«لا» 21 السياسي -
لم يعد الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية ومضيق هرمز مجرد أداة ضغط، بل تحول إلى اختبار لوجود النظام الاقتصادي العالمي. تؤكد التحليلات أن واشنطن انتقلت من مرحلة «فشل المفاوضات» (إسلام آباد) إلى مرحلة «فشل إدارة الصراع»، إذ تكتشف إدارة ترامب أن القوة العسكرية التقليدية تعجز عن حماية شريان الطاقة أمام فاعلية محور المقاومة.
تكشف البيانات الاقتصادية والسياسية أن إحدى أهم نقاط ضعف واشنطن القاتلة تكمن في مخزون النفط الاستراتيجي. ومع إغلاق إيران لمضيق هرمز، واجهت الولايات المتحدة كارثة أزمة السبعينيات، إذ نزف المخزون الأمريكي بعد أن اضطر ترامب لسحب 172 مليون برميل (حوالى 43% من المخزون البالغ 400 مليون برميل)، وتسارع السقوط بعد سحب 45 مليون برميل كدفعة أولى في نيسان/ أبريل 2026، بمعدل 4 ملايين برميل يومياً، ما دفع الشركات الأمريكية لطلب استعادة المخزون بفائدة 22% (آلية تبادل المخزون)، وهو أمر مستحيل تقنياً في ظل نقص المعروض.
وهذا ما جعل اتفاق وقف إطلاق النار (8 نيسان/ أبريل) أقرب إلىطوق نجاة للاقتصاد الأمريكي من الانهيار الكامل والعودة للقرون الوسطى، كما يؤكد سامح عسكر.
من جهة أخرى، ووفقاً لـ(USNI News) وتقارير الخبير العسكري اليمني العميد مجيب شمسان، سُجل تحول تاريخي: تجنبت حاملة الطائرات «يو إس إس جورج دبليو بوش» وثلاث مدمرات مرافقة لها (روس، دونالد كوك، ميسون) المرور عبر باب المندب، وسلكت طريق رأس الرجاء الصالح، هرباً من سيناريو الحاملة «جيرالد فورد» التي اشتعلت فيها النيران 30 ساعة قبالة سواحل ينبُع الشهر الماضي، في رسالة «صامتة» من صنعاء أدت مفعولها بلا ضجيج.
وفي تحليل لتياغو فينتورا في (The Times) البريطانية، أكدت المحللة إيميلي هولاند أن التهديد اليمني في باب المندب خلق إشارة سوقية قاتلة. وتدعم بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) هذا الواقع:
• انخفاض تدفق النفط عبر باب المندب من 9.3 مليون برميل يومياً في 2023 إلى 4.2 مليون برميل في الربع الأول من 2025.
• ارتفاع تكاليف التأمين وتغيير المسارات أطال زمن الرحلات 10 أيام، ما تسبب في خلل هيكلي في سلاسل الإمداد العالمية.
تزامناً مع ما سبق، رصدت التقارير («الأخبار» اللبنانية - رشيد الحداد) تحركات مشبوهة للجنرال داغفين أندرس (قيادة أفريقيا - AFRICOM) في «هرجيسا»، لإنشاء قاعدة في «أرض الصومال» مقابل باب المندب، كما عيّنت «تل أبيب» ميخائيل لوطم كأول سفير لها في صوماليلاند، بحثاً عن ضمانات أمنية لمواجهة «المتغير الأكثر خطورة» (القوة البحرية اليمنية) بحسب قناة «كان» الصهيونية، فيما رصدت «وول ستريت جورنال» (سمر سعيد وجاريد ماسلين) ضغوطاً سعودية على واشنطن للعودة للتفاوض، خشية من «الخنق المزدوج» (هرمز شمالاً وباب المندب جنوباً) الذي يشل ميناء ينبُع.
يرى المحللون (خليل القاضي ولطفي العبيدي) أن الصراع انتقل من العسكري إلى الزمني والاقتصادي. صنعاء أرسلت رسائل «صامتة» وقوية بأن حصار هرمز سيعقبه إغلاق كامل لباب المندب، وهو ما حسم المعركة بسرعة.
وبينما يتحرك ترامب بارتباك استراتيجي، تدير إيران واليمن عنصر الزمن ورفع الكلفة، فيما تنتظر الصين بهدوء لحظة إعادة ترتيب النظام العالمي.
أثبت الميدان أن شروط محور المقاومة = استقرار الاقتصاد العالمي. إن المعادلة التي أجبرت واشنطن على وقف العدوان هي إدراكها أن «قصبتها الهوائية» -نفطاً وطاقة- بيد محور المقاومة، وأن النفوذ الذي يمر عبر الموانئ والمضائق بات أقوى من القواعد العسكرية، وهو نفوذ يفرض نظاماً أمنياً جديداً يجعل الاستكبار يفكر ألف مرة قبل العبور ما بين البحرين: الأحمر والأزرق.