، بالإضافة إلى الغزو السوفيتي لمنشوريا.
فشلت عمليات القصف الاستراتيجي في فيتنام أيضًا. ففي تلك الحرب، ألقت الولايات المتحدة ما يقارب 7.6 مليون طن من القنابل، مقارنة بنحو 2.7 مليون طن ألقتها القوات الأمريكية في مسارح العمليات الأوروبية والمحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية. لم تكن «قصفات عيد الميلاد» عام 1972 كافية لإقناع فيتنام الشمالية بتقديم شروط مواتية؛ بل كانت اتفاقيات باريس للسلام عام 1973 نتيجةً لإرهاق الولايات المتحدة من الحرب. وقد مهدت هذه الاتفاقيات الطريق أمام فيتنام الشمالية لغزو الجنوب في الفترة 1974-1975.
أدى ظهور القصف الدقيق واسع النطاق «الحقيقي» في التسعينيات إلى استنتاج بعض المحللين أن قواعد الحرب قد تغيرت، وأن القوة الجوية وحدها أصبحت كافية أخيرا. لكن الأمثلة المزعومة للنصر من خلال القصف الجوي ليست كما تبدو. فقد انتهت حرب الخليج الأولى فقط بعد أن دخلت القوات الأمريكية الكويت في هجوم استمر 100 ساعة. في صربيا عام 1999، استند استسلام سلوبودان ميلوسيفيتش لمطالب حلف الناتو الموحد إلى مخاوف على بقاء النظام والتهديد الحقيقي بغزو بري. ونجحت الحملة الجوية في أفغانستان لأن الولايات المتحدة كان لديها حلفاء على الأرض مستعدون للقتال من أجل الأراضي والاستيلاء عليها والحفاظ عليها، وذلك في إطار التحالف الشمالي. وفي كلتا الحالتين، كانت هناك قوات على الأرض، أو تهديد حقيقي بوجودها.
وحذرت دراسة أجرتها مؤسسة راند عام 1996 حول قدرات وحدود التأثيرات النفسية للعمليات الجوية الأمريكية، القادة من أن القوة الجوية وحدها من غير المرجح أن تجبر العدو على تقديم شروط مواتية، ما لم تكن هناك عوامل أخرى مؤثرة. وتشمل هذه التأثيرات الخارجية اعتقاد العدو بأنه سيُهزم في ساحة المعركة، وأن استمرار القتال لن يُحسّن موقفه، وأن الضرر الناجم عن الهجمات الجوية سيكون على الأرجح أسوأ من التنازلات، وأنه لن يكون هناك أمل في شن دفاع أو هجوم مضاد فعال.
كانت خطة الولايات المتحدة لمهاجمة إيران محكومة بالفشل منذ البداية، لأنها اعتمدت على القوة الجوية دون الاستفادة من العوامل الخارجية التي كانت ستضمن نجاح حملة جوية. لم يكن هناك تهديد حقيقي بغزو بري واسع النطاق للإطاحة بالنظام الإيراني. كان الخيار إما ثورة داخلية أو لا شيء. كما أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لإلحاق خسائر بشرية ومعاناة جماعية قد تدفع إيران إلى اعتبار الاستسلام أقل ضررًا من المقاومة المستمرة. تجنبت الإدارة الأمريكية عمومًا استهداف البنية التحتية الحيوية، مثل محطات المياه والكهرباء وخطوط الاتصالات البرية (الجسور والسكك الحديدية). ولم تكن مستعدة للجوء إلى إجراءات جذرية، مثل تفجير سلاح نووي كهرومغناطيسي نبضي لتعطيل معظم البنية التحتية الإيرانية بشكل دائم.
على عكس صربيا أو أفغانستان، كانت إيران قادرة على الرد وإلحاق خسائر فادحة بالولايات المتحدة. أدركت إيران تمامًا، منذ البداية، أن نتيجة الحرب ستتحدد بمن يستطيع الصمود أمام إغلاق مضيق هرمز. لطالما امتلك النظام نظرية نصر مقنعة، وسعى لتحقيقها منطقيًا وبشكل متسق طوال فترة النزاع.
أمضى كبار القادة العسكريين الأمريكيين عقودًا في دراسة الحرب من جميع جوانبها، ولا بد أنهم أدركوا احتمالية نشوب صراع إقليمي طويل الأمد. يُقال إن الجنرال دان كين حذر إدارة ترامب من مهاجمة إيران. لكن الرئيس ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث لم يُدركا ضرورة الحذر.
اكتسب هيغسيث خبرته على المستوى التكتيكي، كضابط مبتدئ في الميدان. ويبدو أنه يعتقد أن القوة التكنولوجية والقوة البدنية، بدلًا من الاستراتيجية المدروسة بعناية، هما ما يحسم الحروب. قد يرى نقيب في الجيش في الميدان أن إلقاء قذيفة تزن 2000 رطل على منزل حلٌّ مُكتفٍ بذاته لحماية قواته من النيران؛ بينما يُدرك ضابط برتبة لواء خطر خلق 100 عدو إضافي في الأسبوع التالي.
إن عواقب هذا المجهود الحربي الفاشل كارثية بكل المقاييس. استُنفدت مخزونات الذخائر الأمريكية، وتضررت سمعتها العسكرية بشدة، وتوترت علاقاتها الخارجية إلى حد الانهيار، بينما تتمتع القيادة الإيرانية بأفضل وضع استراتيجي لها على الإطلاق. إنها طريقة قاسية لإعادة استيعاب الدرس القديم القائل بأن القوة الجوية وحدها لا تكفي لكسب الحروب.










المصدر ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا