من النصر إلى الفتح..اليمن يفكك الوصاية ويستعيد القرار
- فؤاد أبو راس الأربعاء , 7 أكـتـوبـر , 2026 الساعة 1:03:30 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
ثمة لحظات في مواجهة العدوان تتغير فيها الخريطة، وثمة لحظات أندر تتغير فيها القاعدة التي تُرسم بها الخريطة نفسها، واليمن يقف اليوم أمام لحظة من هذا النوع؛ فالذي يجري على الساحل الغربي وفي مرتفعات تعز وحول الممرات المتصلة بباب المندب لم يعد قابلاً للقراءة باعتباره تنافسًا على تل أو طريق أو مديرية، لأن السؤال الأعمق بات يتعلق بمركز الثقل الحقيقي للصراع: من يملك حق تحديد مستقبل اليمن، ومن يستطيع أن يحول قوته العسكرية إلى قرار سياسي لا يُصاغ في عاصمة أخرى؟
خلال الأسابيع الماضية تبدلت خطوط تماس ظلت لسنوات شبه ثابتة، ومع كل تقدم أو تراجع تتجلى بوضوح حقيقة أوسع من الجغرافيا، وهي أن الصراع لم يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول بنية القرار الذي يتحكم بها؛ ولذلك فإن قراءة الأحداث من خلال الخرائط وحدها تظل ناقصة، لأن الأهم من معرفة من تقدم بضعة كيلومترات هو معرفة ما إذا كان ميزان القوة قد تغير إلى درجة اصبح معها الخارج مضطرًا إلى إعادة حساب أدواته وخياراته.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية، لأن المواقع العسكرية قد تتغير بين يوم وآخر، لكن بقاء بعض الجبهات أو استعادتها بات يتطلب حشد تشكيلات متعددة وإسنادًا وقرارًا سياسيًا يتجاوز القدرة المحلية، ومن هنا يصبح السؤال عن العلاقة بين القوى التي تقاتل على الأرض والمراكز الإقليمية التي تمول وتسلح وترسم سقف الحركة جزءًا من صلب المعركة على السيادة نفسها.
ومن الجغرافيا يقودنا هذا السؤال إلى التاريخ، لأن الوصاية على اليمن لم تبدأ مع السنوات الأخيرة، ولم تحتج دائمًا إلى احتلال مباشر حتى تمارس تأثيرها، فقد عرفت البلاد لعقود شبكات رعاية وتمويل وعلاقات نفوذ ارتبطت بما عُرف بـ«اللجنة الخاصة»، التي أدارت صلات واسعة مع شيوخ وشخصيات وقوى سياسية وعسكرية، فتحولت العلاقة مع الرياض لدى بعض النخب من علاقة بين دولتين إلى مصدر نفوذ داخل الدولة نفسها.
وعندما توضع هذه الخلفية إلى جوار ما جرى منذ بدء العدوان، يصعب وضع جميع أطراف الصراع على المسافة نفسها من قضية السيادة، لأن هناك فرقًا بين من بنى موقعه داخل اليمن وتحمل كلفة المواجهة على الأرض، وبين قوى ارتبط جانب من قوتها وتمويلها بمنظومات رعاية خارجية. والمطلوب هنا ليس اتهام كل يمني خالف صنعاء، بل طرح الأسئلة التي تكشف طبيعة العلاقة: من أين جاء المال؟ من حدد الأولويات؟ من منح الغطاء؟ وأين كان مركز القرار عندما تعارضت المصلحة اليمنية مع إرادة الراعي الخارجي؟
هنا تصبح التضحيات جزءًا من الحجة السياسية، لأن الدم الذي دفعه اليمنيون في مواجهة القصف والحصار طوال سنوات لا يمكن فصله عن السؤال المتعلق بمن تحمل ثمن القرار. ففي مناطق سيطرة أنصار الله وحلفائهم تحملت مجتمعات واسعة آثار الضربات والحصار والتدمير والخسائر البشرية والاقتصادية، وهو ما يمنح هذه التجربة موقعًا مختلفًا في سردية المواجهة، ويجعل من غير الدقيق اختزال الجميع تحت عبارة واحدة توحي بتساوي المواقع والمسؤوليات.
فالعدالة في كتابة تاريخ هذه المرحلة لا تعني محو الفارق بين من واجه قوة خارجية على أرضه وبين من ارتبط استمرار قوته السياسية أو العسكرية بدعم ذلك الخارج، كما أن من دفع ثمن موقفه من حياة مقاتليه ومدنه وبنيته التحتية لا يقف في الموقع نفسه مع من كان الراعي الإقليمي مصدرًا للحماية والنفوذ.
غير أن هزيمة منظومة الوصاية لا تكتمل بهزيمة أدواتها، لأن التحدي الأصعب يبدأ عندما تتحول القوة التي واجهت الخارج إلى مشروع قادر على استيعاب الداخل؛ وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين النصر والفتح. فالنصر يتحقق عندما يفقد الخصم القدرة على فرض إرادته، أما الفتح فيبدأ عندما تستطيع القوة المنتصرة تحويل تضحياتها إلى دولة، والدم الذي دفعته إلى سيادة لا إلى امتياز، والانتصار إلى مدخل يعيد اليمنيين إلى وطنهم بدل أن يؤسس لصراع داخلي جديد.
ومن هنا تقع على أنصار الله وحلفائهم مسؤولية توازي الموقع الذي صنعتْه التضحيات، لأن من يقدم نفسه حاملًا لمشروع التحرر من الوصاية لا يُقاس فقط بقدرته على مواجهة الخارج، بل بقدرته على إثبات أن التحرر الذي قاتل من أجله يتسع لليمنيين، وأن الدولة أقوى من فكرة الغلبة، وأن دماء الذين ضحوا لم تُدفع لكي يُستبدل مركز وصاية خارجي بمركز احتكار داخلي، وإنما لكي يصبح القرار اليمني ملكًا لليمنيين.
ولهذا يصبح العفو أكثر من إجراء سياسي، وتصبح معاملة الأسرى أكثر من ملف إنساني، ويصبح فتح الطريق أمام من يريد العودة جزءًا من استراتيجية الفتح نفسها؛ لأن القوة الواثقة من مشروعها تحتاج إلى التمييز بين من صنع منظومة التدخل ومن استفاد منها، وبين من انخرط فيها بفعل ظرف أو خوف أو حاجة أو تعبئة.
فالطرف الذي يقنع المقاتل المقابل بأن له مستقبلًا داخل الدولة بعد أن يضع سلاحه يحقق اختراقًا أعمق من السيطرة على موقع عسكري، وكلما اتسعت دائرة العودة إلى المجتمع ضاقت المساحة التي يستطيع الخارج من خلالها إعادة تجنيد اليمنيين بعضهم ضد بعض؛ وهنا يكتسب مفهوم الفتح ثقله الحقيقي، لأنه لا يعني فقط فتح مدينة أو طريق، بل فتح المجتمع بعد أن أغلقه العدوان.
وعند هذه النقطة تصبح استعادة القرار أكثر من شعار، لأنها تعني بناء دولة أقوى من شبكات الرعاية الخارجية، ومواطن أكثر ارتباطًا بمؤسساته من ارتباطه بممول أو سفارة أو لجنة؛ فتفكيك الوصاية لا يتحقق فقط عندما تتراجع قدرة الخارج على التدخل عسكريًا، بل عندما يفقد المال الخارجي قدرته على صناعة شيخ أو قائد أو حزب يضع إرادة مموله فوق الإرادة الوطنية.
ومن هنا تصبح المسافة بين النصر والفتح أخطر مسافة في كل مواجهة؛ فالنصر يحتاج إلى قوة تكسر جبهة، أما الفتح فيحتاج إلى دولة تكسب مجتمعًا، والنصر يغير ميزان النار، بينما الفتح يغير ميزان الانتماء، ويجعل اليمني، أيًا كان موقعه السابق، يكتشف أن مستقبله مرتبط بوطنه أكثر من ارتباطه بعاصمة خارجية.
ولهذا لا ينبغي أن يختلط أمران: المصالحة مع اليمنيين وكتابة التاريخ. المصالحة تحتاج إلى فتح الأبواب، أما التاريخ فيحتاج إلى الدقة؛ ويمكن تقديم العفو من دون محو سجل الماضي، وإعادة بناء الوحدة الوطنية من دون مساواة التضحية بالتبعية، كما يمكن فتح باب المستقبل من دون تزوير موقع كل طرف في الأحداث.
واليمن يقف اليوم أمام فرصة نادرة؛ فإذا تحولت تضحيات الذين واجهوا العدوان إلى دولة مستقلة القرار، وتحول النصر الميداني إلى تفكيك مؤسسي لشبكات الوصاية، وأصبح العفو وسيلة لإعادة اليمنيين إلى وطنهم بدل إبقائهم وقودًا في أيدي الخارج، فسنكون أمام تحول يتجاوز الجبهة إلى بنية الدولة نفسها.
وعندها تتضح دلالة العنوان كاملة؛ فالنصر يغير موقعك في المعركة، أما الفتح فيغير طبيعة المعركة نفسها، والفتح الذي يحتاجه اليمن اليوم أوسع من باب المندب وأبعد من الساحل وتعز وصنعاء وعدن؛ إنه فتح الباب أمام دولة يستمد قرارها من شعبها، وتنتهي عند حدودها وظيفة الخارج، وتصبح علاقتها بجيرانها علاقة دول ذات سيادة، لا علاقة مركز يوزع الرعاية على أطراف داخل دولة أخرى.
وعندما يصل اليمن إلى تلك اللحظة، لن تكون هزيمة الوصاية في خسارتها موقعًا عسكريًا، بل في أن يصبح المال الخارجي عاجزًا عن شراء القرار اليمني، وأن تتحول التضحيات التي قدمها من واجهوا العدوان إلى أساس لدولة تمنع تكرار التجربة من جذورها؛ وعندها فقط ينتقل اليمن فعلًا من النصر إلى الفتح، ومن مقاومة الوصاية إلى إنهائها.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس