سقوط رهانات الكسر
- أحمد الضبيبي الجمعة , 10 يـولـيـو , 2026 الساعة 8:07:27 PM
- 0 تعليقات

أحمد الضبيبي / لا ميديا -
لم يكن تشييع الإمام القائد الشهيد السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه) مجرد مراسم وداع لقائد أممي تاريخي، بل عملية سياسية وعقائدية وعسكرية معقدة، أعادت رسم خرائط النفوذ، ورسخت معادلات الردع النفسي، وأعلنت أن غياب الرمز لا يعني سقوط المشروع ولا انكسار الدولة.
ففي عالم الصراعات الكبرى، لا تُقاس نتائج الحروب بما تخلّفه من دمار مادي، وإنما بما تتركه من آثار على تماسك الدول وقدرتها على إعادة إنتاج القوة بعد العواصف الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإن المشهد الإيراني الذي أعقب الحرب العدوانية ليس مجرد حدث جماهيري أو مراسم تشييع استثنائية، بل عملية سياسية وعسكرية وأمنية وإعلامية وعقائدية مركبة، حملت في طياتها رسائل تتجاوز حدود إيران إلى الإقليم والعالم بأسره.
لقد بدا المشهد بأكمله وكأنه استعراض سيادي متكامل الأركان، يؤكد أن الدولة ما زالت ممسكة بخيوط المشهد، وقادرة على فرض حضورها السياسي والنفسي أكثر من اي وقتٍ مضى رغم التحديات؛ غير أن قراءة هذا الحدث من زاوية الحشود وحدها تمثل اختزالاً قاصراً لحقيقة ما جرى؛ فالتشييع في جوهره لم يكن مراسم عزاء بقدر ما كان عملية بناء ردع نفسي، وإعادة إنتاج لشرعية وهج الثورة الإسلامية من جديد، وفق فلسفة البقاء لدى الدول والأنظمة.
ولهذا السبب تحديداً، تحوّل التشييع إلى استعراض نهائي للقوة، وإلى عملية سياسية مدروسة هدفت إلى نفي كل السرديات التي روجت لها الدوائر الغربية والإعلامية المعادية حول احتمالات اهتزاز الجمهورية الإسلامية أو دخولها مرحلة اضطراب سياسي بعد استشهاد الإمام القائد علي الخامنئي.
واللافت أن الرسائل الإيرانية لم تقتصر على الحشود أو المظاهر التنظيمية، فقد امتدت إلى أدق التفاصيل الرمزية والثقافية. وقد ظهر بوضوح أن اختيار الآيات القرآنية التي كانت تُتلى أمام كل وفد رسمي لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل جزءاً من خطاب سيادي مشفر، يوظف الرمز الديني والثقافي في خدمة الرسالة السياسية، ويؤكد أن طهران ما زالت تمتلك القدرة على إدارة معارك الوعي والرمزية بالكفاءة نفسها التي تدير بها المعارك العسكرية والأمنية والسياسية.
لكن البُعد الأكثر عمقاً في هذا الحدث تجسّد في «جغرافية التشييع» نفسها، فتنقل الجثمان الطاهر للإمام الشهيد علي الخامنئي، بين طهران والعراق ثم مشهد، بدا أقرب إلى خريطة استراتيجية متحركة لمحور المقاومة ونطاق نفوذه العقائدي والسياسي.
ومن المنظور العام، فإن جغرافية التشييع لم تكن أقل أهمية من مراسمه؛ فالتشييع في العراق حمل رسالة إلى العالم بوجود تلاحم عقائدي واجتماعي وبشري عميق يصعب فصله أو تفكيكه بالوسائل التقليدية، وقد أعادت هذه الجغرافيا رسم حدود النفوذ الحقيقي للمحور بصورة أكثر وضوحاً من كثير من الخطابات السياسية.
وهكذا، لم يعد استشهاد الإمام الشهيد علي الخامنئي حدثاً سياسياً قابلاً للتفسير والتحليل فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة رمزية وعقائدية واسعة النطاق، محصنة بالوجدان الجمعي والقداسة التاريخية وتحويل لحظة الفقد إلى لحظة قوة، وحولت التشييع من مظهر يمكن أن يُقرأ باعتباره مؤشراً إلى نهاية حقبة، إلى شعيرة سياسية ودينية عظمى جرى فيها توظيف الجغرافيا، والتاريخ، والعقيدة، والرمزية الجماهيرية الثورية الإسلامية، في إطار مشروع واحد يهدف إلى تأمين وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وإعادة تثبيت معادلات الردع النفسي والسياسي في مواجهة الشيطان الأكبر: أمريكا والكيان الصهيوني.
وفي الختام أتى هذا التشييع إعلاناً استراتيجياً مدوياً بأن الجمهورية الإسلامية ما زالت تمتلك زمام المبادرة، وأن محور المقاومة ما زال قادراً على إعادة إنتاج قوته وروايته ومشروعيته، ورسالة استراتيجية متعددة الطبقات إلى الأعداء والحلفاء على حد سواء، رسالة مفادها أن إيران لم تدخل مرحلة ما بعد الإمام القائد الشهيد علي الخامنئي بوصفها دولة تبحث عن بديل، فالبديل هو الابن مجتبى الخامنئي، وأن مؤسساتها وعقيدتها ومحورها الإقليمي باتت أكبر من الأشخاص وأكثر رسوخاً من التحولات العابرة التي سعى لها الأعداء.
كما أرادت إيران أن تقول للعالم، عبر هذا المشهد المهيب، إن القادة قد يرحلون، لكن الثورة الإسلامية، والمشاريع الكبرى، لا تُدفن مع أصحابها، وأن غياب الرمز لا يعني أبداً غياب المعادلة، وأن الدول التي تنجح في تحويل لحظات الفقد إلى منصات لإعادة إنتاج القوة هي وحدها القادرة على البقاء وصناعة التاريخ.










المصدر أحمد الضبيبي
زيارة جميع مقالات: أحمد الضبيبي