يواصل قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، استلهام الدروس القيمة من القصص القرآني المعجز، وتحديداً قصة موسى عليه السلام.
وفي محاضرته الرمضانية الثامنة عشرة، تحدث السيد القائد عما بعد وصول موسى (ع) إلى مدين وسقيه للفتاتين الضعيفتين اللتين كانتا تنتظرا أن يتم الزحام سقيه، ثمة عودة إحداهما بطلب من أبيها لمكافأة موسى، وقد أقبلت عليه «تمشي على استحياء».
وهنا يشير السيد القائد إلى الحياء كأحد الدروس العظيمة في هذه الآية الكريمة، باعتبار الحياء جامعاً للكثير من مكارم الأخلاق، وأهميته للإنسان، وخصوصاً المرأة، ودلالته على حسن التربية، واقتران الحياء بالإيمان وفق ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ثم يتحدث قائد الثورة عما اقترحته الفتاة نفسها على أبيها أن يستأجر موسى للعمل معهم والقيام على شؤون أسرتهم، داعمة مقترحها بالقول: «إن خير من استأجرت القوي الأمين».
ويبين السيد القائد أن الفتاة امتلكت من الوعي ما جعلها تعرف أهمية اقتران القوة بالأمانة كأهم ركائز وشروط القيام بالمسؤوليات. ويشير إلى قول رسول الله (ص): «لا إيمان لمن لا أمانة له»، موضحاً أن الأمانة تتعلق بكل ما استخلفنا الله فيه، بما في ذلك نعمه علينا، كما تتعلق بمسؤوليات الإنسان في مختلف مستوياتها، بدءاً بمسؤولياته تجاه أهله ومحيطه، وصولاً إلى مسؤولياته العامة بحسب موقعه من المسؤولية.

نص المحاضرة الرمضانية الثامنة عشرة لقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 18 رمضان 1447هـ / 7 مارس 2026م:

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

كنَّا وصلنا في قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، على ضوء الآيات القرآنية المباركة من (سورة القصص)، إلى الآيات المباركة التي تذكر لنا وصوله إلى مدين، وما بعد وصوله هناك.

فحينما ورد ماء مدين، وما وجده هناك أثناء سقي الأهالي لمواشيهم ودوابهم، والمشهد الذي لفت انتباهه فيما يتعلَّق بامرأتين كانتا تذودان أغنامهما؛ حتَّى لا تتقدَّم الأغنام مع بقية الأغنام والمواشي التي لسائر الرعاة، وحينما سألهما: {مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}[القصص:23]، كيف بادر نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" إلى الاهتمام بأمر الفتاتين، وكيف سقى لهما، كيف يحمل روحية الإحسان، وحتَّى في الظرف الذي قد ينشغل الإنسان فيه بنفسه كلَّ الانشغال، فلا ينتبه إلى أحوال الآخرين، ونبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" في تلك الحالة في حالة غربة، بدون مأوى، وفي حالة تعب من أعباء السفر، وفي حالة جوع، وفي حالة فقر، ويعيش كلَّ الأزمات التي عادةً ما تؤثِّر على الإنسان في ظروف حياته، في نفسيته، في اهتمامه، في تفكيره... إلى غير ذلك.

ثم بعد عودة الفتاتين إلى أبيهما ومنزلهما، بالتأكيد أخبرتاه وكانت عودتهما في وقتٍ مبكِّر على خلاف العادة، وكيف كان ذلك الشيخ الصالح يتحلَّى بمكارم الأخلاق، ويكافئ على المعروف، وكيف هيَّأ الله لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" استجابة دعائه، بعد أن تولى إلى الظل وهو تلك الوضعية، والتجأ إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}[القصص:24]، فاستجاب الله دعاءه وهيَّأ له الرعاية الكاملة.

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}[القصص:25]، إحدى ابنتي الشيخ الصالح، وتحدَّثنا حول أهميَّة الخُلُق الكريم العظيمة: وهو الحياء؛ لأنه في الآية قال: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}[القصص:25]، بما يفيد عمَّا كانت عليه من الحياء، وهذا الخلق الكريم قد يتفاوت مستوى التَّحَلِّي به بين الناس، في من هو عظيم الحياء، كثير الحياء، وهذا الخلق الكريم متأصِّلٌ فيه، وهو على درجةٍ عاليةٍ فيه، يبرز في سلوكياته، في أعماله، في تصرفاته، في أقواله، في معاملاته مع الناس، ومن قد يكون حاله في هذا الأمر بمستوى أقل، أو من هو قليل الحياء.
وتحدَّثنا حتَّى عن الميزة المهمة للمرأة عندما تتَّصف بالحياء، وتتحلَّى بهذا الخلق الكريم، كيف هي من أهمِّ مميزاتها كامرأة، وعن ضرورة هذا الخلق للرجال وللنساء، وتحدَّثنا عن هذا في المحاضرة الماضية: أنَّه مهمٌ جدًّا أولاً: في علاقة الإنسان بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، كيف يوقِّر الله، ويعظِّم الله، ويستشعر عظيم نعمة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" عليه، فيستحيي من الله من أي عملٍ مسيء، من أي تصرُّفٍ مسيء؛ فيكون لذلك أثره على علاقته بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من خلال استقامته، من خلال تقواه، من خلال حذره من المعاصي، من الجرائم، من الرذائل، من المفاسد، من الأمور المعيبة؛ لأن الإنسان الذي يستحيي، هو أيضاً يحذر من الأمور التي يعاب الإنسان بها، تخدش في كرامة الإنسان كإنسان، في كرامته كمؤمن، في قيمه كمؤمن، في التزاماته ومواصفاته كمؤمن.

فالحياء هو خلقٌ عظيمٌ كريم، ويجمع من مكارم الأخلاق الكثير، ومن المبادئ والقيم، من المعارف التي تجعل الإنسان- فعلاً- يشعر بالحياء في نفسه، في وجدانه؛ لأن الحياء هو أولاً شعور في داخل الإنسان، وإحساس في أعماق نفسه، يتجلَّى حتَّى على مُحيَّاه، وفي شكله، وفي تعامله، وفي اهتمامه، وفي التزامه، في كلامه... وغير ذلك.

فالحياء هو من الإيمان، وقرأنا في الحديث النبوي الشريف: ((الحَيَاءُ مِنَ الْإِيْمَان، وَلَا إِيْمَان لِمَن لَا حَيَاء لَهُ))، وكذلك حديث: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُ الحَيِيّ الحَلِيم، العَفِيف المُتَعَفِّف، وَيُبْغِضُ البَذِيء الفَاحِش، المُلِح المُلحِف))، وقرأنا أيضاً الحديث النبوي الشريف: ((لِكُلِّ شَيْءٍ خُلُق، وَخُلُقُ الإِنْسَانِ الحَيَاء)).

ولهذا مِمَّا يتَّصف به حتَّى أنبياء الله ورسل الله في المقدِّمة: أنَّهم على مستوىً عظيم من الحياء، ومرتبتهم في الحياء مرتبة عالية جدًّا؛ ولهذا نقرأ في القرآن الكريم، فيما يتعلَّق برسول الله محمد "صَلُوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، كيف كان عظيم الحياء إلى درجة أنه كان يستحيي من بقية المسلمين أكثر من حيائهم منه، في حيائه بلغ إلى درجة أن الله يتدخَّل في بعض الأمور؛ لتأديب المسلمين- آنذاك- في تعاملهم مع رسول الله "صَلُوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"؛ لحياء النبي من أن يكلِّمهم حول بعض الأمور المتعلِّقة بالتعامل معه: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}[الأحزاب:53]، يعني: بلغ به الحياء مراتب عالية جدًّا.

