دمشق - خاص / لا ميديا -
تتجاوز زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وزيارة رئيس السلطة السورية أبو محمد الجولاني إلى أنقرة، بالتزامن مع انعقاد قمة حلف «الناتو»، ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موضوع العلاقات الثنائية، بين دمشق وكل من واشنطن وباريس وأنقرة، لتكون واحدة من المحطات الرئيسية التي تشهدها المنطقة، لرسم موازين القوى والقوة والخرائط الجيوسياسة للمنطقة، والمشاريع التي ترتسم للهيمنة عليها، ودور كل طرف فيها، والتي يتم رسمها على البارد والساخن.
هذه التحركات، لا تنفصل عما يجري في العدوان (الأمريكي - «الإسرائيلي») على إيران، وفي العدوان «الإسرائيلي» على لبنان، وفي القرار الأمريكي بتزويد تركيا بطائرات (F 35) والثمن المطلوب لهذه الخطوة.
زيارة ماكرون إلى دمشق، التي تعتبر مفتاح منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، لا تنفصل عن المحاولات الفرنسية الحثيثة لإبقاء موضع قدم لها في أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الجيوساسية، والتي كان لفرنسا تواجد فيها أيام العز الفرنسي، وفي وقت تتراجع فيه مكانة فرنسا الحالية كدولة عظمى، وتنسحب من معظم مناطق تواجدها في العالم، تارة بالقوة، وتارة بالسياسة والدبلوماسية، وخاصة في أفريقيا، وحتى في لبنان، الذي يطلقون عليه اسم «الأم الحنون».
مهمة ماكرون في دمشق ليست بالمهمة السهلة، مع تغير موازين القوى والقوة الإقليمية والدولية لغير صالحها، ومع تراجع دورها ومكانة دول عظمى موجودة حالياً، وبروز دول وقوى جديدة، ووقوف معظم الدول الفاعلة في الملف السوري، ضد أي دور فاعل لفرنسا في سورية، أكبر من حجمها وفاعليتها الحالية، وفي مقدمتها أمريكا، روسيا، الصين، تركيا، بريطانيا، والكيان الصهيوني.
ومع هذه التعقيدات والعراقيل أمام طموحات فرنسا، لا يبقى لها أكثر من دور معنوي، وتنفيذ بعض الأدوار اللوجستية التي تطلبها منها واشنطن، وباعتبارها لاتزال عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، ولها دور مهم في تاريخ المنطقة، وهذا يمنحها بعض التأثير في الملف السوري، وربما بعض العقود الثانوية في مجالات الغاز والنفط وإعادة الإعمار، لكنه بالتأكيد لن يكون دوراً رئيسياً فاعلاً.
أما سورية، التي لا تزال في غرفة الإنعاش، فمن مصلحتها تطوير علاقاتها مع كل دول المنطقة والعالم، خاصة وأن فرنسا لا يزال لها دور فاعل في الاتحاد الأوروبي، وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وتطمح لدور فاعل في سورية، وهذا يجعل تطوير العلاقات الثنائية مصلحة مشتركة وخاصة لدمشق.
أما تركيا، التي دعت الجولاني إلى أنقرة بالتزامن مع عقد قمة «الناتو» فيها، وترتيب لقاء له مع الرئيس ترامب، فهي تريد تأكيد دورها في سورية، وأنها أكثر الأطراف الإقليمية والدولية فاعلية في الملف السوري، وهي تريد تأكيد هذا الدور أكثر في وجه الكيان الصهيوني، منافسها الأول على سورية، وأيضاً أمام السعودية، المنافس الأول لها على زعامة العالم الإسلامي، وإدراك البلدين أن هذه الزعامة لا يمكن أن تكتمل لأحدهما بدون ضمان سورية إلى جانبه.
أما اختيار مناسبة قمة «الناتو» لدعوة الجولاني إلى أنقرة فهو تأكيد على تموضع سورية الجديد، في الحلف الأمريكي - الغربي، وبعيداً عن محور المقاومة، الذي كانت تتموضع فيه قبل التغيير الدراماتيكي الذي حدث فيها.
يبقى اللقاء الأكثر إثارة وجدلاً هو لقاء الجولاني وترامب، إذ تابع ترامب كعادته مواقفه التي تحرج الضيوف، وبدون الأخذ بأي اعتبار مواقفهم والتزاماتهم ومسؤولياتهم.
فقد أعاد ترامب التذكير بأنه هو وأردوغان من وضعا الجولاني في منصبه، قبل أن يشيد به بكلمات وتعبيرات قد تكون محرجة أكثر مما هي مريحة له.
لكن الموقف الأكثر فجاجة من ترامب كان حديثه المكرر بأنه أهدى الجولان للكيان الصهيوني، وبدون أن يرف له جفن لهذه الفجاجة التي تخالف كل القوانين الدولية والأممية، وحتى الأعراف السياسية والدبلوماسية.
كما كان لترامب موقف لافت، عندما تم سؤاله حول ما إذا كانت سورية ستدخل إلى لبنان لضرب حزب الله، بأنه سمع أقوالاً من الجولاني، لكنه لا يريد الإفصاح عنها.
الجولاني الذي يدرك أن حساسية الموقف وأرجحيته الطاغية لصالح ترامب، فضل الصمت على تصريحاته غير الدبلوماسية، لكنه رد عليه بعد اللقاء بأن كلام ترامب اعترافات باطلة، لأن الجولان حق للشعب السوري.
الحركة السياسية والدبلوماسية التي تجري من وإلى دمشق تؤكد أهمية موقعها الجيوسياسي، في رسم الخرائط التي تجري للمنطقة، وسط تشابكات معقدة ومتعارضة، من المواقف والمصالح والطموحات، بين الدول والقادة، وارتباط ما يجري بالصراعات الأخرى، وخاصة في الجبهة الإيرانية ومضيق هرمز، وفي أوكرانيا، وفي الصراع الأمريكي - الصيني على قيادة السياسات والاقتصاديات العالمية، وفي التواجد الروسي في سورية، وغاز شرق المتوسط، ومشاريع إعادة البناء في سورية ولبنان والعراق.
كما تبرز هنا، المطالب المقدمة للسلطات السورية، من واشنطن والدول الغربية، حول الوضع الداخلي في سورية، والتي تخص الديمقراطية والأقليات والمقاتلين الأجانب، والمهلة المعطاة لها لتنفيذها، وربط كل الوعود الأمريكية والغربية بتنفيذ هذه المطالب. 
ومع عدم وجود مصادر رسمية حول ما دار في اجتماع ترامب والجولاني، وفي كواليس قمة «الناتو»، فإن تقارير عديدة تحدثت عن ربط الوعود الأمريكية بإخراج سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بتنفيذ دمشق للمطلوب منها تنفيذه.
أما الكلام الذي سمعه ترامب من الجولاني ولم يفصح عنه، فقد ربطت تقارير عديدة بين صفقة طائرات (F 35) لتركيا، وحصول واشنطن على ضوء أخضر من أنقرة لدخول قوات سورية إلى لبنان، إذ كانت من أكثر الدول رفضاً لهذه الخطوة، عندما كشف عنها ترامب.
وسط هذه التشابكات، يبدو الموقف السوري في وضع معقد، وليس من السهل تمريره وتحقيق الموازنة الصعبة بين متطلبات الداخل والخارج، لكن موقع سورية الجيوسياسي، وحاجة دول المنطقة والدول الكبرى لها، يمكن أن يلعب دوراً في تقوية الموقف السوري، خاصة إذا ما أحسن استخدامه، ويتطلب بشكل خاص تقوية الجبهة الداخلية، واتخاذ المزيد من الإجراءات حول تكريس منطق الدولة، وتحقيق الأمن والأمان للشعب السوري.