بعد عقد من العدوان على اليمن .. الكونجرس: صنعاء لا تزال خصماً صلباً وترامب في معضلة استراتيجية ثلاثية
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
«الحوثيون» أكثر صلابة والتحالف المناهض لهم مفكك وضعيف
عادل بشر / لا ميديا -
بعد أكثر من عقد على العدوان السعودي الإماراتي الأمريكي على اليمن، تبدو الولايات المتحدة أمام حقيقة ثقيلة، وهي أن صنعاء، التي راهن تحالف العدوان على إسقاطها في غضون ثلاثة أسابيع فقط، مطلع العام 2015، لم تسقط، وبالعكس من ذلك زادت قوة، وفي المقابل أُصيب التحالف بالفشل والتفكك، فيما تراجعت قدرة واشنطن على فرض معادلاتها في البحر الأحمر واليمن معاً.
هذا الاستنتاج قدمته «دائرة أبحاث الكونجرس الأمريكي» (CRS) في تقرير أصدرته، أمس الأول، أقرّت فيه بأن صنعاء ما تزال تمثل «خصماً صلباً» للولايات المتحدة وشركائها، وأنها استطاعت، رغم سنوات الحرب والحصار والضربات العسكرية، الحفاظ على قدرتها العسكرية وتوسيع تأثيرها الإقليمي، خصوصاً في البحر الأحمر، أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
التقرير الذي عنونته دائرة أبحاث الكونجرس الأمريكي بـ»حرب اليمن غير المحسومة تُفاقم المخاطر على السياسة الأمريكية»، أفاد بأن «الحرب على اليمن دخلت عامها الثاني عشر؛ لكن الرهانات بالنسبة للسياسة الأمريكية لم تكن يوماً بهذا القدر من الخطورة».
ويشير إلى أن صدور هذا التقرير يأتي في توقيت بالغ الحساسية مع استمرار التوترات الإقليمية واتساع الاشتباك الأمريكي الإيراني. وفي مضمونه لا يُقدم التقرير مجرد قراءة للوضع اليمني، وإنما يكشف -بوضوح- حجم الفشل الذي مُنيت به الاستراتيجية الأمريكية في اليمن، بعد أن عجزت أدوات الضغط الأمريكية -من العقوبات إلى الضربات الجوية والتحالفات العسكرية والمفاوضات المحدودة- عن فرض معادلة الردع أو تحقيق نصر سياسي وعسكري حاسم.
ويعترف التقرير بأن من وصفهم بـ»الحوثيين» لا يزالون «يمثلون خصماً صلباً لمصالح الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة»، مضيفاً أن «قدراتهم العسكرية وموقعهم الاستراتيجي على البحر الأحمر يمنحانهم القدرة على محاولة انتزاع تنازلات من المجتمع الدولي».
هذا التوصيف -وفقاً لمراقبين- يحمل دلالة عميقة تتجاوز اللغة الاستخباراتية المعتادة، فهو اعتراف ضمني بأن واشنطن لم تعد تتعامل مع جماعة محاصرة أو معزولة، وإنما مع قوة إقليمية تمتلك أدوات ضغط حقيقية على الأمن البحري والتجارة الدولية، وتستطيع فرض نفسها كلاعب مؤثر في أي معادلة تخص المنطقة.
حملة أمريكية انتهت بالفشل
ويسترجع التقرير الحملة العسكرية الأمريكية الثانية على اليمن، والتي حملت اسم «عملية راف رايدر» و استمرت بين آذار/ مارس وأيار/ مايو 2025، مشيراً إلى أنها مُنيت بفشل ذريع ولم تحقق أياً من أهدافها الاستراتيجية.
وأفاد التقرير بأن صنعاء تمكنت من الصمود أمام الضربات الأمريكية المكثفة، ولم تؤدِّ العمليات العسكرية إلى إنهاء قدراتها أو وقف نشاطها العسكري خلال معركة إسناد غزة، وأنها وافقت مطلع أيار/ مايو 2025 على وقف إطلاق نار محدود مع واشنطن يخص السفن الأمريكية فقط، دون أن يشمل الاتفاق السفن والمصالح «الإسرائيلية»، إذ استمرت القوات المسلحة اليمنية في حصارها البحري على الكيان الصهيوني بالتوازي مع تنفيذ ضربات بعيدة المدى إلى عمق فلسطين المحتلة، إسناداً لقطاع غزة.
تحالف العدوان يتفكك
وفي موازاة الفشل العسكري، يسلط تقرير دائرة أبحاث الكونجرس الضوء على أزمة أكثر خطورة بالنسبة لواشنطن، تتمثل في التفكك المتسارع للتحالف المناهض لصنعاء، والذي رعته الولايات المتحدة لسنوات باعتباره الأداة الرئيسية لمواجهة من تصفهم بـ»الحوثيين»، إذ يؤكد أن التحالف المدعوم أمريكياً «يشهد حالة تفكك»، لاسيما بعد انفجار الخلافات السعودية الإماراتية علناً أواخر العام 2025، وتطورت إلى مواجهة عسكرية مباشرة، نتيجة دفع الإمارات أدواتها فيما يسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» لفرض سيطرته الأمنية على سيئون وحضرموت، ضمن الصراع على المحافظات المحتلة في الجنوب.
وأوضح أن حكومة المرتزقة، التي يصفها بـ»الحكومة الشرعية»، والمجلس الرئاسي التابع لها، تلقت «ضربة كبيرة» جراء سعي الإمارات للانفصال بجنوب اليمن، ثم انسحابها -ظاهرياً- وترك الساحة لشريكتها في العدوان على اليمن (السعودية) التي قال التقرير إنها «برزت بوصفها الفاعل الخارجي المهيمن».
كما يشير التقرير إلى أن حكومة المرتزقة، رغم الدعم السعودي ومحاولة الرياض احتواء الفصائل التي تدين بالولاء لأبوظبي، لا تزال تعاني من ضعف النفوذ في المحافظات المحتلة، وأن الفصائل والمليشيات المسلحة، متعددة الولاءات الخارجية، تحتفظ بنفوذ واسع على الأرض، في حين تتواصل الاحتجاجات المدفوعة من الإمارات والمطالبة بالانفصال.
معضلة واشنطن
ويخلص تقرير دائرة أبحاث الكونجرس إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تواجه ما وصفه بـ»معضلة استراتيجية ثلاثية» بلا مخرج واضح.
ويحدد التقرير ثلاثة خيارات أمام الإدارة الأمريكية؛ لكن كل خيار يحمل كلفة مرتفعة ومخاطر معقدة، حدّ توصيفه.
يتمثل الخيار الأول في العودة إلى التصعيد العسكري ضد صنعاء، وهو مسار يحذّر التقرير من أنه قد يؤدي إلى «صراع مدمر وتكاليف تشغيلية إضافية ونتائج غير مضمونة».
أما الخيار الثاني فهو القبول بالأمر الواقع، أي استمرار الوضع الحالي، وهو ما يعني -بحسب التقرير- استمرار حالة عدم اليقين والمخاطر الأمنية والإنسانية الملازمة.
ويتمثل الخيار الثالث في التفاوض مع جماعة أنصار الله، وهو ما اعتبره التقرير «إضفاء الشرعية على دور الحوثيين في حكم اليمن».
ويرى مراقبون ومحللون غربيون أن هذه «المعضلة» تكشف حجم التحول الذي فرضته صنعاء على التفكير الأمريكي نفسه؛ إذ لم تعد واشنطن وتحالف العدوان على اليمن قادرين على الحديث عن «هزيمة الحوثيين»، كما في السنوات الأولى للعدوان، وإنما أصبحوا يبحثون عن كيفية إدارة الخسائر وتقليل الكلفة.
وفي هذا السياق، فإن تقرير دائرة أبحاث الكونجرس يُعَد وثيقة اعتراف سياسية وأمنية بفشل مشروع الحرب، وبأن اليمن -رغم العدوان والحصار والدمار- ما يزال قادراً على قلب الحسابات الأمريكية في المنطقة.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا