عادل بشر / لا ميديا -
بعد سلسلة من التحذيرات بشن حرب جديدة وتوجيه ضربات قوية لإيران، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فجر أمس الأحد، تراجعه عن تنفيذها، زاعماً أن قراره يعود إلى طلبات من طهران ودول في المنطقة، شريطة التوصل سريعاً إلى اتفاق.
وجاء إعلان ترامب بعد اجتماع عقده، الجمعة الماضي، مع كبار مستشاريه في كامب ديفيد، في وقت كانت فيه المنطقة بأكملها تعيش على وقع توقعات بانفجار مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود إيران لتطال الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة العالمية.
ورغم محاولة الرئيس الأمريكي تصوير قراره على أنه «بادرة سلام» مرتبطة بإمكانية التوصل إلى اتفاق سريع، فإن الرد الإيراني جاء حاسماً، نافياً بصورة قاطعة الرواية الأمريكية، ومؤكداً أن طهران لم تطلب وقف أي هجوم، ولم توافق على إعادة فتح مضيق هرمز، وأن قواتها المسلحة في أعلى درجات الجاهزية لأي مواجهة.
وزعم ترامب أن الولايات المتحدة وافقت على تعليق الهجوم بعدما «طلبت إيران وعدد من دول الشرق الأوسط» التوقف عن تنفيذ الضربة، مدعياً أن هناك تفاهمات أولية تتضمن فتح مضيق هرمز وإنهاء ما وصفه بـ»التهديد النووي الإيراني». كما لوّح باستخدام قوة عسكرية «لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية» إذا فشلت المفاوضات.
غير أن هذه الرواية سرعان ما واجهت نفياً إيرانياً قاطعاً، إذ أكدت وكالة «مهر» الإيرانية أن حديث ترامب عن طلب طهران وقف إطلاق النار «ليس سوى كذبة جديدة»، بينما نقلت وكالة «فارس» عن مصادر قريبة من فريق التفاوض الإيراني، عدم وجود أي اتفاق بشأن مضيق هرمز، وأن جميع الأنباء المتداولة بهذا الشأن «عارية عن الصحة».
وقالت الوكالة، عبر قناتها على تطبيق تيليجرام، إن مطالب ترامب ترقى إلى مستوى «قائمة الأمنيات».
من جهته شدد مصدر عسكري إيراني للوكالة نفسها، على أن المضيق سيبقى مغلقاً ما دامت «الأعمال العدائية الأمريكية مستمرة»، مؤكداً أن أي سفينة لن تعبره دون التنسيق مع القوات البحرية التابعة للحرس الثوري، وأن أي محاولة لتجاوز التعليمات الإيرانية ستواجه برد فوري وحاسم. 
وفي السياق ذاته، اعتبر القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني، العميد مجيد ابن الرضا، تصريحات ترامب جزءاً من «حرب نفسية» تستهدف التأثير على الداخل الإيراني، مؤكداً أن طهران تنظر إلى كل تهديد باعتباره تهديداً حقيقياً، وستتعامل معه عبر رفع مستوى الجاهزية وتعزيز القدرات العسكرية والردعية، لا عبر تقديم تنازلات.
ويعكس هذا الرد الإيراني -وفقاً لمراقبين- ثقة متزايدة في قدرة طهران على إدارة الحرب الطويلة، بعدما دخلت المواجهة شهرها السادس دون أن تحقق أمريكا أو الكيان الصهيوني الأهداف التي أعلنوها في بداية العدوان، وفي مقدمتها إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية.

حسابات عسكرية واقتصادية
وبينما تشير معطيات متزايدة إلى أن قرار ترامب التراجع عن تنفيذ تهديداته ضد إيران، لم يكن نتاج اعتبارات دبلوماسية فقط، وإنما فرضته أيضاً حسابات عسكرية واقتصادية وسياسية. فقد كشفت تقارير أمريكية وإيرانية عن تراجع مخزون الصواريخ المستخدمة في أنظمة الدفاع الأمريكية، وهو ما جعل استمرار التصعيد يهدد القدرات العسكرية الأمريكية في أكثر من جبهة.
وبحسب موقع «مشرق» الإيراني، فإن نقص مخزون الصواريخ الدفاعية كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت ترامب إلى إعادة النظر في قرار تنفيذ الضربة، بعد ضغوط مارسها مسؤولون عسكريون ونائب الرئيس الأمريكي، جاي دي فانس، لإقناع ترامب بتأجيل الهجوم.
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» أن قائد القيادة الأمريكية في أوروبا، الجنرال أليكسوس غرينكوفيتش، أبلغ البنتاغون، في رسالة سرية، أن القوات الأمريكية لم تعد تمتلك مدمرات بحرية كافية لمواصلة حماية «إسرائيل» من الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأنه قد يضطر إلى إعطاء الأولوية للدفاع عن الأراضي الأمريكية إذا لم يتم تزويده بقطع بحرية إضافية.
وفي موازاة الضغوط العسكرية، أشارت الأخبار المتداولة، أمس، إلى أن التحركات الإقليمية لعبت دوراً مهماً في احتواء التصعيد.
في هذا الصدد أفادت شبكة «سي إن إن» الأمريكية بأن قطر وباكستان كثفتا اتصالاتهما خلال الساعات الأخيرة لمنع اندلاع مواجهة جديدة، فيما ذكرت تقارير أمريكية أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، اتصل بالرئيس الأمريكي طالباً منه خفض التوتر والتراجع عن توجيه ضربة لإيران، محذراً من التداعيات الكارثية التي قد تطال المنطقة بأسرها.
ولم تكن هذه المخاوف مبالغاً فيها، إذ حذرت طهران، عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي، من أن أي هجوم أمريكي أو «إسرائيلي» على منشآت الطاقة الإيرانية سيقابَل برد مباشر يستهدف حقول النفط في السعودية والإمارات، إضافة إلى منشآت الغاز في قطر والكيان الصهيوني، ما عزز مخاوف حلفاء أمريكا في المنطقة، ولاسيما في الخليج، من أن يؤدي الهجوم الأمريكي إلى توسع غير مسبوق للحرب.

 انتزاع زمام المبادرة
في خط موازٍ، ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» أن إيران نجحت تدريجياً في انتزاع زمام المبادرة وفرض إيقاع الحرب على واشنطن، من خلال توسيع ساحات المواجهة واستنزاف القدرات الأمريكية في الخليج والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة.
في مقابل ذلك، بدا التراجع الأمريكي مصدر خيبة واضحة داخل كيان الاحتلال، إذ تحدثت وسائل إعلام صهيونية عن شعور بالإحباط من قرار ترامب، معتبرة أن «تل أبيب» كانت تعول على الضربة الأمريكية لإنجاز ما عجزت عنه الحرب طوال الأشهر الماضية، وإنهاء القدرات النووية والعسكرية الإيرانية بصورة نهائية.
ويرى مراقبون أن إعلان ترامب تعليق الهجوم لا يعني انتهاء احتمالات التصعيد، بقدر ما يعكس اعترافاً غير مباشر بأن الحرب الشاملة لم تعد خياراً مضمون النتائج، وأن كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية أصبحت أعلى من المكاسب المتوقعة.

إيران تعلن عن تقدم في المفاوضات مع عُمان 
من جانبها أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، أمس، عن تحقيق تقدم في المفاوضات مع عُمان بشأن مضيق هرمز.
وقالت الخارجية الإيرانية: «مفاوضاتنا مع عُمان بشأن مضيق هرمز ليست جديدة، ونحن ملزمون بالتعاون للتوصل إلى آلية عبور للسفن»، مضيفةً: «لا يمكن أن يعود الوضع في مضيق هرمز كما كان قبل الحرب».