عادل بشر / لا ميديا -
بعد شهر من العدوان الأمريكي- "الإسرائيلي" على الجمهورية الإسلامية في إيران، وما يرتبط به عدوان على لبنان والعراق، خرجت صنعاء من مترس المراقب المتأهب الذي يضع يده على الزناد، إلى الانخراط المباشر في المعركة. دخول لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان مؤجلاً؛ لكنه حين وقع، جاء بحجم تحول استراتيجي على مستوى طبيعة الحرب نفسها واتجاهاتها المقبلة، لا مجرد خطوة إسناد.
هذا التطور، الذي جاء بعد ترقب طويل، يقرؤه الدكتور محمد جرادات، الباحث الفلسطيني في الشؤون السياسية والتاريخية، باعتباره خطوة كانت "مسألة وقت"، ضمن سياق اصطفاف محور المقاومة في مواجهة مشروع أوسع يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشروع "إسرائيل الكبرى".

دخول محسوب.. لا إسناد ثانوي
يرى جرادات، في حديثه مع "لا"، أن دخول صنعاء في هذا التوقيت لا يمكن اختزاله في إطار "الإسناد الرديف" أو الدور الثانوي، وإنما يتجاوز ذلك إلى كونه تعبيراً عن شراكة ميدانية وفكرية وسياسية متكاملة داخل محور المقاومة.
وأوضح أن "الدور المركزي لليمن، وتحديداً أنصار الله وحكومة صنعاء، في إسناد غزة والقضية الفلسطينية منذ بدايات العدوان، معروف ومشهود، وتُرجم ذلك في الميدان عسكرياً واجتماعياً وشعبياً، وهاهم اليوم يُجددون الحضور والفعل العسكري المباشر في إسناد المنطقة ومواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي ضد أمتنا".
ويؤكد جرادات أن التوقيت يحمل دلالات استراتيجية؛ "إذ يبدو منسجماً مع تنسيق أوسع داخل المحور، خاصة مع إيران، باعتبار أن اليمن يمثل إحدى البؤر الرئيسية والمركزية في عين محور المقاومة الممتد عبر الشرق الإسلامي كله، بما يخدم ما يُعرف بالاستراتيجية الدفاعية الفسيفسائية، القائمة على تعدد الجبهات وتوزيع الضغط على الخصم، بما يربك حساباته ويستنزف قدراته".
في هذا السياق، يبرز البعد الأهم في الموقف اليمني، وهو إعادة تثبيت مركزية فلسطين في قلب المعركة وفي قلب التحدي. فصنعاء، وفق الباحث جرادات، تربط خياراتها السياسية والعسكرية وحتى الفكرية، بمظلومية القضية الفلسطينية، وتعتبرها البوصلة التي تحدد اتجاه الاشتباك، وهو ما ينعكس اليوم في انتقالها من الإسناد غير المباشر إلى المواجهة الصريحة.

جغرافيا تقلق واشنطن
أما عن الإضافة التي يمثلها الانخراط اليمني إلى جانب جبهات لبنان والعراق، فيؤكد الدكتور محمد جرادات أن اليمن يمتلك عناصر قوة نوعية، أبرزها موقعه الجيوستراتيجي الحساس، خاصة إشرافه على مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم. 
وفي ظل حرب تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، تصبح المضائق البحرية -من هرمز إلى باب المندب- نقاط ضغط حاسمة على المصالح الأمريكية والغربية، خصوصاً في ما يتعلق بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وهنا، يبرز الدور اليمني كعامل قادر على إحداث اختلالات مؤثرة في ميزان المصالح، وليس فقط في ميزان النيران.
كما يشير جرادات إلى أن اليمن يشكل أيضاً عامل كبح تجاه الدور السعودي، باعتبار هذا الدور حليفاً رئيسياً لواشنطن في المنطقة، ما يضيف بعداً سياسياً إلى تأثيره العسكري. فحضور صنعاء في المعركة لا يقتصر على ضرب الأهداف، وإنما يمتد إلى إعادة رسم حدود النفوذ والتحالفات.
وبحسب تقديره، فإن الدور اليمني مرشح للتصاعد مع تطور مجريات الميدان، خاصة في ظل توقعات بإطالة أمد الحرب، ما يمنح صنعاء فرصة أكبر لتفعيل أدواتها ضمن استراتيجية دفاعية متكاملة في مواجهة العدوان.

حرب بلا سقف
وفي قراءته لمسار الحرب، يذهب الباحث الفلسطيني في الشؤون السياسية والتاريخية إلى توصيفها بأنها "حرب بلا سقف"، تتسع جغرافياً وزمنياً، وتقترب من نموذج الحرب الإقليمية الشاملة. ويرى أن الخطاب الأمريكي، وما وصفها بـ"تهريجات ترامب وهرطقاته الإعلامية التي يتحدث فيها عن مفاوضات وحلول، باتت معروفة، وكل هذه الأكاذيب لا تعدو كونها محاولة لتهدئة الداخل الأمريكي وضبط تداعيات الحرب اقتصادياً وسياسياً".
في المقابل، تشير الوقائع الميدانية -بحسب الدكتور جرادات- إلى تآكل تدريجي في قدرة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على تحقيق أهدافهما. فالنظام الإسلامي الثوري الذي كان الهدف المركزي للهجوم، لم يسقط، بل على العكس من ذلك، تعززت مكانة هذا النظام وموقعه الداخلي وشرعيته السياسية، فيما بدأت الجبهة الداخلية في أمريكا والكيان "الإسرائيلي" تشهد تراجعاً ملحوظاً في التأييد الشعبي للحرب، وخرج ملايين الأمريكيين للتظاهر ضد "ملكية ترامب".
ويستشهد جرادات بتغير المزاج العام داخل "تل أبيب"، إذ انخفضت نسبة مؤيدي الحرب بشكل لافت، فبعد أن كان 96% من المستوطنين يؤيدون هذه الحرب في اليوم الأول، بات أكثر من 53% يرفضونها، مع تصاعد القلق من تداعياتها على الحياة اليومية، في ظل فشل إدارة رئيس حكومة الاحتلال في التعامل مع تداعيات المواجهة.

تحولات ميدانية وصواريخ تغير المعادلة
على المستوى العسكري، يشير جرادات إلى تطور لافت في الأداء الإيراني، خاصة في ما يتعلق بالقدرة على اختراق منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، واستهداف مواقع حساسة داخل العمق "الإسرائيلي"، بما في ذلك منشآت بتروكيماوية ومراكز أمنية واستراتيجية صهيونية.
ويضيف جرادات: "هذه التحولات، إلى جانب استهدافات طالت بنى عسكرية أمريكية في الإقليم، سواء على مستوى ضرب مرابض طائرات التزود بالوقود وطائرات الإنذار المبكر الأمريكية في قواعد بالسعودية، أو أماكن تجمعات قوات أمريكية بالمنطقة، كل تلك الأهداف بات ممكناً ضربها، بعد أن كان حلماً استهدافها".
لذلك -وفقاً للباحث جرادات- من الواضح أن هذه المعركة تتسع. وفي مقابل النجاحات الإيرانية ومحور المقاومة، فإن القدرات الأمريكية و"الإسرائيلية" باتت كل يوم أضعف مما كانت قبله، بعكس "ما يروج له ترامب ونتنياهو والجوقة السياسية والإعلامية في الغرب وفي العالم العربي".

سيناريوهات مفتوحة وفلسطين في قلب الرهان
في ضوء هذه المعطيات، يخلص الدكتور محمد جرادات، الباحث الفلسطيني في الشؤون السياسية والتاريخية، إلى أن الحرب مرشحة للاستمرار، مع بقاء نهاياتها مفتوحة على عدة سيناريوهات، تتحدد وفق تطورات الميدان وقدرة كل طرف على فرض شروطه.
غير أن الثابت -في نظره- هو أن هذه المواجهة -مهما طال أمدها- تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، وتضعها مجدداً في صدارة المشهد الإقليمي؛ بل إن أحد أبرز رهانات هذه الحرب، بالنسبة للفلسطينيين، هو أن تفضي -على الأقل- إلى كبح جماح الإجرام والعدوان "الإسرائيلي" في غزة والضفة الغربية.
في المحصلة، يبدو أن دخول صنعاء لم يكن مجرد إضافة رقمية إلى عدد الجبهات، وإنما خطوة نوعية أعادت رسم خطوط الاشتباك، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الأبرز: "تعدد الساحات، ووحدة الهدف".