عادل بشر / لا ميديا -
كشف تقرير غربي حديث عن حجم الدمار البيئي المنهجي الذي تعرض له أرخبيل سقطرى، أحد أهم مواقع التراث العالمي، نتيجة استثمارات وأنشطة قادتها الإمارات بالتواطؤ مع حكومة الفنادق، التي عجزت عن إيقاف هذا العبث، الذي استمر منذ احتلال الإمارات لسقطرى ضمن العدوان على اليمن مطلع العام 2015.
التقرير، الذي نشرته صحيفة "إل بايس" الإسبانية، سلط الضوء على اعتداءات واسعة طالت التنوع البيولوجي الفريد للأرخبيل، ونهب موارده البحرية والبرية، وتوسّع مشاريع وتملكات داخل محميات طبيعية مصنفة دولياً، في مشهد يهدد بتحويل "الجنة اليمنية الصغيرة" في المحيط الهندي إلى بؤرة استنزاف بيئي قد تكون آثاره غير قابلة للإصلاح.
تقدر اليونسكو أن أرخبيل سقطرى، المؤلف من ست جزر (اثنتان منها صغيرتان)، يضم مئات الأنواع المتوطنة. فـ37% من أصل 825 نوعاً من النباتات، و90% من الزواحف، و95% من القواقع البرية، لا توجد في أي مكان آخر في العالم. ويؤكد خبراء بيئيون وقادة محليون أن جميعها باتت الآن في خطر.

السيطرة تحت غطاء "العمل الخيري"
تقرير الصحيفة الإسبانية نقل عن نشطاء محليين أن الأنشطة الإماراتية المعادية لم تقتصر على الاستثمارات غير المشروعة، بل امتدت إلى استحواذ فعلي على مساحات واسعة من الأراضي المصنفة كمناطق محمية. وتشير الشهادات إلى أن هذه العمليات طالت مواقع حساسة، مثل محمية ديكسم وحديقة دليشة، وهما من أبرز مواطن التنوع النباتي والحيواني في الأرخبيل، إذ استحوذت عليها أبوظبي بذريعة استخدامها في مشاريع غير ربحية عبر ما تسمى "مؤسسة خليفة"، التي تُعرف نفسها بأنها تعمل في مجالات خيرية. غير أن مختصين في البيئة والسياحة البيئية يؤكدون أن تلك الاستحواذات وهذا النمط من التملّك يُفرغ مفهوم "الحماية البيئية" من مضمونه، وحوّلها إلى مناطق مفتوحة أمام مشاريع تطوير وسياحة واستثمارات تجارية تتبع الإمارات، بما يتعارض مع فلسفة إدراج سقطرى على قائمة التراث العالمي.
ونقلت الصحيفة الإسبانية عن خبراء في القانون البيئي تأكيدهم أن ما شهده أرخبيل سقطرى على أيدي الاحتلال الإماراتي ومرتزقته، يُشكل انتهاكاً مزدوجاً، أولاً: لاتفاقية التراث العالمي التي صادقت عليها الإمارات عام 2001، والتي تحظر أي إجراءات تضر بالتراث الطبيعي بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وثانيا: للقوانين اليمنية التي تقيد تملّك الأجانب للأراضي والموارد في المناطق البيئية الحساسة.
ويحذّر مختصون من أن استمرار هذه الممارسات، سواء على أيدي وكلاء أبوظبي أو من قبل الاحتلال البديل (السعودية ومرتزقتها)، يفتح الباب أمام تغيير ديمغرافي وبيئي طويل الأمد في أرخبيل يفترض أن يظل خارج منطق السوق والاستثمار الربحي.

الصيد الجائر ونهب البحر
في السواحل المحيطة بالأرخبيل، يتحدث صيادون وناشطون عن تصاعد غير مسبوق في عمليات الصيد الجائر، وسط اتهامات بوجود سلسلة تجارية منظمة تبدأ من البحر وتنتهي خارج الأرخبيل.
ويصف أحمد الرميلي، الناشط البيئي في سقطرى، أنشطة الإمارات بأنها "تهديد حقيقي للتنوع البيئي الفريد في سقطرى". ومن الأمثلة على ذلك الصيد الجائر، إذ تُباع الأسماك لمصنع إماراتي في الجزيرة الكبرى، ثم تُنقل جواً أو بحراً إلى الخارج، في وقت تعاني فيه البيئة البحرية من استنزاف حاد.
ووثق تقرير لليونسكو عام 2022، أعده الباحث البلجيكي كاي فان دام، ما وصفه بـ"الآثار المدمّرة" لعمليات الجرّ البحري على الشعاب المرجانية والكائنات البحرية، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى انهيار النظام البيئي البحري حول الأرخبيل.

سرقة المرجان وغزو الأنواع الدخيلة
لم يقتصر الاستنزاف على الثروة السمكية؛ فبحسب ناشطين، شهد أرخبيل سقطرى عمليات ممنهجة لسرقة المرجان وبيعه في أسواق خارجية، رغم دوره الحيوي في حماية السواحل والحفاظ على التوازن البحري.
إضافة إلى ذلك، تم إدخال أكثر من 126 نوعاً دخيلاً من النباتات والحشرات، معظمها عبر مشاريع زراعية وتجميلية مرتبطة بمبادرات زائفة أطلقتها الإمارات، ما أدى -وفقاً للتقرير- إلى تغيير ملموس في التوازن البيئي. ومن أخطر هذه الحالات "سوسة النخيل الحمراء"، وهي خنفساء دخيلة وصلت إلى سقطرى عبر نباتات نخيل استقدمتها "مؤسسة خليفة"، الأمر الذي تسبب في إتلاف مساحات واسعة من أشجار النخيل الأصلية.
وفي سياق متصل، تكشف تقارير اليونسكو عن بُعد آخر من الاستغلال، يتمثل في بيع الكائنات المتوطنة في الأرخبيل عبر الإنترنت. ففي العام 2021، رُصدت فراشات نادرة من سقطرى تُعرض بأسعار تجاوزت 1200 دولار للواحدة، في سوق سوداء رقمية تعكس مدى الطلب العالمي على الأنواع النادرة، مقابل غياب شبه كامل للرقابة المحلية والدولية.

أصوات تُقمع
في الداخل، يدق ناشطون وقادة اجتماعيون ناقوس الخطر؛ لكنهم، بحسب شهاداتهم التي نقلتها الصحيفة الإسبانية، واجهوا حملات تهديد وملاحقات وأحكاماً بالسجن من سلطات محلية موالية للاحتلال الإماراتي.
ويؤكد هؤلاء أنهم نقلوا تحذيراتهم إلى حكومة الفنادق، دون أن يلمسوا أي تحرك فعلي، في ظل ما يصفونه بـ"عجز سياسي وارتهان للقرار الخارجي"، جعل أرخبيل سقطرى خارج دائرة الحماية الرسمية.

أرخبيل بين السيادة والنهب
في المحصلة، يضع التقرير الغربي والبيانات البيئية الدولية سقطرى أمام معادلة قاسية: إما أن تُستعاد كمسؤولية إنسانية عالمية وإرث طبيعي يمني لا ينبغي أن يعبث به العدوان السعودي الإماراتي، وإما أن تظل ساحة مفتوحة أمام مشاريع نفوذ ونماذج متكررة لنهب الثروات والموارد وتدمير البيئة وتحويل واحدة من آخر "جنات الأرض" إلى خريطة استنزاف بيئي وسياسي طويل الأمد.