استطلاع: بشرى الغيلي / لا ميديا -
صخبٌ طفولي.. ضحكاتٌ تتحدى قسوة الأيام.. وألوانٌ زاهية ترسم لوحة عيدية تقاوم شحوب الواقع.. جئتُ أحمل شغفي وعدسة صحيفتنا «لا» في حديقة السبعين وبعض الحدائق لأوثق كيف تنتزع الأمهات الفرحة من أنياب المعاناة، لكن عدستي اصطدمت فجأة بحاجز روتيني بارد؛ إذ تم منعي من التصوير وأخذ المقابلات بحجة ضرورة استخراج تصريح مسبق من «غرفة العمليات» لدواعٍ أمنية..! أبرزتُ بطاقتي الصحفية التي يُفترض أن تكون دليلاً كافياً، خصوصاً في أجواء تفيض بالأمان وتؤكد أن «الدنيا سلامات» ولا شيء يستدعي كل هذا التعقيد والتأخير.. و»صحيفة (لا) غنية عن التعريف»، وهذا ما أكدوه لي عند بوابة حديقة السبعين، ولكن للأسف مضت ساعتان من الانتظار الثقيل على رصيف الترقب.. وحين أتت الموافقة الموعودة أخيراً، كانت السماء قد اتخذت قرارها، لتسبقني قطرات المطر بهطول مفاجئ فرّق التجمعات المبهجة، وسرق مني فرصة التوثيق البصري لتلك الوجوه في ذروة فرحتها.
ورغم هذا المطب البيروقراطي وزخات المطر المعاندة، لم تتبلل إرادتنا في نقل الحقيقة، وعبر هذه التفاصيل والمشاهدات الحية، تنقل لكم صحيفة «لا» نبض الشارع، في معادلة عيدية تتأرجح بين قهر الواقع، وتعقيدات الروتين، وعظمة الإرادة اليمانية.

بساطة الممكن وتجاوز الهموم
مشاهدُ حيةٌ سبقت هطول المطر، كشفت لي كيف يتحول العيد هنا إلى ملحمةٍ لانتصار الحياة.. أمهاتٌ يفترشن العشب، وأطفالٌ يركضون كفراشاتٍ ملونة تتحدى خريف الأزمات، في تحايلٍ مبهر لصناعة الفرح من خيوط المتاح.. غير أن هذه اللوحة النابضة تُصدم بغصة واقعٍ خدمي بائس؛ حدائق متهالكة وأقفاصٌ خاوية تسرق دهشة الطفولة، وسط تناقضٍ يحرسه بصمت وتفانٍ جنودٌ مجهولون وهبوا إجازتهم لطمأنينة العائلات.
ترفض الأمهات الاستسلام لضغوط الحياة، حيث تجد كل أم طريقتها الخاصة لخلق مساحة من السعادة لأطفالها.. تقول أم إبراهيم: «خرجت أدي الجهال يفرحوا بالعيد ونعيش الفرحة باللي معانا وفي حدود إمكانياتنا، مش ضروري نشتري أشياء غالية عشان نفرح، السعادة الحقيقية في بساطة الممكن والرضا به، وهذه هي الرسالة اللي أحاول أغرسها في نفوس عيالي».
ومن زاوية أخرى، ترى أم صفاء في العيد فرصة للهروب من الضغوط، مؤكدة: «أول ما نويت أخرج الجهال للحديقة عاهدت نفسي أخلي كل الهموم المادية وراء ظهري، ركزت بس على مراقبة ابتسامة عيالي وهم يركضوا ويلعبوا.. هذا الاندماج يكسر حاجز العزلة عندهم وما نشتيش نطمس فرحتهم بالهموم».
وتتفق معهن أم عبدالله التي تعتبر الخروج تحدياً للظروف، وتقول: «أنا أحرص كل عيد أشل عيالي نخرج نتنزه وأرفض تماماً أربط قسوة الظروف بحرمانهم، اللمة الدافية والضحكات هي اللي تصنع الفرحة وما تعترفش بالزلط.. ورسالتي لكل أم: اخلقي السعادة من العدم وباتحسي بفرق ينعكس على روحش وطاقة جهالش».

فرحة الطفولة
وتشاركنا أم نادية رأيها قائلة: «بصراحة تامة الفرحة الصدق رجعت حكر على الجهال أما إحنا الكبار فقد ضاعت بهجتنا وسط زحام المسؤوليات والهموم المتراكمة.. بالنسبة لي العيد ما يكتمل ولا تبان معانيه إلا لما أشوف عيالي مبتهجين وعيونهم تلمع بالفرح، سعادتهم هي الانعكاس الوحيد لسعادتي وبدون ابتسامتهم يفقد العيد حلاوته».

حدائق مجانية
وترى أمل وشقيقتها أم فاطمة أن «خروج العيال واجب مهم من أساسيات العيد وتعظيم لشعائر الله، وما يمنع أن الأم تشل عيالها حتى للحدائق المجانية اللي في الحارات، فالفرحة باللي موجود ما تحتاج تكاليف باهظة».
وتضيف شقيقتهما أم محمد ضاحكة: «من أيام رمضان وابني يزن فوق رأسي خرجيني الحديقة يا ماه، وإلا ما يسبرش العيد».

أوسمة لجنود مجهولين
رغم النقص في التجهيزات، إلا أن هناك لوحة أخرى تتشكل بفضل جهود القائمين على التنظيم والأمن.. تتحدث سلوى المصباحي (ربة بيت) عن تجربتها التي جمعت بين التدبير المنزلي والشعور بالأمان: «كأم أؤمن أن العيد بهجة نصنعها بأيدينا، جهزت غداء لأسرتي وكعك العيد، وحملت أطفالي للحديقة لنفترش الفرح.. وما ضاعف طمأنينتنا هو تواجد رجال الأمن والمرور وعمال الحديقة الذين هيأوا لنا بيئة آمنة ونظيفة، هذا الاهتمام يجعل لبهجتنا طعماً يمانياً أصيلاً».
ويختتم أبو رعد الأعنابي هذا الرصد بتوجيه التحية لمن يقفون خلف الكواليس، ويقول: «ذهابنا للحديقة أشبه بانتزاعٍ للحياة، وما جعل اللوحة تكتمل هي الجهود الجبارة للجنود المجهولين».
ويضيف: «لفت انتباهي تفاني عمال النظافة وسط الزحام، ويقظة رجال الأمن والمرور الذين تخلوا عن إجازتهم ليحرسوا طمأنينتنا، بالإضافة لطواقم الهلال الأحمر اليمني.. فرحتنا هي ثمرة لتعب هؤلاء، وهم من يستحقون وسام العيد بامتياز».

حديقة بلا حيوانات!
وفي مقابل محاولات العائلات المستميتة لصناعة الفرحة، تصطدم هذه الجهود بواقع بائس ومرافق تفتقر لأبسط مقومات الترفيه..
عمار الشطفة ينقل لنا صورة محزنة عن وضع حديقة الحيوان، قائلاً بمرارة: «زرت الحديقة وما بش فيها شي يفتح النفس، تخيلوا ساروا يطرحوا كلاب في مكان التماسيح، وتيوس في قفص الوعل، وماعز بدل المها، وبط في مكان النعامة! ضحك على الدقون، أما النعام والمها ماتين كلهن لعدم القدرة على توفير الأكل، وساروا يحنطوهن!».
ويضيف الشطفة واصفاً بقية الحيوانات والألعاب: «الأسود والنمور راقدة واصل من 9 الصبح لا حين خرجت 12 الظهر، ما بش إلا الضباع وقع بينهن شجار والناس بتصور.. حتى باقي الحدائق ألعابهـــــا حق زمان من قبل 20 سنة، لا جديد ولا تطوير يخلي الجهال يفرحوا من صدق».

4.7 مليون زائر
جهودٌ مضنية تقف خلف هذا المشهد المكتظ، يوضحها مدير عام الحدائق والمتنزهات بأمانة العاصمة، رامي الجندي، الذي أشاد في بداية حديثه بدور صحيفة «لا» في تسليط الضوء على الواقع في الميدان.
يقول الجندي: «الفرحة في حدائقنا ليست مجرد احتفال، بل رسالة حياة تجلت بوضوح في الإقبال المهول؛ استقبلنا خلال أيام العيد السبعة قرابة 4 ملايين و760 ألف زائر. تركزت الكثافة في حديقة السبعين بنسبة 42٪، تلتها حديقة الثورة بـ27٪، وحديقة الحيوان بـ13٪، وتوزعت البقية على 69 حديقة بمختلف المديريات».
ويضيف الجندي موضحاً حجم التحدي: «هذا التوافد المليوني استنفر لأجله أكثر من 415 كادراً من موظفين وعمال نظافة وفنيين، واصلوا الليل بالنهار لرفع أكثر من 661 متراً مكعباً من المخلفات، مع رقابة صارمة على مشغلي الألعاب لضمان سلامة أطفالنا. تحقق هذا النجاح بتنسيق فعال مع رجال المرور وأمن الأمانة والمنشآت ومكتب الصحة، لتأمين المداخل ومنع التدافع لتبقى القلوب مطمئنة وحركة السير انسيابية، فإبراز الوجه المشرق لصنعاء وخدمة المواطنين هي أسمى أوسمتنا».

خلاصة المشهد
تطوى صفحة العيد في صنعاء تاركةً خلفها مفارقاتٍ تروي الكثير؛ بين إرادة أمهات ينسجن الفرحة من خيوط المستحيل ويصنعن أجواء مبهجة لأنفسهن، وواقع خدمي يئن في بعض مرافقه تحت وطأة التهالك، وجهود أمنية ورسمية تحاول استيعاب ملايين الباحثين عن الابتسامة.. ورغم كل التحديات وزخات المطر والروتين المتعب، تبقى ضحكات الأطفال هي العيد الحقيقي، ويبقى التساؤل الملح برسم الجهات المعنية: ألا يستحق هذا الشعب العظيم الذي يصنع الحياة من العدم، متنفساتٍ تليق بحجم صموده وإصراره على الفرح؟