ما الذي جلبه الحداثيون للبلد غير العدوان؟ " أخلصت القبيلة وخانت الأحزاب "
- تم النشر بواسطة حلمي الكمالي/لا

قبل ولادة التاريخ وا?ديان ولدت القبيلة اليمنية على أرض البخور واللبان، وشكلت محوراً جوهرياً في بناء الوطن، وشيدت أعرق الحضارات الضاربة في أعماق التاريخ عبر عصور طويلة من الصراعات والحروب، قهرت الظروف وتغلبت على تحديات الطبيعة، وداست عمالقة الأرض، وبصقت على أطلال الإمبراطوريات العظمى، من حملة أليوس جالوس الرومانية في 224 قبل الميلاد، التي سُحقت على أسوار مأرب، ومن هجمات البيزنطيين والبربر، مروراً بالدولة العثمانية التي شيعت جنازتها وودعت أحلامها القسرية أسفل جبل شهارة، وصولاً إلى أقزام النفط الذين يُداسون اليوم تحت أقدام ا?بطال في صحارى مأرب وميدي.
وثيقة الشرف الوطني
لم تجد القبيلة وقتاً للراحة على مدى عشرات القرون، فالبلد الطاهر الذي أنجبته وأنجبها لا زال يحوم عليه ا?عداء من كل جانب، حاقدين على أبنائه وطامعين بخيراته.
فمنذ اللحظة الأولى من بداية العدوان الأمريكي السعودي البربري، وقفت القبائل اليمنية له بالمرصاد، فما كان على القبائل التي سحقت جبابرة الزمن، إلا أن تنتفض في وجه القادمين الجدد من أقصى مجاهل التاريخ، وتنفر عن بكرة أبيها بحمية يمانية أصيلة إلى كل جبهات القتال، وتلقنهم درساً لن ينسوه، وحتى يدرك العالم المتآمر أن على هذه الأرض رجالاً أشداء لو أرادوا مواجهة الموت لقضوا عليه هو ا?خر.
لقد أظهرت القبائل اليمنية بثباتها الصلب في ميدان المواجهة بما تحمله من قيم وأخلاق، رسوخ مبادئها وشجاعة أبنائها، وأثبتت لكل من كان يراهن على شرائها وتمزيق نسيجها، أنها أعز وأكرم من كنوز الدنيا ومغرياتها، متمسكة بأصالتها ونخوتها، وهبت لخوض المعركة المصيرية غير آبهة لعقبات الظرف الصعب وكثافة ا?عداء.
فلم تلبث القبائل اليمنية أن سارعت بتفعيل المواثيق والعهود التي أفضت إلى توقيع وثيقة الشرف الوطني، لتؤكد إخلاصها وتضمن تماسكها وتعزز موقفها الحاسم في تحديد مصير الوطن ومستقبل أجياله، حيث نفرت لمواجهة الغزاة، والتزمت بإحياء مبدأ (الغُرم) القبلي والشعبي، ورفدت جبهات القتال بالمال والرجال وكل ما تحتاج إليه لردع الغزاة والمعتدين واستئصال شأفة الشر والخطر الذي يهدد الوطن والأمة، معتبرة أن من يتخلف أو يقصر بواجبه تجاه الوطن، خائن وعميل، وأن لا قبول ولا صمت عن أي نوع من أنواع الوصاية أو التدخل الأجنبي مهما كلف ذلك من خسائر وتضحيات.. الكثير من المحللين العسكريين يؤكدون أن وثيقة الشرف القبلية التي التف حولها غالبية القبائل اليمنية، كانت بمثابة الانتقالة النوعية في كل المسارات السياسية والعسكرية، وصفعة قوية خلطت أوراق العدو الذي سعى للنيل منها عبر أساليب الترغيب والترهيب، إلا أنها قابلت التحديات بصلابة الموقف، واندفعت كالطوفان إلى جبهات القتال بثبات وتحدٍّ وعزم وإصرار أعتى على مواجهة العدوان مهما كانت تداعياته.
خطابات الحقد والكراهية
وقفت القبيلة اليمنية سداً منيعاً أمام الغزاة والعابثين، وقدمت جل التضحيات دفاعاً عن الوطن الذي سورته بدماء أبنائها ليبقى وطناً طاهراً من رجس الغزاة منذ ا?زل.
السجل الشريف والمواقف البطولية الخالدة التي سطرتها القبيلة استفزت أعداءها المهزومين، وأثارت حفيظة الحاقدين الموجودين في كل ا?زمنة، حيث لجأوا للانتقام منها بشتى الوسائل.
على مدى العقود الـ6 ا?خيرة، تحديداً منذ بداية الحركات التحررية من الاستعمار، كانت القبائل اليمنية أول من دعم الثورة وحمى الجمهورية، كما كان لها الدور ا?ساس في تحرير المحافظات الجنوبية وطرد الاستعمار البريطاني منها. وبينما كانت القبائل تحشد الحشود وتجمع ا?موال لترسيخ ا?من والاستقرار وبناء الدولة، كانت ا?حزاب السياسية والجماعات الدينية تحيك المؤامرات وتدبر المكايد ضد القبيلة، حيث شنت ضدها خطابات الحقد والكراهية، وعملت لتشويه موقفها، وتزوير الحقائق.
لم تتنافَ أحكام القبيلة اليمنية الخاصة بها مع قوانين الدولة حتى يتم اتهامها بالبدائية والعشوائية، بل العكس تماماً كانت قوانين النافذين في السلطة تتنافى مع ا?عراف الوطنية وا?خلاقية.
ظلت ا?حزاب تشن هجوماً لاذعاً على القبيلة، في الوقت الذي كانت تسعى قوى الظل إلى تدجينها بالصراعات، وتسخيرها لخدمة مصالحها بشكل أو بآخر، حيث عملت على خلق خلافات وأبعاد سياسية وعسكرية تركت انطباعاً سيئاً عند الناس لعقود، إلى أن أثبتت الوقائع وا?حداث عكس ذلك تماماً، فقد كشفت الحقائق حجم الخبث الدفين الذي كانت تمارسه هذه القوى بحق القبيلة، بينما كانت القبيلة تحمل هموم الوطن على عاتقها، وتدفع ضريبة موقفها الوطني من دماء أبنائها، فأشاحت بنفسها عما يدور في فلك السياسة وخبث السياسيين.
وجدت القبيلة نفسها محاصرة بين أنياب المكر والمؤامرة، حيث استهدفتها ا?حزاب السياسية لتحقيق مآربها في الوصول إلى سدة الحكم، وافتقارها ?ي خطاب وطني يقود الجماهير، فيما يرى آخرون أن ضلوع قوى النفوذ في محاربة القبيلة بشكل أو بآخر، كان بإيعاز من قوى الرجعية والاستعمار التي ترى في القبيلة الخطر ا?كبر الذي يعوق توسع نفوذها في اليمن.
لقد اجتمعت ا?حزاب المتخمة بالتفاهات وقوى النفوذ والرجعية الطامعة بالسيطرة على القرار السياسي في البلد، على كسر التلاحم القبلي الشعبي، لذلك كانت القبيلة عدواً لليسار المزايد ولليمين الكاذب وتجار الدين، حيث مثلت القبيلة القيم الحقيقية لمفهوم الدين والسياسة، والمعنى الجامع للعدالة والكرامة، وهو ما تفتقده معظم ا?حزاب السياسية في البلاد.
ظل الناس مخدوعين بخطابات ا?حزاب التي عمدت إلى خلق صورة سيئة عن القبيلة، وغيبت دورها الفعلي في بناء اليمن وحمايته عبر تاريخ غني بالشواهد يمتد لعشرات القرون، فما يمتلكه اليمنيون اليوم من الشهامة والشجاعة والكرامة، هو حصيلة نضال عظيم وقيم نبيلة زرعتها القبيلة اليمنية وتوارثته ا?جيال منذ ا?زل.
لقد استمد شعبنا العظيم قيمه ونبله من القبيلة اليمنية حامية حمى الديار، التي شكلت جذوره وأنجبته ليرى الضوء، ومدته بالقوة لمواجهة أعداء البشرية والطبيعة، ويثبت نفسه على هذا الكوكب المتخم بالوحوش واللصوص.
سعت ا?حزاب السياسية لتشويه القبيلة اليمنية عبر شعارات الحداثة والمدنية، وتحت لافتة (التقدم وبناء اليمن الجديد)، وانزلقت في صراع غير مباشر مع القبيلة.
يشير محللون إلى أن الحملات الهجومية التي شنتها ا?حزاب وقوى النفوذ ضد القبيلة، لم تكن عفوية، بل كانت مخططاً استعمارياً لضرب البنية الاجتماعية وتمزيق الهوية اليمنية وأصالتها المتمثلة بالقبيلة.
فخلال أحداث 2011 راهنت القوى الخارجية والداخلية على استمالة القبائل اليمنية ?شعال حرب مع السلطة، إلا أن رهاناتها فشلت، حيث اتخذت القبيلة موقفاً وطنياً خالداً، وامتنعت عن الدخول في أية مواجهة قتالية مع السلطة، كما كان لها الدور المفصلي في إخماد النيران في لحظات مهمة مصيرية في تاريخ اليمن المعاصر.. بينما يرى مراقبون أن قوى النفوذ استطاعت من خلال تغلغل أحزابها السياسية داخل المجتمع القبلي، الاستيلاء على قرار القبيلة في حقب زمنية متفاوتة، وجيرتها لخدمة مصالحها، وقدمتها كخصم سياسي وعسكري للسلطة، وورقة ضغط لابتزاز الدولة، مشيرين إلى أن هذه ا?حزاب عمدت لتشويه الدولة وتصويرها كخطر يهدد القبيلة باللعب على مخاوفها، إلا أن القبيلة سرعان ما كانت تدرك حقيقة ا?مور عندما يطلب منها إشعال فتيل الحرب دونما سبب، باستثناء البعض التي انغمست في أهواء الهواة، ووقعت بفخ الإغراءات.
في المجمل يمكن القول إن ثورة 21 أيلول (سبتمبر) كانت الضوء الساطع الذي كشف حقائق كثيرة، وأزاح الستار عن أمور عالقة في ذهن المضللين بشعارات الوهم وخزعبلات الساسة، حيث كسرت حاجز الظلام، واقتحمت مطابخ الكذب والتضليل المكتظة بالقوادين والمؤججين للفتن ولوبيات أنظمة الهدم وتجار الدم، وعرت أقنعة النافذين ومؤامراتهم، وا?هم من ذلك أوضحت دور القبيلة اليمنية، وقدمتها بصورتها الحقيقية التي غيبتها قوى النفوذ لعقود طويلة، لتثبت وطنيتها الخالصة من الزيف، وتنبذ غبار الصمت بموقف وطني صارم، حاشدة معها التاريخ والحضارة وا?رض في وجه المعتدين.
بندقية القبيلة للجيش واللجان
مجزرة الصالة الكبرى التي ارتكبتها طائرات العدوان الأمريكي السعودي، في أكتوبر الماضي، كانت انتقاماً واضحاً يستهدف قبائل طوق صنعاء، بغرض تمزيق تلاحمها، حيث يرى البعض أن العدوان كان يعتقد أن الضربة ستحدث فجوة في جدار القبيلة الصلب، وإخراجها من الفضاء العام والصف الوطني الجامع المناهض للعدوان، بحيث توجه اللوم للقيادة الوطنية، وتسعى للرد بمفردها خارج نطاق الفضاء الجامع، إلا أن ما حدث عكس ذلك تماماً، حيث قدمت قبائل خولان بندقية القبيلة للجيش واللجان، باعتبار أن القوات الوطنية مخولة لقيادة المواجهة، ما يشير إلى أن القبيلة، إلى جانب موقفها الوطني الصارم، تسعى لتوظيفه في أطر المواجهة العامة وتحتكم للإدارة المركزية، انطلاقاً من إيمانها بأن العدوان يستهدف اليمنيين جميعاً، وليس ثأراً شخصياً، تتصرف في مواجهة العدوان داخل القيادة الجامعة، وهذا ما يؤكد احترام القبائل لمفهوم الدولة، وينفي تماماً سعي القبيلة لبسط نفوذها على القرار السياسي كما كانت تروج له أبواق العمالة والارتزاق ومنابر أحزابها السياسية لعقود من الزمن.
وبين سرد التاريخ وكشف الحقائق، يثبت الواقع اليوم أن القبيلة اليمنية تمثل الداعم ا?ساس للدولة، والحامي ا?ول للشعب، بدليل مساندتها للقوى والوطنية ووقوفها بجانب الجيش واللجان، وهو ما يعكس الدور الوطني التي تمارسة القبيلة في سبيل الدفاع عن الوطن، في الوقت الذي تنتهج سياسة مساندة لترسيخ مبادئ الدولة، حيث يذهب الكثير للقول بأنه لا يمكن أن تتخذ القبيلة موقفاً مغايراً ضد الدولة، بل إنها كانت ولا تزال تعمل وفق مبادئ ومعايير وطنية، مشيرين للتلاحم الوثيق بين القبيلة والقوى الوطنية، القائم على هذه المبادئ.
الأرض المقدسة
لا يمكن أن تتساهل القبيلة عن دورها بالدفاع عن الوطن، فا?رض حسب العرف القبلي مقدسة، والتنصل عن مواجهة الغزاة عار، وبالتالي لا يمكن أن يتخلف أحدهم عن الدفاع عن ا?رض مهما كانت الأسباب.
لا أحد يشبه القبيلي عندما يدافع عن بلده وغيرته على الوطن، ولا أحد يشبه القبيلة سوى ا?رض.. تؤكد دراسات تاريخية أن القبائل اليمنية مهما بلغت حدة الخلافات الداخلية بينها، إلا أنها كانت تتحد في مواجهة العدو الذي يهدد البلد، حيث كانت تنحي خلافاتها جانباً، وتذهب للدفاع عن الوطن، وهو ما يشير إليه المؤرخون بالحس الوطني العالي الذي تتسم به القبائل اليمنية، بخلاف ما تنتهجه ا?حزاب السياسية التي وظفت خلافاتها الداخلية وأحقادها لتنتقم من البلد.
إن ما تقدمه القبائل اليمنية في سبيل الوطن منذ بداية العدوان، يؤكد مدى وطنيتهم الحقيقية، بينما أولئك الذين يدعون الحداثة والمدنية، وضللوا الناس بشعاراتهم الرنانة والفضفاضة، يتمسحون اليوم على أبواب بلاط ملوك البادية، ويباركون العداء على الوطن، وتلك القبائل التي يحاولون تشويه دورها الوطني، تقف اليوم في مقدمة الصفوف، تواجه ا?عداء وترفد الجبهات بالرجال والمال والعتاد.
قلب المعادلة
تشكل القبائل اليمنية 80% من نسبة النسيج الاجتماعي اليمني، حيث تشير ا?حصائيات إلى أن عددها يصل إلى 400 قبيلة موزعة في مناطق مختلفة، وتزداد انتشاراً في شمال اليمن.
وقد أعطاها هذا الحجم الكبير من النسيج المجتمعي دوراً فعالاً ورئيسياً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي في البلاد، ما مكنها كطرف قوي في الميدان من إفشال المخطط ا?مريكي السعودي على الصعيدين الداخلي والخارجي. ويرى البعض أن الحضور القبلي في ساحة المواجهة منع انجرار اليمن إلى أتون الفتنة الطائفية والمذهبية التي كانت تسعى إليها دول تحالف العدوان، إذ أسهم الانتماء القبلي في تكاتف أبناء القبيلة الواحدة على مختلف انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، بشكل كبير، في قطع الطريق على دعاة الفتنة والاحتراب.
القبيلة لم تكتفِ بمواجهة الغزاة على الأراضي اليمنية، بل شنّت حملات عدّة على مواقع سعودية حدودية، وتوغلت داخل عمقه، وبالتالي فرضت معادلة جديدة في ميدان المعركة، وهو ما أغاظ العدو، حيث هدد المتحدث باسم تحالف العدوان العسكري أحمد عسيري، كافة القبائل المساندة للجيش واللجان بالاستهداف، ما يعني أن العدو تلقى ضربات موجعة من التواجد القبلي الذي قلب المعادلة السياسية والعسكرية في وجهه.
مصطلحات قبلية
تميزت القبائل اليمنية بقوانين وعادات خاصة بها، وتختلف القوانين من قبيلة إلى أخرى، حسب طبيعتها والبيئة التي تنتمي إليها، إلا أن هناك أعرافاً مشتركة بين جميع القبائل تسمى (العُرف القبلي) الذي يعتبر القانون الذي يسير أمور القبائل، حيث تحتكم له وتعمل ببنوده وشروعه، ويعتبر دستوراً نافذاً على جميع القبائل، ولا يجوز ?ية قبيلة مخالفته مهما كانت الظروف.
تندرج في العرف القبلي أعراف عدة لها مفاهيمها الخاصة، منها:
النكف: أن تحشد قوة قبلية كبيرة قد تجمع فروع القبيلة الواحدة أو مجموعة من القبائل يجمعها أصل واحد أو حلف واحد أو هدف مشترك، ضد جهة قبيلة أخرى ارتكبت من ا?خطاء ما يوجب تأديبها، مثل القتل العيب وهتك العرض أو قطع السبل المسبلة أو قتل الجار والغريب والضعيف، وغيره من الأسباب التي تعتبر في العُرف القبلي من الكبائر، ويجب الرد الحاسم عليها للحد منها في المجتمع القبلي. ويسمى النكف لدى بعض القبائل والجهات يوم القبيلة أو اليوم الكبير أو المقدم.
القضاء: القضاء في العرف القبلي لا يعني قضاء الدين المتعارف عليه، بل أخذ الثأر من الخصم، أي قضاء الدم.
الدَّين: بينما الدَّين يعني في العرف القبلي الدم الذي يتحمله الخصم لخصمه، فهو يعتبر ديناً في ذمة القاتل لأهل القتيل.
التعاشير: التعاشير في العرف القبلي هي إط?ق النار من قبل الواصل لدى الموصول إليه بغرض تحقيق طلب معين، وللتعاشير أهمية قبلية، فهي تُعلي من قدر وشأن المضيف، وتعلن الخضوع ?رادته وشهامته لشأن من الشؤون أقلها واجب الضيافة. وقد يحكم بالتعاشير ضمن أحكام قبيلة مقرونة بأحكام مادية أو أدبية أو كليهما.. تعتبر ا?عراف وا?حكام القبيلة قاطعة لا يتجرأ أي فرد من أفراد القبيلة على مخالفتها، إلا أنها قد تتسم بالغرابة والطرافة أحياناً، لدرجة أنه إذا أقدم شخص غريب على قتل أحد أبناء القبيلة، فلا يمكن أن تتعرض له القبيلة داخل إطار أرضها.
بين هذه وتلك، لا يمكن أن تتساهل القبيلة في أمور تتعلق بالوطن، خصوصاً ما يتعلق بمواجهة الغزو الخارجي، فهي حازمة في مواقفها الوطنية، فلا يمكن أن تسمح للغزاة باحتلال البلد مهما كانت الأسباب، ويعتبر عمل كهذا من العار وا?هانة، وهو ما لا يمكن تقبله.
أصدق من المجتمع الدولي
يرى مراقبون أن القبيلة تواكب العصر، وتستوعب الدولة بشكلها الحديث بالنطاق الذي لا يتعدى مبادئها وقيمها، بينما الحداثيون الذين واكبوا التطور من زاوية تغيير ملابسهم وقصات شعرهم، تخلوا عن كل المبادئ والقيم ا?خلاقية والوطنية.
لا أحد يلتزم بالعهود والمواثيق كما تلتزم بها القبائل اليمنية، فلو كان المجتمع الدولي يلتزم بالمواثيق الدولية لكان العالم يعيش في سلام، حيث يؤكد الكثير أن القبيلة أكثر تحضراً من العالم الذي يخل بوعوده.
العمود الفقري
إنها حكايات بطولية لا تنتهي، ودروس عظيمة في الوطنية والشرف ينقشها رجال الرجال في ملاحم الشرف الوطني.
أمثلة في العزة والكرامة ترفع شأن ا?مم، وتُخلَّد في ذاكرة الشعوب وا?جيال.
سورت القبيلة نفسها بالمبادئ والقيم بعيداً عن قذارات الرجعية والاستعمار، وعن أوساخ ا?حزاب، وعن رذاذ الديمقراطية والبيروقراطية، وعن تفاهات العالم ا?خر المدجن بالخبث والمكر والخداع.
لا تحب لبس ا?قنعة، ولا التخفي تحت أغطية الامبريالية والسريالية.. اختزلت اليمن في صورته الحقيقية، واحتفظت بالجميل للأرض التي أنجبتها.. هي الدولة القوية التي تنتصر للحقيقة في غياب الدولة، والعمود الفقري لها في وجودها.. تزرع ا?رض بالخير، وتعلم أبناءها حب الوطن.. تشهر سلاحها في وجه الغزاة، وتبغض الظلم، وتبتسم بوجه ا?شقاء. المعدن الذهبي ا?صيل الذي احتفظ بملامحه الحقيقية، لا يتأثر بالظروف ولا بالكوارث.. لسنا في زمن المعجزات، إلا أن ما صنعته القبيلة اليمنية على مر العصور من قهر للمستحيلات، هي معجزات حقيقية بكل المقاييس. وختاماً يمكن القول: (من لا قبيلة له لا تاريخ له).
وإذا ما نظرنا إلى الوراء، سنجد أن خلف مستعمرات النفط التي لم تكمل بعد قرنها الثاني في الرضاعة، شركة بترولية بريطانية اسمها (أرامكو)، بينما ? يوجد قبل عمالقة التاريخ أحد إ? آدم، وحينها كان اليمنيون يشيدون القلاع والحصون على قمم جبال صنعاء ومأرب ولا وجه للمقارنة، فالأرض التي لم تنجب شمَّر يهرعش واحداً لا يمكن لها أن تصمد أمام شعب كل أبنائه شمّر يهرعش.
