آخر الألحان وخاتمة النشيد .. محمد الأثوري لـ«لا»:من مفاتيح تكسيح الحديد إلى صناعة المزاهر
- تم النشر بواسطة عبدالجبار الصغير / لا ميديا
حوار - عبدالجبار الصغير / لا ميديا -
أثناء مروري في أحد أحياء حدة، لمحت محمد عبده الأثوري، المشهور بصناعة آلة العود الموسيقية منذ عقود. كان جالساً على رصيف ترابي ومفترشاُ قطعة كرتون وبين يديه آلة عود يقوم بترميمها بأدوات بسيطة، ولكن برفق وبدقة. بعد إصلاحها يرفعها أمام عينيه، يقلبها، يتأملها، يمسحها، ويربت عليها بحنو قبل وضعها في كيس.
اقتربت منه وطلبت منه دردشة أقرب إلى الحوار، للحديث عن خبرة عقود من العزف على آلة العود وتمكنه من إتقان صناعتها.
بداية الرحلة
كيف بدأت علاقتك بآلة العود وصناعته؟
كنت عاملاً في حديد البناء، ثم المقاولات الصغيرة، في العام 1985، عرّفني الفنان عبد الكريم الحميري على عبده الزغير العريقي الذي كان عائداً من القاهرة، حيث تعالج للغرغرينا وأزيل الإصبع الكبير من قدمه. فوقفت جانبه وتعلمت منه العزف على العود. أجدت العزف بسرعة فشجعني وأشاد بي. كان هناك مجموعة من الهواة الذين يعلمهم، فكلفني بتدريسهم العزف. كما كلفني أيضاً بتعليم الهواة ممن يريدون تعلم العزف في منازلهم. كان يعاملني كابنه. طلب مني البقاء معه كلما وجدت فراغاُ، لأنني كنت مستمراً في عمل المقاولات.
وهل كان الإقبال كبيراُ على تعلم العزف؟
نعم. كان إقبال الهواة على تعلم العزف كبيراً، وبصورة مستمرة.
وهل كان بينهم إناث؟
نعم. ولكن يتم تدريسهن في منازلهن.
ترميم وتجديد
اشتهرت بصناعة العيدان. هل تعلمتها عند عبده الزغير؟
عبده الزغير لم يكن يصنع آلات العود قبل مجيئي. كان يشتريها من الخارج ويبيعها في دكانه، إلى جانب تعليم العزف على العود، ويقوم بترميمات بسيطة للعيدان.
بالنسبة لي بعد أن تعلمت العزف تعلمت ترميم العود، وكنت أساعد عبده الزغير في ترميم العيدان عند فراغي من العمل؛ عملي في المقاولات، وأعمال التدريس التي كان يكلفني بها. وبعد فترة وصلت إلى مرحلة «تجديد العود»، أي إعادته إلى حالته الأصلية حتى وإن كان قد صار حطاماً، وكانت هذه هي البداية. هذا العمل حظي بإعجاب جميع الزبائن وازداد طلب «التجديد»، وواصلت عملية التجديد لمن يرغب بذلك وبسعر أعلى من الترميم.
في العام 1987، ذهب عبده الزغير مع جماعة «أصحاب الدعوة» لمدة عام كامل، وترك لي المحل تحت تصرفي. وهنا تركت أنا أعمال المقاولات لأخي وتفرغت لتشغيل المحل ومواصلة التدريس وتجديد العيدان. وكان العمل منتعشاً، فعدد الهاوين في ارتفاع مستمر. وكانت فكرة صناعة آلة العود قد بدأت تدور في رأسي.
صناعة أول عود
ومتى تحققت الفكرة عملياً؟
عندما عاد عبده الزغير بعد عام، طرحت عليه فكرة صناعة العيدان بدل انتظار وصولها من سورية، الذي يستغرق زمناً، إضافة إلى ازدياد عدد الهاوين. وكان متخوفاً من عدم توفر نوع الخشب والمواد الأخرى، فطمأنته أن الخشب ليس مشكلة ويمكن استخدام أي نوع من الخشب الموجود. أما المواد الأخرى: الطلاء، الغراء... إلخ فقد اكتشفنا ما هو أفضل وأحسن من القديم، وأكثر توافراً. فاقتنع وقررنا أن نُفَصّل أول عود بمقاسات العود الذي كنت أعزف عليه. ونجحت التجربة؛ تمكنا من صناعة عود مكتمل برنين حلو وبدون نشاز، وأفضل من العيدان المستوردة. واجهنا في البداية صعوبة في نحت مفاتيح العود، وطلبنا من أحد المشتغلين بنحت النرجيلة عملها فنحتها بشكل دقيق.
بعد عامين من العمل انشغلت أنا بتدريس خاص، وأغلق عبده الزغير المحل في وادي المدام، واستأجر بيتاً ينتج فيه العيدان ويرسلها لابنه الذي فتح محلاً في صنعاء أمام الجامعة القديمة لبيعها.
شهادة من فيصل علوي
وأنت ماذا فعلت؟
أنا في تلك السنة 1989، طلب مني مكتب الثقافة والإعلام في تعز الحضور للكشف على الآلات الموسيقية وآلات الطباعة ومكائن الخياطة التابعة له، ورفع تقرير بحالة هذه الآلات، وتكلفة إصلاحها. وقمت بإنجاز العمل وكنت دائماً أقوم بأعمال الصيانة والترميم لآلات الفرق الفنية والمعاهد الفنية.
وفي العام نفسه أيضا أبلغني أحمد الهدار، مدير مكتب الثقافة والإعلام بتعز، أن عبده عبد الكريم العبدلي يريد اللقاء بي، وعند لقائنا عرض عليّ أربعة عيدان تخص الفنان فيصل علوي، وطلب مني تقدير إصلاحها، فرفعت له التكلفة. وعندما استلمها فيصل علوي -عند عودته من المشاركة في مناسبة بالحديدة- أعجبه العمل فقال فيصل: «هذا العمل فن، والذي لا يعترف بالفن ليس فناناً». وأرسل بخمسة عيدان أخرى لإصلاحها.
النساء كن أهم زبائني
متى فتحت المحل في التحرير الأسفل؟
عام 1992، انتقل عبده الزغير إلى صنعاء واقترح عليّ أن أفتح محلاُ، وهو سيزودني ببعض الأدوات. فتحت المحل في التحرير الأسفل، وكان العمل بعد الوحدة أفضل بسبب زيادة عدد السياح، وإقبال الهواة على تعلم العزف.
وهل السياح يشترون آلات العود؟
نعم، العرب والأجانب، وخاصة النساء. ولهذا بدأت أنتج أحجاماً مختلفة من آلات العود، ولتسهيل الحصول عليها اتفقت مع أصحاب الاستيريوهات وأعطيت كل استيريو عدداً من الأعواد تحت التصرف. فكانت الاستيريوهات نقاط بيع.
واستمر العمل مزدهراً حتى بعد حرب 94 بسنة تقريباً، ثم بدأ يضعف بسبب قلة السياح وأداء حزب الإصلاح.
ركود ما بعد الوحدة
ممكن توضح عبارتك الأخيرة أكثر حول أسباب الضعف بعد حرب 94؟
- بعد الحرب قل عدد السياح، وهؤلاء -كما قلت لك- كانوا زبائن مهمين. والناحية الثانية أيضاً، الإقبال على تعلم العزف أصبح تقريباُ معدوماً، وانتشرت الأفكار المتزمتة لحزب الإصلاح بعد حرب 94، التي تنظر للفن والعود والغناء نظرة سلبية. لذلك أصيب سوق الأعواد بالركود.
تصدق أن بعضها كان صاحب الاستيريو يبيعها ويسكت ولا أعرف ببيعها إلا عندما يأتيني العود للترميم وعادنا ما تسلمت قيمته (يضحك)؟!
فتحت أيضاً محلاً في شارع جمال (خلف مطعم حضرموت) عام 1997، وفي العام 2007 انتقلت إلى محل بشارع خلفي في التحرير الأسفل. ومع بدء انتشار الفوضى عام 2011، أغلقت المحل ونقلت الأدوات إلى مخزن في الحوبان.
علاقة وثيقة ومتميزة
سمعت الفنان فؤاد الكبسي في برنامجه على قناة «الجمهورية» يشيد بمهارتك، وجودة آلات العود التي تصنعها. من هم الفنانون الذين تعاملت معهم؟
تعاملت مع كثير من الفنانين. ومنذ العام 1992 خاصة تعاملت مع أيوب طارش، فؤاد الكبسي، عبد الرحمن الأخفش، أحمد الحبيشي... وفنانين آخرين. لكن علاقتي مع الفنان فؤاد الكبسي كانت وثيقة ومتميزة. وكنت ألتقي به دائماً في مقيله أمام سوق الكميم كلما طلعت إلى صنعاء، وكذلك عندما يأتي هو إلى تعز.
أرمم الآلات الموسيقية لوزارة الثقافة
هل حاولت صناعة آلات أخرى؛ الكمان مثلاً؟
اهتمامي كان على صناعة آلة العود. كما أنني أجيد ترميم وصيانة كل الآلات الموسيقية الأخرى. وقد كنت أقوم بترميم وصيانة الآلات الموسيقية الخاصة بالمعاهد الفنية والفرق الفنية التابعة لوزارة الثقافة.
لا عمل يستحق فتح محل
لماذا لا تفتح محلاً وتريح نفسك من الشمس والغبار على الرصيف؟
وأين هو العمل الذي يستحق فتح محل؟! كل شهرين، وأحياناً ثلاثة شهور أو أكثر، أقوم بترميم عود واحد، بعضها يتم إرسالها من تعز. وخلال ساعة أو ساعتين بالكثير أنتهي من ترميمه، وأعيده بنفس اليوم، وبهذا أكون أيضاً قد تخلصت من عادات الزبائن الذين يتركون أشياءهم لفترة طويلة في المحل.
في علم الغيب
ومتى ستعود لصناعة آلة العود؟
شوف، من العام 2011، وأدوات العمل مركونة في مخزن بالحوبان، لا أدري ماذا بقي منها. انتظرت وشعرت بالسأم والملل. والآن يئست واقتنعت تماماً أن استئناف العمل بصناعة آلة العود غير ممكن؛ لأنه مافيش سوق، ومن خبرتي الطويلة أعرف أن سوق هذه المهنة مرتبط بالسياح، وإقبال الهواة على تعلم العزف، والثنتين ما هلهنش.
قرار أفضل
والآن، لو عدنا إلى اللحظة التي تركت فيها عمل المقاولات، كيف تراها الآن؟ هل كان ذلك قراراً أفضل بالنسبة لك؟
بالنسبة للجانب المادي في ذلك الوقت كان العمل الجديد أفضل بالنسبة لي، كما أنه أقرب إلى مزاجي وهوايتي، وازداد تحسناً بعد ذلك مع توسع وتنوع الأعمال التي مارستها ونشطت فيها، مثل تدريس العزف، صناعة العود، وهندسة الإلكترونيات، ترميم وصيانة الآلات...
المزهر والبلدوزر
بجانب سور أرضية فسيحة، وعلى رصيف ترابي في أحد أحياء حدة - صنعاء، يجلس رجل نحيل فوق قطعة كرتون. أمامه عود مفكك، وأصابعه تتحرك بين الخشب والغراء بخبرة أربعين سنة في المهنة. يتوقف رجلان بالقرب منه. يشير إليه أحدهما قائلاً لصديقه: «هذا هو الأثوري.. صانع العيدان الذي أشاد به الفنان فؤاد الكبسي في التلفزيون. كان له محل مشهور في تعز».
لا يرفع الرجل رأسه. يواصل عمله كأن العبارة لا تخصه.
في تعز، كان اسمه معروفاً، ولا يستطيع الإنسان المار أمام محله أن يقاوم رغبته في الوقوف لمشاهدة تشكيلة العيدان المعروضة فيه. تعلم العزف على يد عبده الزغير العريقي، ثم صار تلميذه الأقرب، يكلفه بمهام تدريس الهواة، ويوكل إليه إدارة المحل، قبل أن يصبح شريكاً له في الحلم. لم يكتفِ الأثوري بترميم الأعواد، بل أقنع معلمه بأن يصنعوها بأنفسهم بدلاً من انتظار المستورد. تردد المعلم في البدء، إذ كانت الفكرة جريئة، لكن التجربة نجحت، وأنتجت ورشتهما أعواداً اقتناها هواة ومحترفون في أنحاء البلاد.
فتح محلاً عام 1992، في التحرير الأسفل، فبعد الوحدة ازدهرت المهنة أكثر، إذ تزايد عدد السياح في المدينة، وازداد إقبال الهواة لتعلم العزف. صار ينتج أحجاماً مختلفة من العود، وابتكر طريقة لتسويقها؛ يوزع الأعواد على استيريوهات التسجيل لتُباع هناك.
لكن السوق بدأت تضيق بعد حرب 94، تراجع كل شيء؛ عدد السياح، وعدد الهواة، وازداد انتشار الأفكار الظلامية المتوجسة من الموسيقى باعتبارها رجساً لا فناً.
ورغم ذلك، ظل يفتح محلاً بعد آخر في تعز، حتى جاءت الفوضى، عام 2011، فأغلق آخر محلاته، ونقل أدواته إلى مخزن في الحوبان.
اليوم، يقول إنه قد ينتظر شهرين أو ثلاثة أشهر حتى يأتيه عود واحد يحتاج إلى ترميم. ينتهي من إصلاحه في ساعة أو ساعتين، ثم يعود إلى الانتظار. أما صناعة العود، التي أفنى فيها عمره، فقد اقتنع بأنها انتهت. «ما فيش لها سوق»، (يقولها بلا مرارة ظاهرة، وكأنه يردد حقيقة استقرت في نفسه منذ زمن). ومن خبرته الطويلة، صار يربط ازدهار هذه المهنة بأمرين غابا معاً: السياح، والهواة.
خلال رحلته، تعامل مع أسماء كبيرة، من فيصل علوي، إلى أيوب طارش، وفؤاد الكبسي، الذي ربطته به صداقة طويلة، وكان يحرص على لقائه كلما جمعتهما صنعاء أو تعز. كما يحتفظ بشهادات من مؤسسات عهدت إليه بصيانة وترميم آلاتها الموسيقية. لكن تلك الأوراق تبدو اليوم أقل قيمة من عود ينتظر من يصلحه.
منذ أربعة عشر عاماً، يعيش في كوخ صنعه من صفائح الزنك، وبقايا الأخشاب والبلاستيك. هناك كان يحتفظ بأكياس فيها ما بقي من أدواته وقطع الخشب الصغيرة التي تمثل رأس ما له الأخير. قبل نحو ثلاثة أسابيع، أزالت البلدية الكوخ، وألقت بمحتوياته في العراء. رأيته واقفاً بين الحطام، يقلب ويفتش في الأكياس عن بقايا مهنة أمضى عمره كله وهو يحاول أن يحافظ عليها.










المصدر عبدالجبار الصغير / لا ميديا