عادل بشر / لا ميديا -
كشف تقرير استخباري سعودي عما وصفه بـ"الواقع الدفاعي الصعب" الذي تواجهه السعودية، معتبراً أن البيان الأخير للقوات المسلحة اليمنية بشأن تصديها لطيران حربي سعودي حاول اعتراض طائرة مدنية متجهة إلى مطار صنعاء، وما تضمنه من تهديد باستهداف المطارات السعودية والمنشآت الحيوية، أعاد تسليط الضوء على حجم التحديات العسكرية التي تواجهها الرياض في أي مواجهة جديدة مع صنعاء.
وأوضحت منصة "هاوس أوف سعود" الاستخبارية المتخصصة في الشأن السعودي والخليجي، في تقرير تحليلي مطول نشرته أمس، أن محاولة الطائرات الحربية السعودية اعتراض الرحلة المدنية القادمة من طهران إلى صنعاء، فجر أمس الأول، انتهت بالفشل، قبل أن تغادر الطائرة وعلى متنها وفد رسمي من صنعاء للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، الشهيد السيد آية الله علي الخامنئي، أعقبها بيان للقوات المسلحة اليمنية توعّد بـ"ردٍّ شامل" يستهدف المطارات والمصالح الحيوية السعودية براً وبحراً إذا تكرر انتهاك الأجواء اليمنية.
وأكد التقرير أن خطورة التهديد اليمني لا ترتبط بالتصريحات وحدها، وإنما بما وصفه بـ"التراجع الكبير" في القدرات الدفاعية السعودية المعتمدة بشكل رئيسي على الولايات المتحدة، مقابل التطور العسكري المتواصل لصنعاء وما أثبتته في معركة إسناد غزة، أو حتى في التصدي للعدوان السعودي الإماراتي الأمريكي.
وأفاد بأن بيان القوات المسلحة اليمنية "لم يتعامل مع حادثة محاولة اعتراض الطائرة المدنية على أنها احتجاج دبلوماسي أو حادثة كادت أن تتحول إلى مواجهة يمكن حلها عبر قنوات غير رسمية، بل اعتبرها خطاً أحمر رُسم علناً"، وأن التهديد الذي أطلقه البيان صراحة بـ"ردٍّ شامل" يستهدف المطارات السعودية ومصالحها الحيوية، براً وبحراً، من شأنه أن يثير قلقاً كبيراً لدى وزارة الدفاع السعودية، لافتاً إلى أن "أهمية التهديد لا تكمن فقط في ما يعد به، وإنما في ما يكشفه التهديد".
ففي الشأن العسكري أكد التقرير أن حجم الدفاع الجوي السعودي "لا يكفي للدفاع عن الأهداف التي هدد بها بيان صنعاء"، موضحاً أن السعودية "دخلت الصراع الذي شهدته المنطقة" (في إشارة إلى العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران) وهي تمتلك نحو 2800 صاروخ اعتراضي من طراز (PAC-3 MSE)، وهي صواريخ المرحلة النهائية التي تشكل الحاجز الأخير بين الصاروخ الباليستي أو صاروخ كروز القادم والهدف الذي يستهدفه. وبحلول أوائل تموز/ يوليو الجاري، لم يتبقّ لدى المملكة سوى 400 صاروخ، أي ما يعادل 14%، بانخفاض قدره 86%، إذ استهلكت 2400 صاروخ في غضون 16 أسبوعاً.
وأضاف أن الطاقة الإنتاجية لشركة "لوكهيد مارتن" الأمريكية لا تتجاوز 620 صاروخاً سنوياً، ما يعني -بحسب التقرير- أن تعويض ما استهلكته السعودية يحتاج إلى ما يقارب أربع سنوات، في ظل وجود طلبات شراء من دول أخرى.
لكن فاعلية الصواريخ الاعتراضية -وفقاً للتقرير- تعتمد كلياً  على أجهزة الاستشعار التي توجهها، وهذه الأجهزة معطلة، فالضربات الإيرانية بين شباط/ فبراير ونيسان/ أبريل دمرت أربعة رادارات من منظومة (THAAD AN/TPY-2)، قدرت تكلفة استبدالها بنحو 1.2 مليار دولار، فضلاً عن تدمير طائرة الإنذار المبكر الأمريكية (E-3G Sentry) في قاعدة الأمير سلطان الجوية، وهو ما اعتبره ضربة مباشرة لقدرات الإنذار والسيطرة الجوية التي تعتمد عليها المملكة في توجيه صواريخ الاعتراض.
ولفت الموقع إلى أن شبكة الدفاع الجوي السعودية تعتمد كذلك على نحو 2300 عسكري أمريكي في قاعدة الأمير سلطان الجوية لتشغيل منظومة (Link-16) الخاصة بربط الرادارات ومراكز القيادة ومنظومات الاعتراض، ويديرون خلايا إدارة المعارك، ويقومون بصيانة أنظمة باتريوت وثاد، محذراً من أن أي تقليص للوجود الأمريكي سيؤدي إلى فقدان التكامل بين مكونات شبكة الدفاع الجوي.
وشبّه التقرير الفريق الأمريكي بأنه بمثابة "الجهاز العصبي الذي يربط الرادارات والطائرات الاعتراضية ومراكز القيادة في شبكة متكاملة، وبدون الأمريكيين الذين يُشغلونه، يمتلك الجيش السعودي مكونات دفاعية منفصلة لا تستطيع التواصل فيما بينها".

الوصول إلى أرامكو ومطار جدة
وعلى صعيد قدرات صنعاء، استعرض تقرير منصة "هاوس أوف سعود" أرقاماً قال إنها تؤكد قدرة القوات المسلحة اليمنية على الوصول إلى معظم الأهداف الاستراتيجية داخل المملكة، موضحاً أن الطائرة المسيّرة "صماد-3" يتجاوز مداها 1800 كيلومتر، فيما يتجاوز مدى صاروخ "بركان-3" أكثر من 1200 كيلومتر، وهو ما يضع منشآت النفط في بقيق والظهران، إضافة إلى مطارات جدة والرياض، ضمن نطاق الاستهداف.
واستشهد الموقع بالهجوم الذي استهدف منشأتي بقيق وخريص عام 2019، والذي أدى إلى توقف نحو 5% من الإنتاج النفطي العالمي لعدة أيام، وكذلك الهجوم على منشآت أرامكو في جدة عام 2022، معتبراً أن تلك العمليات أثبتت قدرة صنعاء على إصابة أهداف استراتيجية داخل العمق السعودي.
وأفاد بأنه "مع مستويات مخزون صواريخ باتريوت PAC-3 الحالية، فإن السؤال الذي يواجه المخططين السعوديين ليس فقط ما إذا كان بإمكانهم إيقاف صواريخ الحوثيين، القادمة فوق المطارات والمنشآت التي ذكرها البيان، بل ما إذا كان بإمكانهم تحمل عواقب المحاولة".

أهمية عملياتية
وجاء في التقرير: "ما يجعل تهديد الثالث من تموز/ يوليو ذا أهمية عملياتية ملحة -وليس مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من خطاب الحوثيين- هو سابقةٌ رُسّخت قبل أقل من عشرة أشهر، في الأول من أيلول/ سبتمبر 2025؛ فبعد ساعات من تشييع جثمان مسؤولين قُتلوا في غارات إسرائيلية على صنعاء، استهدف الحوثيون ناقلة نفط قرب ينبع، الميناء الرئيسي لتصدير النفط على البحر الأحمر، واصفين الهجوم بأنه "رد أولي"، وهي عبارة مختارة بعناية للإيحاء بأن الرد الكامل لم يُعلن بعد"، مضيفاً: "وقد وثّق مركز مئير أميت للاستخبارات ومعلومات مكافحة الإرهاب الإسرائيلي هذا التسلسل: مراسم الدفن، وخطاب الحداد، والعمليات العسكرية ضد البنية التحتية للهيدروكربونات، كل ذلك في غضون ساعات من دفن الجثامين"، في إشارة إلى أن صنعاء لم تكن ستتسامح في حال تعرضت الطائرة المدنية لأي مكروه.
وخلص الموقع إلى أن "الرياض تواجه الآن احتمال أن يكون خطأ واحد في التقدير قبل الفجر فوق صنعاء، قد قرّبها من مستوى تجنبته بعناية طوال أربع سنوات من الهدنة غير الرسمية"، وأن "النظام السعودي، في وضعه الحالي المتردي، لا يستطيع التعامل مع اشتباكات متزامنة على نطاق واسع".