فمنذ بداية الوجود البشري التهمت الظروف والحروب نصف العالم بشعوبه وأنبيائه، ليبقى خلف التاريخ والجغرافيا قبيلة واحدة اسمها اليمن، سيد ا?رض، وشاهداً على العصر إلى ا?بد.
وثيقة الشرف الوطني
لم تجد القبيلة وقتاً للراحة على مدى عشرات القرون، فالبلد الطاهر الذي أنجبته وأنجبها لا زال يحوم عليه ا?عداء من كل جانب، حاقدين على أبنائه وطامعين بخيراته.
فمنذ اللحظة الأولى من بداية العدوان الأمريكي السعودي البربري، وقفت القبائل اليمنية له بالمرصاد، فما كان على القبائل التي سحقت جبابرة الزمن، إلا أن تنتفض في وجه القادمين الجدد من أقصى مجاهل التاريخ، وتنفر عن بكرة أبيها بحمية يمانية أصيلة إلى كل جبهات القتال، وتلقنهم درساً لن ينسوه، وحتى يدرك العالم المتآمر أن على هذه الأرض رجالاً أشداء لو أرادوا مواجهة الموت لقضوا عليه هو ا?خر.
لقد أظهرت القبائل اليمنية بثباتها الصلب في ميدان المواجهة بما تحمله من قيم وأخلاق، رسوخ مبادئها وشجاعة أبنائها، وأثبتت لكل من كان يراهن على شرائها وتمزيق نسيجها، أنها أعز وأكرم من كنوز الدنيا ومغرياتها، متمسكة بأصالتها ونخوتها، وهبت لخوض المعركة المصيرية غير آبهة لعقبات الظرف الصعب وكثافة ا?عداء.
فلم تلبث القبائل اليمنية أن سارعت بتفعيل المواثيق والعهود التي أفضت إلى توقيع وثيقة الشرف الوطني، لتؤكد إخلاصها وتضمن تماسكها وتعزز موقفها الحاسم في تحديد مصير الوطن ومستقبل أجياله، حيث نفرت لمواجهة الغزاة، والتزمت بإحياء مبدأ (الغُرم) القبلي والشعبي، ورفدت جبهات القتال بالمال والرجال وكل ما تحتاج إليه لردع الغزاة والمعتدين واستئصال شأفة الشر والخطر الذي يهدد الوطن والأمة، معتبرة أن من يتخلف أو يقصر بواجبه تجاه الوطن، خائن وعميل، وأن لا قبول ولا صمت عن أي نوع من أنواع الوصاية أو التدخل الأجنبي مهما كلف ذلك من خسائر وتضحيات.. الكثير من المحللين العسكريين يؤكدون أن وثيقة الشرف القبلية التي التف حولها غالبية القبائل اليمنية، كانت بمثابة الانتقالة النوعية في كل المسارات السياسية والعسكرية، وصفعة قوية خلطت أوراق العدو الذي سعى للنيل منها عبر أساليب الترغيب والترهيب، إلا أنها قابلت التحديات بصلابة الموقف، واندفعت كالطوفان إلى جبهات القتال بثبات وتحدٍّ وعزم وإصرار أعتى على مواجهة العدوان مهما كانت تداعياته.
خطابات الحقد والكراهية
وقفت القبيلة اليمنية سداً منيعاً أمام الغزاة والعابثين، وقدمت جل التضحيات دفاعاً عن الوطن الذي سورته بدماء أبنائها ليبقى وطناً طاهراً من رجس الغزاة منذ ا?زل.
السجل الشريف والمواقف البطولية الخالدة التي سطرتها القبيلة استفزت أعداءها المهزومين، وأثارت حفيظة الحاقدين الموجودين في كل ا?زمنة، حيث لجأوا للانتقام منها بشتى الوسائل.
على مدى العقود الـ6 ا?خيرة، تحديداً منذ بداية الحركات التحررية من الاستعمار، كانت القبائل اليمنية أول من دعم الثورة وحمى الجمهورية، كما كان لها الدور ا?ساس في تحرير المحافظات الجنوبية وطرد الاستعمار البريطاني منها. وبينما كانت القبائل تحشد الحشود وتجمع ا?موال لترسيخ ا?من والاستقرار وبناء الدولة، كانت ا?حزاب السياسية والجماعات الدينية تحيك المؤامرات وتدبر المكايد ضد القبيلة، حيث شنت ضدها خطابات الحقد والكراهية، وعملت لتشويه موقفها، وتزوير الحقائق.
لم تتنافَ أحكام القبيلة اليمنية الخاصة بها مع قوانين الدولة حتى يتم اتهامها بالبدائية والعشوائية، بل العكس تماماً كانت قوانين النافذين في السلطة تتنافى مع ا?عراف الوطنية وا?خلاقية.
ظلت ا?حزاب تشن هجوماً لاذعاً على القبيلة، في الوقت الذي كانت تسعى قوى الظل إلى تدجينها بالصراعات، وتسخيرها لخدمة مصالحها بشكل أو بآخر، حيث عملت على خلق خلافات وأبعاد سياسية وعسكرية تركت انطباعاً سيئاً عند الناس لعقود، إلى أن أثبتت الوقائع وا?حداث عكس ذلك تماماً، فقد كشفت الحقائق حجم الخبث الدفين الذي كانت تمارسه هذه القوى بحق القبيلة، بينما كانت القبيلة تحمل هموم الوطن على عاتقها، وتدفع ضريبة موقفها الوطني من دماء أبنائها، فأشاحت بنفسها عما يدور في فلك السياسة وخبث السياسيين.
وجدت القبيلة نفسها محاصرة بين أنياب المكر والمؤامرة، حيث استهدفتها ا?حزاب السياسية لتحقيق مآربها في الوصول إلى سدة الحكم، وافتقارها ?ي خطاب وطني يقود الجماهير، فيما يرى آخرون أن ضلوع قوى النفوذ في محاربة القبيلة بشكل أو بآخر، كان بإيعاز من قوى الرجعية والاستعمار التي ترى في القبيلة الخطر ا?كبر الذي يعوق توسع نفوذها في اليمن.
لقد اجتمعت ا?حزاب المتخمة بالتفاهات وقوى النفوذ والرجعية الطامعة بالسيطرة على القرار السياسي في البلد، على كسر التلاحم القبلي الشعبي، لذلك كانت القبيلة عدواً لليسار المزايد ولليمين الكاذب وتجار الدين، حيث مثلت القبيلة القيم الحقيقية لمفهوم الدين والسياسة، والمعنى الجامع للعدالة والكرامة، وهو ما تفتقده معظم ا?حزاب السياسية في البلاد.
ظل الناس مخدوعين بخطابات ا?حزاب التي عمدت إلى خلق صورة سيئة عن القبيلة، وغيبت دورها الفعلي في بناء اليمن وحمايته عبر تاريخ غني بالشواهد يمتد لعشرات القرون، فما يمتلكه اليمنيون اليوم من الشهامة والشجاعة والكرامة، هو حصيلة نضال عظيم وقيم نبيلة زرعتها القبيلة اليمنية وتوارثته ا?جيال منذ ا?زل.
لقد استمد شعبنا العظيم قيمه ونبله من القبيلة اليمنية حامية حمى الديار، التي شكلت جذوره وأنجبته ليرى الضوء، ومدته بالقوة لمواجهة أعداء البشرية والطبيعة، ويثبت نفسه على هذا الكوكب المتخم بالوحوش واللصوص.
سعت ا?حزاب السياسية لتشويه القبيلة اليمنية عبر شعارات الحداثة والمدنية، وتحت لافتة (التقدم وبناء اليمن الجديد)، وانزلقت في صراع غير مباشر مع القبيلة.
يشير محللون إلى أن الحملات الهجومية التي شنتها ا?حزاب وقوى النفوذ ضد القبيلة، لم تكن عفوية، بل كانت مخططاً استعمارياً لضرب البنية الاجتماعية وتمزيق الهوية اليمنية وأصالتها المتمثلة بالقبيلة.
فخلال أحداث 2011 راهنت القوى الخارجية والداخلية على استمالة القبائل اليمنية ?شعال حرب مع السلطة، إلا أن رهاناتها فشلت، حيث اتخذت القبيلة موقفاً وطنياً خالداً، وامتنعت عن الدخول في أية مواجهة قتالية مع السلطة، كما كان لها الدور المفصلي في إخماد النيران في لحظات مهمة مصيرية في تاريخ اليمن المعاصر.. بينما يرى مراقبون أن قوى النفوذ استطاعت من خلال تغلغل أحزابها السياسية داخل المجتمع القبلي، الاستيلاء على قرار القبيلة في حقب زمنية متفاوتة، وجيرتها لخدمة مصالحها، وقدمتها كخصم سياسي وعسكري للسلطة، وورقة ضغط لابتزاز الدولة، مشيرين إلى أن هذه ا?حزاب عمدت لتشويه الدولة وتصويرها كخطر يهدد القبيلة باللعب على مخاوفها، إلا أن القبيلة سرعان ما كانت تدرك حقيقة ا?مور عندما يطلب منها إشعال فتيل الحرب دونما سبب، باستثناء البعض التي انغمست في أهواء الهواة، ووقعت بفخ الإغراءات.
في المجمل يمكن القول إن ثورة 21 أيلول (سبتمبر) كانت الضوء الساطع الذي كشف حقائق كثيرة، وأزاح الستار عن أمور عالقة في ذهن المضللين بشعارات الوهم وخزعبلات الساسة، حيث كسرت حاجز الظلام، واقتحمت مطابخ الكذب والتضليل المكتظة بالقوادين والمؤججين للفتن ولوبيات أنظمة الهدم وتجار الدم، وعرت أقنعة النافذين ومؤامراتهم، وا?هم من ذلك أوضحت دور القبيلة اليمنية، وقدمتها بصورتها الحقيقية التي غيبتها قوى النفوذ لعقود طويلة، لتثبت وطنيتها الخالصة من الزيف، وتنبذ غبار الصمت بموقف وطني صارم، حاشدة معها التاريخ والحضارة وا?رض في وجه المعتدين.
بندقية القبيلة للجيش واللجان
مجزرة الصالة الكبرى التي ارتكبتها طائرات العدوان الأمريكي السعودي، في أكتوبر الماضي، كانت انتقاماً واضحاً يستهدف قبائل طوق صنعاء، بغرض تمزيق تلاحمها، حيث يرى البعض أن العدوان كان يعتقد أن الضربة ستحدث فجوة في جدار القبيلة الصلب، وإخراجها من الفضاء العام والصف الوطني الجامع المناهض للعدوان، بحيث توجه اللوم للقيادة الوطنية، وتسعى للرد بمفردها خارج نطاق الفضاء الجامع، إلا أن ما حدث عكس ذلك تماماً، حيث قدمت قبائل خولان بندقية القبيلة للجيش واللجان، باعتبار أن القوات الوطنية مخولة لقيادة المواجهة، ما يشير إلى أن القبيلة، إلى جانب موقفها الوطني الصارم، تسعى لتوظيفه في أطر المواجهة العامة وتحتكم للإدارة المركزية، انطلاقاً من إيمانها بأن العدوان يستهدف اليمنيين جميعاً، وليس ثأراً شخصياً، تتصرف في مواجهة العدوان داخل القيادة الجامعة، وهذا ما يؤكد احترام القبائل لمفهوم الدولة، وينفي تماماً سعي القبيلة لبسط نفوذها على القرار السياسي كما كانت تروج له أبواق العمالة والارتزاق ومنابر أحزابها السياسية لعقود من الزمن.
وبين سرد التاريخ وكشف الحقائق، يثبت الواقع اليوم أن القبيلة اليمنية تمثل الداعم ا?ساس للدولة، والحامي ا?ول للشعب، بدليل مساندتها للقوى والوطنية ووقوفها بجانب الجيش واللجان، وهو ما يعكس الدور الوطني التي تمارسة القبيلة في سبيل الدفاع عن الوطن، في الوقت الذي تنتهج سياسة مساندة لترسيخ مبادئ الدولة، حيث يذهب الكثير للقول بأنه لا يمكن أن تتخذ القبيلة موقفاً مغايراً ضد الدولة، بل إنها كانت ولا تزال تعمل وفق مبادئ ومعايير وطنية، مشيرين للتلاحم الوثيق بين القبيلة والقوى الوطنية، القائم على هذه المبادئ.
الأرض المقدسة
لا يمكن أن تتساهل القبيلة عن دورها بالدفاع عن الوطن، فا?رض حسب العرف القبلي مقدسة، والتنصل عن مواجهة الغزاة عار، وبالتالي لا يمكن أن يتخلف أحدهم عن الدفاع عن ا?رض مهما كانت الأسباب.
لا أحد يشبه القبيلي عندما يدافع عن بلده وغيرته على الوطن، ولا أحد يشبه القبيلة سوى ا?رض.. تؤكد دراسات تاريخية أن القبائل اليمنية مهما بلغت حدة الخلافات الداخلية بينها، إلا أنها كانت تتحد في مواجهة العدو الذي يهدد البلد، حيث كانت تنحي خلافاتها جانباً، وتذهب للدفاع عن الوطن، وهو ما يشير إليه المؤرخون بالحس الوطني العالي الذي تتسم به القبائل اليمنية، بخلاف ما تنتهجه ا?حزاب السياسية التي وظفت خلافاتها الداخلية وأحقادها لتنتقم من البلد.
إن ما تقدمه القبائل اليمنية في سبيل الوطن منذ بداية العدوان، يؤكد مدى وطنيتهم الحقيقية، بينما أولئك الذين يدعون الحداثة والمدنية، وضللوا الناس بشعاراتهم الرنانة والفضفاضة، يتمسحون اليوم على أبواب بلاط ملوك البادية، ويباركون العداء على الوطن، وتلك القبائل التي يحاولون تشويه دورها الوطني، تقف اليوم في مقدمة الصفوف، تواجه ا?عداء وترفد الجبهات بالرجال والمال والعتاد.
قلب المعادلة
تشكل القبائل اليمنية 80% من نسبة النسيج الاجتماعي اليمني، حيث تشير ا?حصائيات إلى أن عددها يصل إلى 400 قبيلة موزعة في مناطق مختلفة، وتزداد انتشاراً في شمال اليمن.
وقد أعطاها هذا الحجم الكبير من النسيج المجتمعي دوراً فعالاً ورئيسياً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي في البلاد، ما مكنها كطرف قوي في الميدان من إفشال المخطط ا?مريكي السعودي على الصعيدين الداخلي والخارجي. ويرى البعض أن الحضور القبلي في ساحة المواجهة منع انجرار اليمن إلى أتون الفتنة الطائفية والمذهبية التي كانت تسعى إليها دول تحالف العدوان، إذ أسهم الانتماء القبلي في تكاتف أبناء القبيلة الواحدة على مختلف انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، بشكل كبير، في قطع الطريق على دعاة الفتنة والاحتراب.
القبيلة لم تكتفِ بمواجهة الغزاة على الأراضي اليمنية، بل شنّت حملات عدّة على مواقع سعودية حدودية، وتوغلت داخل عمقه، وبالتالي فرضت معادلة جديدة في ميدان المعركة، وهو ما أغاظ العدو، حيث هدد المتحدث باسم تحالف العدوان العسكري أحمد عسيري، كافة القبائل المساندة للجيش واللجان بالاستهداف، ما يعني أن العدو تلقى ضربات موجعة من التواجد القبلي الذي قلب المعادلة السياسية والعسكرية في وجهه.
مصطلحات قبلية
تميزت القبائل اليمنية بقوانين وعادات خاصة بها، وتختلف القوانين من قبيلة إلى أخرى، حسب طبيعتها والبيئة التي تنتمي إليها، إلا أن هناك أعرافاً مشتركة بين جميع القبائل تسمى (العُرف القبلي) الذي يعتبر القانون الذي يسير أمور القبائل، حيث تحتكم له وتعمل ببنوده وشروعه، ويعتبر دستوراً نافذاً على جميع القبائل، ولا يجوز ?ية قبيلة مخالفته مهما كانت الظروف.
تندرج في العرف القبلي أعراف عدة لها مفاهيمها الخاصة، منها:
النكف: أن تحشد قوة قبلية كبيرة قد تجمع فروع القبيلة الواحدة أو مجموعة من القبائل يجمعها أصل واحد أو حلف واحد أو هدف مشترك، ضد جهة قبيلة أخرى ارتكبت من ا?خطاء ما يوجب تأديبها، مثل القتل العيب وهتك العرض أو قطع السبل المسبلة أو قتل الجار والغريب والضعيف، وغيره من الأسباب التي تعتبر في العُرف القبلي من الكبائر، ويجب الرد الحاسم عليها للحد منها في المجتمع القبلي. ويسمى النكف لدى بعض القبائل والجهات يوم القبيلة أو اليوم الكبير أو المقدم.
القضاء: القضاء في العرف القبلي لا يعني قضاء الدين المتعارف عليه، بل أخذ الثأر من الخصم، أي قضاء الدم.
الدَّين: بينما الدَّين يعني في العرف القبلي الدم الذي يتحمله الخصم لخصمه، فهو يعتبر ديناً في ذمة القاتل لأهل القتيل.
التعاشير: التعاشير في العرف القبلي هي إط?ق النار من قبل الواصل لدى الموصول إليه بغرض تحقيق طلب معين، وللتعاشير أهمية قبلية، فهي تُعلي من قدر وشأن المضيف، وتعلن الخضوع ?رادته وشهامته لشأن من الشؤون أقلها واجب الضيافة. وقد يحكم بالتعاشير ضمن أحكام قبيلة مقرونة بأحكام مادية أو أدبية أو كليهما.. تعتبر ا?عراف وا?حكام القبيلة قاطعة لا يتجرأ أي فرد من أفراد القبيلة على مخالفتها، إلا أنها قد تتسم بالغرابة والطرافة أحياناً، لدرجة أنه إذا أقدم شخص غريب على قتل أحد أبناء القبيلة، فلا يمكن أن تتعرض له القبيلة داخل إطار أرضها.
بين هذه وتلك، لا يمكن أن تتساهل القبيلة في أمور تتعلق بالوطن، خصوصاً ما يتعلق بمواجهة الغزو الخارجي، فهي حازمة في مواقفها الوطنية، فلا يمكن أن تسمح للغزاة باحتلال البلد مهما كانت الأسباب، ويعتبر عمل كهذا من العار وا?هانة، وهو ما لا يمكن تقبله.
أصدق من المجتمع الدولي
يرى مراقبون أن القبيلة تواكب العصر، وتستوعب الدولة بشكلها الحديث بالنطاق الذي لا يتعدى مبادئها وقيمها، بينما الحداثيون الذين واكبوا التطور من زاوية تغيير ملابسهم وقصات شعرهم، تخلوا عن كل المبادئ والقيم ا?خلاقية والوطنية.
لا أحد يلتزم بالعهود والمواثيق كما تلتزم بها القبائل اليمنية، فلو كان المجتمع الدولي يلتزم بالمواثيق الدولية لكان العالم يعيش في سلام، حيث يؤكد الكثير أن القبيلة أكثر تحضراً من العالم الذي يخل بوعوده.
العمود الفقري
إنها حكايات بطولية لا تنتهي، ودروس عظيمة في الوطنية والشرف ينقشها رجال الرجال في ملاحم الشرف الوطني.
أمثلة في العزة والكرامة ترفع شأن ا?مم، وتُخلَّد في ذاكرة الشعوب وا?جيال.
سورت القبيلة نفسها بالمبادئ والقيم بعيداً عن قذارات الرجعية والاستعمار، وعن أوساخ ا?حزاب، وعن رذاذ الديمقراطية والبيروقراطية، وعن تفاهات العالم ا?خر المدجن بالخبث والمكر والخداع.
لا تحب لبس ا?قنعة، ولا التخفي تحت أغطية الامبريالية والسريالية.. اختزلت اليمن في صورته الحقيقية، واحتفظت بالجميل للأرض التي أنجبتها.. هي الدولة القوية التي تنتصر للحقيقة في غياب الدولة، والعمود الفقري لها في وجودها.. تزرع ا?رض بالخير، وتعلم أبناءها حب الوطن.. تشهر سلاحها في وجه الغزاة، وتبغض الظلم، وتبتسم بوجه ا?شقاء. المعدن الذهبي ا?صيل الذي احتفظ بملامحه الحقيقية، لا يتأثر بالظروف ولا بالكوارث.. لسنا في زمن المعجزات، إلا أن ما صنعته القبيلة اليمنية على مر العصور من قهر للمستحيلات، هي معجزات حقيقية بكل المقاييس. وختاماً يمكن القول: (من لا قبيلة له لا تاريخ له).
وإذا ما نظرنا إلى الوراء، سنجد أن خلف مستعمرات النفط التي لم تكمل بعد قرنها الثاني في الرضاعة، شركة بترولية بريطانية اسمها (أرامكو)، بينما ? يوجد قبل عمالقة التاريخ أحد إ? آدم، وحينها كان اليمنيون يشيدون القلاع والحصون على قمم جبال صنعاء ومأرب ولا وجه للمقارنة، فالأرض التي لم تنجب شمَّر يهرعش واحداً لا يمكن لها أن تصمد أمام شعب كل أبنائه شمّر يهرعش.
فمنذ بداية الوجود البشري التهمت الظروف والحروب نصف العالم بشعوبه وأنبيائه، ليبقى خلف التاريخ والجغرافيا قبيلة واحدة اسمها اليمن، سيد ا?رض، وشاهداً على العصر إلى ا?بد.
المصدر حلمي الكمالي/لا