ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1932)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
طمأنينة تحت القصف.. وهلع خلف الرادارات
علي عطروس
في مشهد لا تستوعبه كتب الأكاديميات العسكرية، تقـف العواصم على طرفي نقيض من واقعها المادي. هناك في مدن الزجاج والنيون، حيث تُرصّ أحدث منظومات «باتريـوت» و«ثاد»، تشتعل صافرات الإنذار، وتُعقد غرف الطوارئ، في حالة هلع هستيري، كلما ارتفع في سمائها صاروخ يمني. وهنا، في صنعاء المحاصرة، يرتشف اليمني قهوته بطمأنينة مستفزة، يتابع الشاشات ببرود تام وكأنه يشاهد مباراة «فريق احتياط» موقناً أن التشكيلة الأساسية لم تزل في غرف الملابس!
هذا التباين المرعب بين فزع المُعتدي المدجج، وسَكينة المُعتدى عليه، ليس مجرد فرق نفسي؛ إنه تجسيد حيّ لـ«جبهة وعي» أسقطت ترسانات الحرب النفسية وأباطيل الإعلام المأجور. لقد تحول الصمود اليمني إلى استعراض هادئ لقوة لا تهتز، تستمد سيادتها من الأرض لا من مظلات حماية أمريكية مخرّمة عجزت عن حماية نفسها في عرض البحرين الغربي والشرقي على حد سواء.
هذا هو العدد (219): رحلة في جغرافيا النار وبورصة النفط وكوميديا الاستوديوهات وكواليس انهيار عصر الوكلاء.
خرائط الأوتوكيو.. «خراطو» الكو تو موتو
على قانون جوزيف جوبلز النازي («إذا كذبت كذبة كبيرة وكررتها فسيصدقها الناس»)، تدير قنوات البترودولار كـ«الجزيرة» و«العربية» غرف الـ(VAR) الإعلامية. هناك تتحرك الجبهات من مأرب إلى صنعاء في نشرة واحدة، وتختفي مدن بأكملها (كتعز وإب) من الخريطة بجرة قلم من محرر «مُدرهم»، وتُعاد صياغة الهزائم الكبرى على أنها «تحولات استراتيجية».
هكذا، وحيـــــن تفشل دفاعـــات «السيليكون» الأمريكية، لا يجد التحالف ملاذاً لستر عورته الميدانية سوى الهروب إلى استوديوهاته المكيفة. هناك، في غرف الـ(VAR) النفطية، تدير شاشات «الجزيرة» و«العربية» معارك بهلوانية، تُستبدل فيها الذخيرة الحية بالوهم.
في سيرك الإعلام البترودولاري:
· تندفع جبهة مأرب بخفة نحو صنعاء على الشاشات، بينما تضيع تعز وإب من الخارطة بجرة قلم من محرر يقبض ثمن تزييفه بالدولار.
· يطل أحد الخونة الصغار بكذبة جديدة، ويمارس موفد «العربية» الجديد كذبة «النازحين» المكررة.
· تسارع وحدة «المصادر المفتوحة» في «الجزيرة» لغزل مسرحيات التشكيك في تقدم قوات صنعاء شرقي المخا.
المشكلة في الإعلام الذي يفقد مهنيته ليست أنه يكذب فقط، بل أنه يبدأ بتصميم الواقع الذي يريد من الجمهور أن يراه. خبر صغير يصبح عنواناً رئيسياً، مقطع قديم يصبح دليلاً جديداً، رواية طرف واحد تصبح «حقيقة»، وميدان كامل يمكن أن يُختصر في شريط إخباري... هنا لا يعود الصحفي ناقلاً للحدث، بل يصبح طرفاً في المعركة. وهذا ما يجعل المعركة الإعلامية موازية للمعركة العسكرية: الصاروخ يضرب موقعاً، والخبر يضرب وعياً. والفارق أن الصاروخ يمكن تحديد مساره، أما الكذبة فقد تعبر الحدود بلا جمارك.
هم يكتبون الجغرافيا على الشاشة، والميدان يكتبها بالدم. وحين تعجز الرواية الإعلامية عن تفسير التطورات الميدانية تبدأ عملية إعادة إنتاج الواقع.
تُضخّم التعزيزات، يعاد تدوير المقاطع، تُستدعى الخرائط، وتُمنح المعارك أسماء أكبر من حجمها... لكن الجغرافيا الحقيقية لا تحتاج إلى مذيع. الموقع إما تحت السيطرة وإما ليس تحت السيطرة. الطريق مفتوح أو مقطوع. الجبهة تتقدم أو تتراجع... أما الخرائط المصنوعة في غرف الأخبار فوظيفتها الأساسية ليست إخبار المشاهد بما حدث، بل إقناعه بما يجب أن يعتقد أنه حدث. في الاستوديو، يمكن احتلال صنعاء خلال خمس دقائق. في غرفة الأخبار، الجغرافيا مرنة؛ يمكن أن تنتقل الجبهة من مأرب إلى صنعاء أسرع مما تنتقل سيارة إسعاف على طريق ميداني؛ يمكن أن تُستعاد مدينة لم تدخلها القوات أصلاً، وأن يتحول موقع صغير إلى «تحول استراتيجي»، وأن تصبح صورة رتل عسكري دليلاً على انتصار لم يبدأ بعد... إنها جغرافيا الـ(VAR): لا تحتاج إلى السيطرة على الأرض؛ يكفي أن تسيطر على الشاشة. وفي هذه الجغرافيا الجديدة يمكن للمدن أن تختفي من الخريطة، ويمكن للجبال أن تتحرك، ويمكن للمعركة أن تُربح في غرفة المونتاج قبل أن تصل إلى الميدان... لكن هناك مشكلة صغيرة: الأرض لا تشاهد التلفزيون.
النفط كسلاح
لم تكن الرسالة بقصف منشآت أرامكو في جيزان وأبها ونجران موجّهة للسعودية وحدها، بل كانت هناك نسخة نفطية من العقاب الجماعي: السعودية تدفع ثمن استهداف اليمن، وأوروبا تدفع ثمن رضاها عن ذلك، وأمريكا تدفع ثمن إدارتها للصراع، والعالم كله يساهم في فاتورة الاعتداء عند محطة الوقود.
فمع وصول سعر برميل النفط إلى عتبة المئة دولار، تحول كل صاروخ يُطلق في العمق السعودي إلى أزمة طاقة عالمية. وقد تستطيع القوى الكبرى اعتراض صاروخ أو اثنين، لكنها لا تستطيع اعتراض سعر البرميل. هذا النوع من العقاب لا يحتاج إلى احتلال عاصمة؛ يكفي أن يرتفع النفط بضعة دولارات فتتحول الحرب على اليمن إلى فاتورة عالمية.
وهنا يبرز السيناريو الأكثر تعقيداً: الاختناق المزدوج؛ فمع اضطراب مضيق هرمز، حاولت الرياض الالتفاف عبر خط أنابيب «شرق-غرب» إلى ميناء ينبُع على البحر الأحمر؛ لكن هذا المسار البديل بات هو نفسه تحت التهديد؛ إذ تجد الصادرات المتجهة إلى آسيا نفسها مضطرة للمرور عبر باب المندب، حيث السيطرة النارية اليمنية... وهكذا، كل محاولة للهروب من نقطة اختناق تقود حتماً إلى نقطة اختناق أخرى. وكما يحلل الخبراء، «قد تهرب من هرمز لتجد نفسك أمام باب المندب، وعندها لا يعود هناك بديل عن البديل».
النتيجة: انخفاض الصادرات السعودية عبر ينبُع من 3.7 مليون برميل يومياً إلى 2.25 مليون، مع توقف شبه كامل للطرق المتجهة نحو الأسواق الآسيوية. إنها معادلة «الحصار بالحصار»، التي نجحت في عكس الأدوار: العاصمة المحاصرة أصبحت هي التي تخنق عواصم النفط.
أترتدون الجنابي بعد أن خلعتم «البوكسرات»!
مع تبخر المرتزق المحلي تحت وطأة الضربات الباليستية، لجأ الممول الخليجي إلى استيراد «نفايات مسلحة» من سورية، متمثلة بمرتزقة «هيئة تحرير الشام» (الجولاني) وإخوان الشام. ولإكمال المهزلة المسرحية، حاول المخرج الإقليمي إلباس هؤلاء الغزاة الزي الشعبي اليمني وتطويق خصورهم بالجنابي، في محاكاة رخيصة لـ«يمننة» الارتزاق وستر عورة الانكسار الميداني.
إن الجنبية في العُرف والرمزية اليمنية ليست مجرد زينة أو قطعة سلاح، بل هي وثيقة شرف ورمز سيادي لا يقبل التزييف. وحين تُوضع على خصر مرتزق مستورد، فإنها لا تمنحه تمويهاً محلياً، بل تفضحه كمحاولة يائسة للتغطية على سقوط الرهانات الإقليمية.
المفارقة في كون هؤلاء «المجاهدين» للإيجار تركوا أراضيهم المحتلة على بعد عشرات الأمتار فقط في جبل الشيخ ليعبروا البحار استجابة للنفير الخليجي؛ إذ قفزوا بمظلات العهر من فوق أراضيهم السورية التي تجول فيها رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، برفقة وزير دفاعه، يسرائيل كاتس، ونائب رئيس أركانه، متبجحاً بفرض السيطرة المطلقة من قمة جبل الشيخ حتى نهر اليرموك والبحر المتوسط، ومراقباً القصر الجمهوري في دمشق بأريحية تامة.
وفي الوقت الذي يهرب فيه هؤلاء من مواجهة الاحتلال على تخوم دمشق، يُساقون لقتال القوة العربية الوحيدة التي تجرأت على قصف «تل أبيب» ومطاردة حاملات الطائرات الأمريكية في البحر الأحمر وفرض معادلة الكرامة على البحرين الأحمر والعربي.
وتكتمل صورة السقوط والعبث السياسي بظهور تناقض فاضح أعلنت عنه وسائل الإعلام الرسمية في سورية؛ إذ جرى التباهي برصد واعتراض صواريخ إيرانية فوق محافظة السويداء كانت متجهة لدك قواعد أمريكية في الأردن (مثل قاعدة الأزرق).
وهنا يفرض السؤال الاستراتيجي نفسه: إذا كانت تلك التشكيلات والسلطات تمتلك منظومات دفاع جوي قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية وتأمين القواعد الأمريكية، فلماذا لم تُستخدم هذه الدفاعات للتصدي لسلاح الجو الصهيوني الذي يدك البنى التحتية كمطار «أبو الظهور»، ويستبيح درعا والقنيطرة والجولان وجبل الشيخ يومياً دون أدنى رد ميداني؟!
إن هذا السلوك يضع المشهد أمام تفسيرين لا ثالث لهما: إما ادعاء كاذب للتصدي بغية كسب ثقة ترامب ونتنياهو، وإما ارتهان صريح وتواطؤ لتنفيذ أوامر واشنطن؛ بحيث تصبح حماية القواعد الأمريكية في الأردن أولوية تعلو على حماية الأرض والسيادة والمدن السورية.
ليقف المرتزقة وأربابهم اليوم أمام حقيقة لا يمكن القفز عليها؛ فعندما تتعالى أصوات المعتدين ضد اليمن باسم «السيادة» و»رفض الاحتلال»، فإن السؤال البسيط والمباشر هو: إذا كانت السيادة مبدأً لا يتجزأ، فمن يسيطر على الجولان وجبل الشيخ والجنوب السوري على بعد مرمى حجر من دمشق؟! هل جاء اليمني من صنعاء ليحتلها، أم أن الاحتلال الصهيوني هو من يفرض شروطه بالقوة هناك؟!
لقد أثبتت التحولات أن استيراد المرتزقة وتغطيتهم بالرموز اليمنية الأصيلة لن يغير في واقع الحسم؛ فالجنبية تبقى رمز عزٍّ للحرب والسيادة، وليست ستراً لعورة من خلعوا سراويلهم أمام الصهاينة ليقايضوا بها في أسواق الارتزاق الإقليمي.
فناجين الساحل الغربي: بُن المخا المُرّ وقهوة باب المندب الساخنة
* الرمزية التاريخية والمنطلق الاستراتيجي: من «قهوة المخا» إلى «فناجين المرارة»
تكتسب معركة الساحل الغربي حمولتها التاريخية والجيوسياسية من رمزيّتين متقاطعتين: الميناء العريق الذي أهدى العالم قديماً قهوة «المخا» الشهيرة عبر شركة الهند الشرقية الهولندية، يصبّ اليوم للخصوم والأدعياء (الأصيل والوكيل والكفيل) فناجين مرارة استراتيجية صاغت معادلات جديدة خنقت صادرات ينبُع، وسكبت النفط في خانة التعطيل الشامل.
المخا ليست مجرد مدينة ساحلية. وباب المندب ليس مجرد مضيق مرسوم على الخريطة. وحين تحركت المعارك غرباً، ارتبط السؤال العسكري بالسؤال البحري مباشرة وفق «معادلة ثلاثية الطبقات»: الجبل يحمي الساحل، والساحل يحمي المضيق، والمضيق يؤثر في التجارة الدولية. ولهذا فإن القتال في الوازعية والكدحة وغرب تعز وجنوب الحديدة لم يكن تبادلاً لخطوط تماس محليّة، بل جزءاً من صراع حيوي على الجغرافيا التي تفتح أو تغلق المجال أمام البحر الأحمر.
وتتصل هذه المواجهة بجذور الهوية الوطنية والتاريخ؛ فاسم «اليمن» لغوياً وتاريخياً يدل على الجهة والجنوب («ذا يمنت» في مقابل الشام «ذا شامت»). كما تعيد هذه السيطرة الذاكرة الاستراتيجية إلى عهد الإمام يحيى، الذي أدرك محورية الساحل الغربي لتأسيس الدولة الوطنية وواجه الأطماع الخارجية والغطاء الناري البريطاني آنذاك.
في المقابل، تتهاوى اليوم الوصية المتوارثة لمؤسس المملكة السعودية، عبد العزيز بن سعود، لأبنائه، بأن «رخاء السعودية مرتبط ببؤس اليمن»، إذ ينقلب السحر على الساحر، ويدفع الخصوم ثمن التاريخ علقماً مُرّاً، بعد أن أصبح شريان طاقاتهم وموانئهم تحت الرحمة المباشرة لليمنيين.
* التفكيك الميداني والتكتيكي: «حرب البرق»، العمليات السيبرانية وسقوط الهياكل الدفاعية
شهدت الساحة الميدانية خلال 24 إلى 48 ساعة فقط تحولاً كاسحاً أدى إلى تحرير مساحات شاسعة تراوحت بين 2600 إلى أكثر من 4000 كيلومتر مربع في عملية خاطفة:
* تفكيك وانهيار الجيوش الخمسة:
تلقت قوات التحالف هزيمة مدوية شملت سحق وتفكيك خمسة تشكيلات مسلحة كبرى، وهي: «حراس الجمهورية» («المقاومة الوطنية» لطارق صالح)، «ألوية العمالقة» السلفية، «درع الوطن»، «المقاومة التهامية»، وتشكيلات حزب «الإصلاح» في مقبنة والكدحة وغرب تعز. وتهاوت هذه التشكيلات رغم الدعم المالي الهائل والغطاء الجوي المكثف الذي تجاوز 54 غارة في 12 ساعة وأكثر من 300 غارة في مجمل المحاور، عبر طائرات (F-15SA) و(Typhoon) المنطلقة من قاعدتي الملك خالد والملك فهد، والتي عجزت عن تغيير معادلة السيطرة البرية أمام القوات المتقدمة. كما أعلنت صنعاء تقليص هامش الحركة الجوية بإسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز «كاريال» فوق أجواء حجة.
* أول ظهور للتكتيك المعقد والحروب السيبرانية:
اعتمدت قوات صنعاء عقيدة عسكرية هجينة جمعت بين «حرب البرق» (Blitzkrieg) ومناورات الالتفاف (Maneuver Warfare)، مع سجل الدخول الأول لوحدات الحرب السيبرانية. تمكنت هذه الوحدات من اختراق أجهزة الاتصالات اللاسلكية والتحكم التابعة لقوات طارق صالح والسيطرة عليها كلياً، وتحديد موقع القيادة العامة وقائد الجبهة العام (اللواء مقصع)، وتحديد الأهداف، ثم إطفاء شبكات الاتصال. هذا التكتيك أحدث حالة من الذعر والتخبط أدت إلى فرار القيادات وانسحاب طارق صالح ونقل مركزه إلى مديرية ذوباب.
* إسقاط شبكة المعسكرات والقواعد الميدانية: سيطرت قوات صنعاء على المنظومة الدفاعية واللوجستية بالكامل:
- مراكز القيادة والسيطرة: معسكر مطار المخا (مقر القيادة العامة والعمليات المشتركة)، معسكر عنبرة بالخوخة، معسكر المحجر شرق حيس، معسكر الهاملي والرويس، ومعسكر الشقيراء.
- القواعد اللوجستية والكبرى: معسكر خالد بن الوليد (أكبر قاعدة عسكرية جنوب الساحل)، معسكر جبل النار (أحد أكبر مخازن السلاح ومقر القيادة الميدانية)، ومعسكر العمري في ذوباب.
- القواعد البحرية والجزر: ميناء المخا، قاعدة يختل البحرية، رصيف الخوخة، والاستحواذ على زوارق حربية سريعة من فئة «دامن ستان» الألومنيوم وزوارق حماية (صنعاء وعدن). واستُخدمت هذه القطع البحرية في السيطرة المباشرة على جزيرة ميون (بريم) الحاكمة لمضيق باب المندب، وجزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى، وتنصيب شبكات رادار ومنصات صاروخية ترصد الملاحة وتتحكم بمداخل البحر الأحمر.
* المعادلة الجيو-اقتصادية: فخ «بترولاين».. خنق ينبع.. والوعاء التأميني
أحدث السقوط الميداني للساحل الغربي زلزالاً جيو-اقتصادياً طال شرايين الطاقة العالمية وركائز الاقتصاد السعودي:
- استهداف خط الأنابيب (شرق - غرب) وفخ ينبُع: عندما حاولت الرياض الالتفاف على مضيق هرمز المغلق، عبر تحويل تدفقات النفط إلى ميناء ينبُع، تلقت ضربات أكثر إيلاماً استهدفت خط أنبوب «بترولاين» جنوب شرق المدينة المنورة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية (Sentinel-3) وبيانات (NASA FIRMS) عمود دخان امتد 100كم وحريقاً هائلاً بقدرة إشعاعية تجاوزت 70 ميغاوات استمر أكثر من 8 ساعات. أدى ذلك إلى هبوط التدفقات النفطية عبر ينبُع من 3.7 مليون برميل يومياً إلى 2.25 مليون برميل، وتراجع إجمالي صادرات النفط الخام السعودية المتتبعة إلى 3 - 3.2 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى لها منذ 13 عاماً.
- تعطيل المنشآت والزلزال المالي: خرجت مصفاة جيزان (طاقتها 400 ألف برميل يومياً) عن الخدمة تماماً إثر ضربات «الثلاثاء». وارتفعت أسعار خامات النفط (برنت) لتتجاوز 100 إلى 107 دولارات للبرميل. وفي الولايات المتحدة، سجل متوسط أسعار البنزين والديزل أرقاماً قياسية تراوحت بين 4.14 و6 دولارات للجالون، ما حصر إدارة دونالد ترامب في مأزق تضخمي، وأسقط ورقة التخفيضات الاقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي.
- «الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب»: أمام رفض شركات التأمين الدولية تغطية السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية في البحر الأحمر، فرض محمد بن سلمان إلزام شركات التأمين المحلية بإنشاء «الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب للبضائع والسفن» بقيادة الشركة السعودية لإعادة التأمين (إعادة)، لتمويل التعويضات باهظة التكلفة محلياً، وسط تشكيك الخبراء في قدرة الصندوق على تحمل تدمير ناقلات النفط العملاقة.
* تشريح الرصد الدولي والصهيوني: صدمة السيليكون.. عجز المظلات.. وحكومة «الفنادق»
أبرزت تقارير الإعلام والدراسات الغربية والصهيونية تحليلاً مكثفاً لمكامن العجز والهيكل الجديد للصراع:
- التوصيف الغربي بـ«الكارثة الاستراتيجية»: وصفت صحيفة «الغارديان» ووكالة «فرانس برس» (AFP) سيطرة صنعاء على الساحل بـ«الكارثة الاستراتيجية» لواشنطن والرياض، لوضعها هرمز وباب المندب تحت سيطرة المحور. وتحدث المحلل ستيفن كوك في «فورين بوليسي» عن «يأس استراتيجي» أمريكي تجسد في طرح أفكار للاعتراف بـ«أرض الصومال»، واستخدام ميناء بربرة لمراقبة صنعاء، التي باتت تتحكم بـ15% من التجارة العالمية.
- القراءة الصهيونية وفشل الباتريوت: أكد تسفي برئيل في «هآرتس» أن اليمن انتقل رسمياً إلى «جبهة مستقلة» تفرض إغلاقاً وظيفياً للمضائق؛ في حين أوضح التشريع الفني أن صواريخ الباتريوت (PAC-3) تحولت إلى «ألعاب نارية باهظة الثمن»، تكبدت فيها الرياض وواشنطن خسائر بين 240 و500 مليون دولار كلفة اعتراضات فاشلة في ليلة واحدة أمام الصواريخ الدقيقة («بركان»، «ذو الفقار»، «كرار») والمسيّرات (صماد 3 و4)، بالتزامن مع استخدام صواريخ موجهة بـ«مستشعرات كهروبصرية» تُبطل الحرب الإلكترونية الأمريكية.
- العجز الاستخباري وتهاوي المحاور: شدد المحلل «الإسرائيلي» السابق بدائرة الاستخبارات العسكرية (أمان) داني سترينوفيتش على أن «القوة الجوية السعودية غير قادرة بمفردها على حسم المعركة ضد أنصار الله، وأن الأمل ليس استراتيجية». وكشف الصحفي الأمريكي زخاري كوهين عبر شبكة (CNN) عن وجود أكثر من 100 إلى 200 مستشار عسكري أمريكي على الأرض في السعودية لتقديم الدعم الاستخباري وتحديد الأهداف بواسطة الذكاء الاصطناعي (Project Maven) دون تحقيق نتائج ميدانية. كما تهاوت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» حين صمت الحلفاء (تركيا وباكستان) وامتنعوا عن الدعم البري.
- السيادة الرقمية وتفكيك حكومة «الفنادق»: أشار الباحث مايكل روبن في مرصد منتدى الشرق الأوسط بواشنطن إلى أن صنعاء تسيطر كلياً على أبراج الاتصالات ومزودي الإنترنت في كافة اليمن. ووصف «مجلس القيادة الرئاسي» بأنه مجرد «حكومة فنادق» يعيش قادتها في المنفى ويفضلون تقويض بعضهم بعضاً. واعتبر أن الخيار الأمريكي المتبقي هو دعم شبكة «ستارلينك» الفضائية، مؤكداً أن السلاح والأموال لن يغيرا في حقيقة السيطرة الميدانية والسيادية لصنعاء.
* السيادة الوطنية.. التفكيك الاجتماعي.. ورسالة الفوانيس
توازت الإنجازات العسكرية في الساحل مع مسار سياسي وتصالحي عكس عقلانية الخطاب الاستراتيجي لحكومة صنعاء:
- الخطاب التصالحي والعفو العام: أطلقت صنعاء العفو الرئاسي العام للمقاتلين المحليين باعتبارهم «مخدوعين» لا مرتكبي خيانة، وباشرت تطبيع الحياة العامة وافتتاح الطرق الرئيسية المغلقة منذ سنوات (مثل خط تعز - الحديدة، وخطوط البرح والمخا والوازعية)، ما فكك البيئة الاجتماعية للخصوم وأضعف جبهاتهم من الداخل.
- السيادة والأمان الملاحي المشروط: أكد رئيس المجلس السياسي الأعلى، مهدي المشاط، ورئيس الوفد الوطني المفاوض، محمد عبد السلام، أن حرية الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب آمنة ومستمرة لكافة الدول والسفن، وأن الحظر والتتبع ينحصر حصرياً وفي إطار دفاعي ضد السفن السعودية، حتى إنهاء العدوان ورفع الحصار عن اليمن.
- الخلاصة ورسالة الفوانيس: تفرض معطيات الميدان حقيقة أن «عصر الوكلاء» قد انتهى، وحل محله «عصر قواعد الاشتباك السيادية»، وأن رهان الرياض على الحماية الخارجية والمنظومات الفاشلة لن يحمي مدن الزجاج والكريستال من أن تتحول إلى مدن أشباح.
إن استمرار التصعيد والعدوان سيؤدي إلى ارتداد تاريخي مرعب لما قبل عصر النفط؛ إذ ستنطفئ أضواء النيون في عواصم النفط وتعود «الفوانيس» لتضيء عتمتها بعد تفحم المنشآت النفطية. وتظل الصورة الأبلغ للمشهد: عاصمة محاصرة (صنعاء) تحتسي قهوتها بطمأنينة واقتدار استراتيجي، بينما عواصم النفط والزجاج تعيش هلعاً وجودياً خلف رادارات عمياء لا ترى القادم من البحر والجو.
جغـــــــرافيـة النـــــــــار
في بازار التسلح الأمريكي تُقاس القوة بمليارات الدولارات المدفوعة سلفاً لوكلاء السلاح في واشنطن. لكن في مدرسة الجندية اليمنية يُعاد تعريف الفيزياء العسكرية: لم يعد الصاروخ مجرد مقذوف، بل منظومة استخباراتية متكاملة، تبدأ بطائرة «راصد» التي تنقل البث الحي لاجتماعات قيادات الارتزاق السعودية، وتنتهي بصاروخ «كرار» الذي يقتنص الهدف بـ»ملاقط باليستية» دقيقة، موثقاً لحظة الإزالة من الخريطة.
في معسكر الوديعة، لم تنفع المرتزقة حيل «البعثرة» وتفرقة الآليات لتجنب الضرر؛ فالرؤوس المتشظية لصواريخ «قاهر-1» (زنة 195كجم) كانت بالمرصاد مثبتة أن تقنيات التمويه لا تجدي نفعاً أمام دقة الرصد الاستخباراتي. وفي جبهات الوازعية والكدحة وسوق اليتمة لم تكن الانتصارات مجرد تفاصيل عسكرية عابرة، بل هندسة عملياتية لمعادلة «الحصار بالحصار»، تهدف إلى قطع شرايين الإمداد نحو المخا وإحكام الطوق على باب المندب.
في المقابل، تواصل واشنطن ضخ السلاح إلى الرياض بفاتورة جديدة: 5 مليارات دولار مقابل 10 آلاف قنبلة من عائلة (JDAM-ER) المزوّدة بأجنحة انزلاقية وأنظمة توجيه فضائي. لكن المفارقة أن السلاح «الذكي» لا يصبح ذكياً بشريحة إلكترونية؛ فالـ(JDAM) في يد العاجز عن قراءة الميدان لا تجيد سوى استعراض عضلاتها على أجساد الأسرى في إصلاحية الجوف، بينما الصاروخ اليمني الأقل ثمناً بآلاف المرات يمتلك «بصيرة» العقيدة وإرادة المقاتل.
أما مشهد الردع الأكثر بلاغة فكان في سماء السعودية ليلة الهجوم الكبير: عشرات الصواريخ الباليستية والمسيّرات تغرق منظومات الدفاع الجوي، بينما تُستهلك صواريخ «باتريوت» و»ثاد» بمعدل 2 إلى 4 صواريخ اعتراضية مقابل كل صاروخ مهاجم بكلفة تتراوح بين 240 إلى 500 مليون دولار في ليلة واحدة. إنها «بورصة الردع»، حيث تتحطم فواتير التسليح المليارية أمام إرادة التصنيع الوطني.
واشنطن تبحث عن موقف سيارات في هرجيسا
بحسب محللي «فورين بوليسي»، باتت الولايات المتحدة تبحث عن ميناء بديل في «أرض الصومال» (بربرة) لمحاولة مراقبة اليمن، بعد فقدان السيطرة على خليج عدن، في دليل جديد على أن البندقية اليمنية أجبرت الأساطيل على البحث عن ملاذات في القرن الأفريقي.
أسمعتم؟ واشنطن تبحث عن «مواقف سيارات» لسفنها المذعورة في ميناء بربرة بـ«هرجيسا»، بعد طردها من بحار العرب، كما بشّر بذلك ستيفن كوك في «فورين بوليسي». السيادة لا تُباع بالمزاد، ومَن عجز عن حماية «إيلات» لن تحميه أحراش الصومال.
معجنة الإقليم.. قطـــار الصواريــــخ المليــــاري
أن تطلق الدفاعات الأمريكية أكثر من 60 إلى 100 صاروخ «باتريوت» و«ثاد»، بكلفة تتجاوز نصف مليار دولار، في دقائق معدودة، للتصدي لـ«قطار الصواريخ» الإيراني الانشطاري، ثم تصل صواريخ «خيبر شكن» وتدك قواعدهم ومنصات الباتريوت نفسها؛ فتلك أسرع عملية إفلاس واستنزاف عسكري ودفاعي تشهدها القواعد الأمريكية في المنطقة.
فاتورة البرميل المستعصية
قد تستطيع واشنطن وحلفاؤها الاعتراض الميداني لصاروخ أو اثنين، لكن المعضلة الجيوسياسية التي تواجه الجميع اليوم هي عجز منظومات العالم كله عن اعتراض قفزة سعر برميل النفط فوق حاجز الـ100 دولار. فحين تُقصف منشآت التكرير في جيزان وأبها، يتحول العدوان على اليمن إلى فاتورة عالمية مرعبة يُسددها الأعراب والغرب عند كل محطة وقود.
سفاري الصهيونية وشريان الموساد
أن يفر الكيان الصهيوني من جحيم الطوق المائي في باب المندب ليطوف باحثاً عن «حزام أمني» في أدغال أوغندا وبوروندي والكاميرون، معناه أن البندقية اليمنية نجحت في تحويل «الجيش الذي لا يُقهر» إلى مجرد سائح مذعور يبحث عن ملجأ.
وعندما يتطوع ضابط «الموساد» الصهيوني إيدي كوهين ليزف للرياض بشرى طرق إمداد برية بديلة، فإن الطوق اليمني كشف أيضاً أن من يدّعي قيادة التحالف بات مجرد قاصر جيوسياسي يبحث عن شريان حياة في شرايين الاحتلال!










المصدر «لا» 21 السياسي