فالحياء هو خلقٌ رفيع، وكريم، وعظيم، ومن مكارم الأخلاق، والإنسان كلما زاد حياؤه؛ كلما ارتقى في أخلاقه وسما، إلى درجة أن يتورَّع عن الكثير من الأمور التي ليست حتَّى في عداد الرذائل، أو في عداد المعاصي والذنوب، لكنها تنتقص من مروءته، من قدره، تنتقص من مستوى أخلاقه، ولها علاقة- مثلاً- بما يتعلَّق بكرمه، شرفه الرفيع... إلى غير ذلك، يعني: دائرة الحياء تشمل بالدرجة الأولى والأساسية: التَّوَرُّع، وانعدام حتَّى الجرأة تجاه المعاصي، والرذائل، والمفاسد، والذنوب، وتمتد لتشمل أيضاً ما قبل ذلك: بعض التصرفات التي تنقِّص من قيم الإنسان، من مستوى أخلاقياته، من مستوى كذلك ما يتَّصف به كإنسانٍ يتحلَّى بعظيم القيم، ورفيع الأخلاق، فالبعض من الأمور يُسْتَحيا منها؛ لأنها تنقِّص بهذا المستوى، وإن لم تكن في مستوى الذنوب، أو المعاصي، أو الرذائل، أو المفاسد، وقد يعاب الإنسان ببعض الأمور التي فيها نقص من قيمه، من مستوى أخلاقه، وإن لم تصل بعد إلى درجة الذنوب أو المعاصي.

فالحياء خُلُقٌ رفيع وعظيم، مهمٌ للرجال وللنساء، وهو من أهم المميِّزات للمرأة، يأتي إلى سلوكها، إلى تعاملها، إلى مستوى حشمتها، إلى طريقة حركتها في الحياة، حتَّى في مشيتها: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}[القصص:25]، فهذا الخُلُق العظيم المهم هو يجمع مجموعةً من مكارم الأخلاق.

كذلك ما كان عليه الشيخ الصالح (والد الفتاتين)، من- كذلك- من مكارم الأخلاق، واهتمامه بالمكافأة على المعروف، هذا أيضاً من مكارم الأخلاق: التقدير للمعروف، والمكافأة على المعروف، من مكارم الأخلاق المهمة، من المروءة هو، من مروءة الرجل، ومن كرم أخلاقه أن يقدِّر المعروف، وأن يكافئ على المعروف، شهامة، شهامة وقيم عظيمة، {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[القصص:25].

بعد ذلك، وفيما نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" ضيفٌ عند ذلك الشيخ الصالح؛ ليكافئه على معروفه، وفي تلك الأثناء اقترحت ابنة الشيخ الصالح- إحدى ابنتيه- مقترحاً مهماً لأبيها، وبادرت إلى هذا المقترح: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}[القصص:26]، بادرت إحدى ابنتي الشيخ الصالح بهذا المقترح لأبيها: بالاستئجار لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" للعمل معه، أجيراً خاصاً، بناءً على تقييم دقيق، ومعيار صحيح من جهتها، بفطنتها ووعيها عرفت عن موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" صفات عظيمة ومهمة، أثناء مبادرته للسقي لهما، واهتمامه بأمرهما، وطريقة تعامله معهما أثناء السقي، وما بعد ذلك، وحتَّى حينما ذهبت لإبلاغه الدعوة، وذهب معها إلى والدها، في الأخبار أنَّه طلب منها أن يتقدَّم هو ويمشي قبلها، وهي تعدِّل له في الطريق: يمين، يسار... إلى غير ذلك، حتَّى يصل إلى منزلهم، فلاحظت هي في تعامله منذ البداية، مع حشمتها، وعفتها، وصونها لنفسها، لكن بالفطنة، وبهداية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، تدبير الله وراء كل ذلك؛ إنما يجري الله الخير على أيدي أهله، فهي تنبَّهت لهذه المؤهلات والقيم المهمة جدًّا.

وحتَّى أثناء تواجده في منزلهم، عادةً ما يتَّضح واقع الإنسان في تصرفاته، في طريقة تعامله، في كلامه، في أعماله، يتَّضح واقعه إذا كان إنساناً جيِّداً، يتَّصف بمكارم الأخلاق، بقيم معيَّنة، قيم تبرز في واقع الإنسان في أعماله وتصرفاته.

ولذلك هي عرفت ما هو عليه من المواصفات المهمة؛ فقدَّمت لوالدها هذا المقترح المهم: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}[القصص:26]، يعني: خير من تستأجره هو من يتَّصف بهاتين الصفتين: (القوَّة، والأمانة)، وفعلاً تعتبر هاتين الصفتين من أهمِّ الصفات للمهام والأعمال: القوَّة، والأمانة.

ولهذا القوَّة من حيث هي كمفهوم عام يتعلَّق بأي مهمة، هي: امتلاك القدرة على القيام بتلك المهمة، وامتلاك القدرة على كل المستويات، يعني: القدرة النفسية، الذهنية، البدنية، التي تساعد الإنسان على القيام بتلك المهمة المطلوبة منه.

كذلك فيما يتعلَّق بالأمانة، من أهم الصفات، الأمانة من أهم الصفات، وهي أيضاً بمفهومها الكامل: بما يتعلَّق بالحفاظ على الأشياء والرعاية لها، يعني: مفهومها الكامل يشمل الرعاية والحفظ، الرعاية والحفظ، والأمانة من أهم المواصفات؛ ولهذا هي ذات أهمية كبيرة جدًّا باعتبارها أيضاً من القيم الرفيعة، والعظيمة، والمهمة، التي يتحلَّى بها الإنسان، ويلتزم بها في حياته، مهمة للإنسان كإنسان، مهمة في كلِّ مجالات العمل، في كلِّ المسؤوليات في هذه الحياة، ذات أهمية كبيرة للنجاح، للفلاح، لاستقامة أمور الناس، للنجاح على المستوى الشخصي، والنجاح على المستوى الجماعي: لأُمَّة، لدولة، لشعب، لقبيلة، لمنظَّمة، لمؤسسة، لجمعية، حيثما كانت الأمانة، يكون النجاح، فإذا فُقِدَت الأمانة تكون الخسارة؛ لأن البديل عن الأمانة هو الغش والخيانة، وهذا من أكبر أسباب الخلل والفشل في أي مجال من مجالات العمل، في أي مسؤولية من المسؤوليات، في أي وضع، في أي مستوى، يعني: من مستوى الأسرة، إلى مستوى مسؤولية، إلى مستوى المجتمع... في أي نطاق، للأمانة الأهمية الكبرى.

فإذا اقترنت القدرة المتكاملة فيما يتعلَّق بالمهمة المطلوبة نفسها، من حيث: القدرة الذهنية، والقدرة النفسية، والقدرة البدنية، يجمع ذلك عنوان القوَّة، واقترن معها الأمانة، هنا تتوفَّر أهمّ المعايير للمسؤوليات وأدائها.

فالأمانة مهمة جدًّا في القيم العظيمة، في مكارم الأخلاق، لتحمُّل المسؤوليات، ولأهمية الأمانة أتى الحديث عنها في القرآن الكريم ليعنون بها كل مسؤولياتنا في هذه الحياة؛ لأن كل مسؤولياتنا في هذه الحياة، مسؤولياتنا الدينية، وكل مسؤولياتنا في الأخير هي مسؤوليات دينية، مسؤولياتنا الحقيقية تتعلَّق بها التزامات من ديننا، من توجيهات الله، من تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومسؤولياتنا في هذه الحياة هي في ما ائتمننا الله عليه مما استخلفنا فيه في هذه الأرض؛ ولهذا أتى العنوان الكبير للأمانة في القرآن الكريم؛ لتعلُّقه بمسؤولياتنا في الحياة، فقال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ليقدِّم لنا مثلاً عجيباً عن عظم المسؤولية، ومستوى أهميتها، قال "جَلَّ شَأنُهُ": {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ}[الأحزاب:72]، الجبال بحجمها الكبير جدًّا، {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}[الأحزاب:72]، فالأمانة تتعلَّق بكل ما ائتمننا الله عليه، واستخلفنا فيه، في كل مسؤولياتنا في هذه الحياة، وفي كل ما بأيدينا مِمَّا مكننا الله فيه، واستخلفنا فيه، تتعلَّق به الأمانة، حتَّى في نفس الإنسان، أنت متحمَّل مسؤولية الأمانة فيما أعطاك الله من حواس:

- حاسة البصر، عليك فيها مسؤولية تتعلَّق بها أمانة، فلا تستخدم هذه الحاسة التي من أعظم نعم الله عليك في الخيانة، في المعاصي، التي لها أضرارها على نفسك، على زكاء نفسك، على أعمالك، على مجتمعك، وعلى الحياة من حولك.

- حاسة السمع.

- نعمة اللسان والبيان.

- نعمة الجوارح والأعضاء: (اليدين، الرجلين...)، كل هذه الحواس والأعضاء والجوارح، التي وهبك الله.

- الطاقات والقدرات الذهنية والبدنية والنفسية، حينما منحك الله ذكاءً، لا تسخِّر ذلك، وتخون الله فيه فيما فيه معصية، فيما فيه مضار، فيما فيه مفاسد.

وهكذا في غير ذلك، يعني: ما أودعك الله في نفسك، وأتمنك عليه، وما في محيطك، بدءاً من محيطك الأسري، في مسؤولياتك تجاه ذلك، ثم على نطاقٍ أوسع، بحسب مسؤولياتك ودورك في هذه الحياة، هذا كله تتعلَّق به الأمانة.

ثم في معاملة الناس فيما بينهم، ما يأتمنك عليه أيُّ إنسان، أياً كان هذا الإنسان، وقد ائتمنك على شيءٍ من ماله، أو ممتلكاته... أو أيِّ شيءٍ آخر، كيف تتعامل بأمانة، ولا تخونه في ذلك، وورد في الحديث النبوي أيضاً: ((لَا إِيْمَانَ لِمَن لَا أَمَانَة لَهُ، وَلَا دِيْنَ لِمَن لَا عَهْدَ لَهُ))، وورد في القرآن الكريم أيضاً في التحذير من الخيانة قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[الأنفال:27].

في مقام المسؤوليات العامة، كذلك الأمانة من أهمِّ القيم، المسؤوليات الجهادية، سواءً في العمل، أو في الإمكانات، الأمانة من أهمِّ القيم، والبديل عن الأمانة هو الخيانة، هو الغش، وهو وزر كبير، والخيانة أيضاً من المساوئ الكبرى، التي لها آثارها السيئة على الإنسان: تدمِّر زكاء نفسه، تدمِّر قيمه، وشرفه، وكرامته، وفي نفس الوقت يترتب عليها مشاكل في الحياة، اختلالات رهيبة في حياة الناس، في العلاقة فيما بينهم، في المسؤوليات وأدائها، في مستقبل الناس عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

فعندما ركَّزت تلك الفتاة في مقترحها لأبيها على هذين العنوانين: (القوَّة، والأمانة)، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}[القصص:26]، على ما هي عليه من حياء، والحياء يجمع مكارم الأخلاق الأخرى، ويدل على التربية الصالحة، والنفس الزاكية، لديها فطنة أيضاً، تمتلك الفطنة، الفهم، الوعي، هذا ما ينبغي أن تكون عليه المرأة المسلمة، فيما تمتلكه من الحياء، والتربية الصالحة، وفيما تمتلكه من الوعي والفهم، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}[القصص:26].

وهذا المقترح كان لمصلحة الطرفين، يعني: لمصلحة تلك الأسرة (الأب وابنتاه)، ولمصلحة أيضاً موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ":

- ذلك الشيخ الصالح وابنتاه بحاجة فعلاً إلى أجيرٍ موثوق، يمتلك هاتين الصفتين: القوَّة والأمانة، بمستوى أن يتولَّى القيام بشؤون تلك الأسرة الكريمة؛ لأن المسألة فعلاً تتطلَّب في واقعهما من يقوم بالاهتمام بأمرهم كأسرة.

- وموسى من جانبه بحاجة إلى أن يتوفَّر له ما سيتوفر من خلال هذا المقترح: من سكن، من ظروف معيشية مناسبة، في ظل أسرة جيِّدة، بل حتَّى في ظل رعاية أبوية من ذلك الشيخ الصالح.

وهنا بادر ذلك الشيخ الصالح أيضاً بطريقة وبرأي في مسألة الاستئجار، وكيفية هذا الاستئجار، في غاية الصواب، {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}[القصص:27]، {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} يعني: ثمان سنوات قمرية، الحجج: هي سنوات قمرية، {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا}[القصص:27]، يعني: عشر سنوات، {فَمِنْ عِنْدِكَ}[القصص:27]، يعني: لك الحُرِّيَّة في ذلك، ويكون تبرعاً منك، وليس إلزاماً، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ}[القصص:27]، باقتراح هذه الزيادة، وفي المعاملة لك خلال فترة هذا الاستئجار، وهذا من مكارم الأخلاق، هذا من مكارم الأخلاق في التعامل، في العقود والمعاملات: توخِّي التعامل على أساس العدل، وعلى أساس الرحمة؛ لأن المشقة، البعض من الناس قد يتوخَّى المشقة، قد يتعمَّد التعامل بمشقة؛ همه أن يحقِّق لنفسه المكاسب، ولا يراعي الطرف الآخر بأيِّ مراعاة.

{سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}[القصص:27]، فهو يطمئنه بأنَّه سيجده في طريقة تعامله معه، وفي رعايته له: {مِنَ الصَّالِحِينَ}[القصص:27]، والصلاح عنوان عظيم، وجامع لكلِّ مكارم الأخلاق، ولكلِّ المبادئ العظيمة والقيم العظيمة، الصلاح عنوان مهم جدًّا، ومراتب الناس في الصلاح متفاوتة، وله أهميته الكبرى في المعاملة، وحينما يكون الصلاح هو أساس ينطلق منه الإنسان في معاملته مع الناس؛ فهو يتعامل معهم بالخير، يتعامل معهم بالعدل، يتعامل معهم بالرحمة، يتعامل معهم انطلاقاً من مكارم الأخلاق التي يحملها، فالصلاح أساس عظيم في التعامل فيما بين البشر، وفي نفس الوقت يقيهم الكثير من المشاكل في المعاملة فيما بينهم.

فهذا العرض هو يجمع لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" الكثير من الخير، يعني: يتوفَّر له من خلال هذا العرض:

- السكن، والمأوى.

- والزوجة، هو بحاجة إلى أن يتزوج، هو كان في ذروة شبابه، وكمال شبابه، وكمال قواه وطاقته، في أمسِّ الحاجة إلى الزواج.

- ويتوفَّر له أيضاً المعيشة، والاستقرار.

- والعمل، وهو بحاجة إلى أن يكون له عمل يعتمد عليه، كمصدرٍ لتوفير متطلبات حياته.

والعمل له أهمية حتَّى لاعتبارات كثيرة بالنسبة للإنسان، ليس فقط لاعتبار ما يترتب عليه من مصادر الدخل، من توفير المتطلبات الأساسية؛ بل تتعلَّق أيضاً بالجانب النفسي للإنسان، يعني: الإنسان الذي لديه اهتمام كبير وإدراك لقيمة هذه الحياة، لا يستسيغ لنفسه أن يبقى في حالة فراغ، يحرص على أن يكون في إطار عمل، والعمل نطاق واسع، يعني: أحياناً البعض من الناس لماذا هو في حالة فراغ؟ لأن لديه فهماً ناقصاً فيما يتعلَّق بالعمل، يعني: لديه تصوُّر معيَّن في مسألة العمل المناسب له، وعادةً ما يكون هذا التصور إمَّا ناشئ عن عقدة نفسية، أو اعتبارات شخصية غير صحيحة، غير دقيقة.

مثلاً: في قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، كان في مصر ربيب القصر الفرعوني، وبالتأكيد الأعمال المتاحة له هناك، والأدوار في إطار اعتباري رفيع، هنا في مدين سيقوم بمهمة رعي الأغنام، والسقي لها، والاهتمام بشؤون أسرة، شؤونها الحياتية والمعيشية، الكثير من الناس- مثلاً- قد تكون هذه الفجوة ما بين دور ودور، وعمل وعمل، كارثة عنده، طامة كبرى بالنسبة له، بل غير ذلك، يعني: البعض من الناس- مثلاً- تصوره الدائم أن يكون العمل دائماً عمل وظيفي، مكتبي، إداري، لا يبذل فيه أي جهد بدني، وهذا من الكوارث الكبرى حتَّى في مجتمعنا اليمني، ولاسيَّما في مخرجات التعليم العام، المدارس والجامعات، في الذهنية العامَّة للطلاب، سواءً في الجامعات، أو في المدارس، ولاسيَّما في التخرج من المرحلة الثانوية، هي وظيفة، وظيفة إدارية، أو وظيفة تعليمية في الأغلب، ولكن الوظائف الإدارية المكتبية، التي سيجلس فيها على كرسيٍ وطاولة، ولا يبذل أي جهد بدني، وفي فترة عمل محدودة جدًّا، وأداء باهت، وضعيف، ومحدود، ارتبطت الحالة الذهنية والطموحات الشخصية عند أكثر الناس بهذا: كيف يصل إلى هذه النتيجة؟ وبالتالي يعتبر نفسه فاز، وأمَّن مستقبل حياته، كيف يمكن لأي شعب أن ينهض بذلك؟!

معظم الأعمال هي أعمال ذات جهد بدني، يعني: عندما نريد نهضة للشعب، فالنهضة تتعلَّق بالصناعة، والزراعة، والأعمال، الأعمال ذات الجهد البدني في الحياة، إذا فَقَد الناس الروح العملية، وأصبحت التربية النفسية، والطموحات الشخصية مشبعة بالكسل، والفتور، والتواني، والرغبة في الراحة الدائمة، أربعة وعشرين ساعة من دون عمل ولا جهد؛ فهذه إشكالية كبيرة جدًّا، لا يمكن لأي شعب أن ينهض إطلاقاً إطلاقاً.

على كلٍّ، هنا وافق نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" على هذا العرض؛ لأنه عرض فيه الخير الكبير له، {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}[القصص:28]، وهذا كان أخذاً ورداً حول هذه المسألة، ووصلا إلى اتِّفاق تام بذلك، مع تأكيد موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" على أنَّ له الحُرِّيَّة فيما يتعلَّق بإضافة عامين على الثمان سنوات قمرية، في ما يتعلَّق بقوله: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ}[القصص:27]، يعني: هذه المسألة إليه، إذا أراد أن يتم هذا الأجل: الأجل الثاني مع الأجل الأول، فلا بأس؛ وإلَّا فلا يُلزَم بما لم يلتزم به، ليس في إطار التزامه، التزامه في الأساس بالأجل الأول، الذي هو الثمان سنوات.

في ختام ذلك: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}[القصص:28]، هذا درس في المعاملات، من أهم ما يتعلَّق بالمعاملات فيما بين الناس: معاملات الإجارة، معاملات البيوع، معاملات تتعلَّق بأعمال مختلفة... مختلف المعاملات، من المهم أن تقوم:

- على الصلاح.

- على التراضي.

- على العدل.

- على التفاهم.

وفي نفس الوقت على الوضوح، على الوضوح، أن تخلو من كل غموض، حالة الغموض تكون منشأً للخلافات فيما بعد، وللمشاكل فيما بعد.

وكذلك الإثبات للمعاملة، والتذكُّر لرقابة الله، {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}[القصص:28]، هذا درس مهم جدًّا.

وبذلك- بناءً على هذا الاتِّفاق- تمَّت الأمور على هذا النحو؛ موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" دخل في الإيجار، زوَّجه ذلك الشيخ الصالح بإحدى ابنتيه، واستقر في مدين، وقام بمهامه العملية، وعمل كأجير لسنوات طويلة، يعني: إحدى الأجلين، البعض يقول: أنَّه أتمَّ العشر سنوات.

وهنـــا أيضـــاً درس مهـــم:

- فيما يتعلَّق بالعمل، والكسب الحلال، وهذا أيضاً من الأمور المهمة التي نتحدَّث عنها- إن شاء الله- في المحاضرة القادمة.

- وفيما يتعلَّق باستفادة موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" من هجرته تلك، في بقائه المدَّة التي بقي فيها في مدين، في إطار تأهيله، مع حصوله على الأمن والاستقرار ضمن تدبير الله الحكيم.

- ودرس في الهجرة أيضاً؛ لأنه هاجر واستقر هناك فترة سنوات طويلة.

- وأمور أخرى، وتفاصيل أخرى نتركها- إن شاء الله- للمحاضرة القادمة.

نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