بشرى الغيلي / لا ميديا -
تشهد أسواق الدواجن والبيض في صنعاء شائعات ومزاعم غير مسبوقة رصدتها «لا» خلال جولة استطلاعية في السوق المركزي؛ حيث تكتظ الأقفاص بالدجاج وتتعالى أصوات الباعة بأسعار مغرية هوت إلى 1000 ريال لأربع دجاجات، ومثلها لطبق البيض. يتجاهل المتسوقون في هذا المشهد شائعة تفشي داء «نيوكاسل» التي أثارت الذعر مؤخراً، مستغلين الانهيار السعري المفاجئ، الذي لم يكن مجرد صدى للهلع، بل تزامن بشكل مباشر مع انتشار موضة ما يُعرف بـ»نظام الطيبات»، هذه الأزمة المركبة خلقت حالة من الفوضى، وتضارباً في تزييف التعميمات الرسمية، ليدفع ثمنها صغار المربين، في حين يغيب دور الجهات الرقابية عن ضبط الأوزان وحماية السوق.. وفي الوقت الذي تتبادل فيه الجهات الرسمية والتجارية الاتهامات وتتضارب البيانات حول حقيقة تفشي مرض «نيوكاسل»، تبدو الصورة في الأسواق ونقاط البيع مغايرة تماماً؛ حيث أسهم الانهيار الحاد في الأسعار في رفع معدلات الشراء اليومية، وسط تجاهل ملحوظ للتحذيرات.

حركة شراء نشطة
يقلل منير يحيى، أحد المستهلكين، من أهمية التحذيرات المتداولة، مؤكداً استمراره في الشراء بشكل اعتيادي. ويقول: «الدجاج المتوفر في السوق سليم، ولم ألاحظ ما يثير القلق، لقد شجعتنا الأسعار المخفضة على مضاعفة الشراء، فالواقع الميداني ينفي شائعات تفشي الأمراض، وغذاؤنا آمن».
ومن جهة نقاط البيع يصف محمد النهاري، صاحب محل تجاري، انخفاض الأسعار بالفرصة الجيدة للمستهلكين، نافياً تأثر المبيعات بالشائعات المثارَة، ويوضح: «حركة الشراء نشطة جداً، والمنتجات التي تصلنا طازجة وخالية من العيوب، والمستهلكون مستمرون في شراء احتياجاتهم اليومية بتجاهل تام لما يُشاع».

غياب الرقابة وفوضى الأوزان
تستبعد مروى العريقي (صحفية) الشائعات المتداولة حول مرض الدواجن، مستندة إلى غياب موقف رسمي حازم، وملاحظتها المباشرة كمستهلكة، وتقول: «لم أجد ما يثير الشك، فاللون والرائحة والطعم كما هي؛ الأخبار المتداولة تبدو مجرد شائعات، لكن الأزمة الحقيقية التي نعاني منها هي فوضى الأوزان والتلاعب المباشر بالمستهلك».
وتلفت العريقي إلى العشوائية في نقاط البيع، مضيفة: «لا يوجد انضباط في السوق؛ فبمبلغ 1000 ريال قد تحصل يوماً على دجاجة كاملة صغيرة، وفي اليوم التالي قد لا تمنحك ذات القيمة سوى نصف دجاجة متوسطة أو صغيرة، نحن تحت رحمة التقدير المطلق للبائع في ظل غياب تام للجهات المعنية بضبط هذا التلاعب المستمر».

المنتجون.. الأزمة اقتصادية!
وعلى مستوى الإنتاج، ينفي تاجر الدواجن والمربي صادق الوجيه، وجود أي بؤر مرضية في المزارع، مرجعاً الأزمة إلى مسارات اقتصادية بحتة.. ويؤكد: «القطعان في مزارعنا بصحة ممتازة وتخضع لعناية فائقة.. التحدي الفعلي الذي يواجهنا ليس صحياً، بل يتمثل في الارتفاع الحاد لأسعار الأعلاف، انخفاض أسعار البيع يرضي المستهلك، لكنه يضعنا كمنتجين تحت ضغط خسائر فادحة تعجز عن تغطية تكاليف التربية».

مؤسسة المسالخ.. نفي رسمي وتأكيد على الرقابة
على النقيض من التحذيرات السابقة التي أثارت الذعر في الأسواق، تنفي المؤسسة العامة للمسالخ واللحوم بصنعاء وجود أي أوبئة، وتصف ما يُثار حول تفشي الأمراض في قطاع الدواجن بأنه «مجرد شائعات مبالغ فيها».
وتؤكد المؤسسة استقرار الوضع الصحي للدواجن وأمانها التام، مشيرة إلى أن «الفرق الميدانية تنفذ حملات تفتيش دورية ومكثفة على جميع المسالخ ومداخل المدن، وجميع المعروض في الأسواق يخضع لفحص بيطري دقيق».
وتضيف في ردها الرسمي: «لا يُسمح بتاتاً ببيع أي دجاجة دون شهادة صحية تثبت خلوها من الأمراض وسلامتها التامة للاستهلاك الآدمي».

حماية المستهلك.. إرشادات احترازية للحد من «نيوكاسل»
وعلى النقيض من تطمينات مؤسسة المسالخ، اتخذت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك مساراً مغايراً بنشر سلسلة إرشادات احترازية متتالية عبر صفحتها الرسمية على (فيسبوك) للحد من انتشار مرض «نيوكاسل» في قطاع الدواجن.
وركزت الجمعية في جوهر بياناتها على فرض حالة من الحذر الصحي، موجهة تعليمات صارمة لأصحاب المطاعم برفض استلام أي دواجن تظهر عليها أعراض مرضية، واشتراط الشراء من مصادر توفر شهادات الفحص البيطري، وبالتوازي دعت الجمعية المستهلكين للتحقق المباشر من سلامة الدواجن المبردة والمثلجة قبل الشراء، وكذلك الدجاج الحي قبل الذبح.. مشددة على أهمية الفحص الظاهري للون والرائحة وصلابة التجميد وسلامة العبوات وتاريخ الصلاحية، كتدابير وقائية لضمان وصول غذاء آمن للجمهور.

الغرفة التجارية.. نفي قاطع وتساؤلات حول أبعاد الأزمة
وفي تصريح خاص بصحيفة «لا» أبدى مسؤول في قطاع الدواجن بالغرفة التجارية والصناعية بأمانة العاصمة استنكاره البالغ لما يتم تداوله من مزاعم ومعلومات تفتقر للأسس العلمية والمعايير المهنية بشأن تفشي مرض «نيوكاسل» في الدواجن المحلية، معتبراً تلك الأنباء إساءة مباشرة للمنتج الوطني ومحاولة للإضرار به.
وأوضح المسؤول في تصريحه الخاص أن إعلان تسجيل أو تفشي أي مرض وبائي هو اختصاص حصري للجهات الرسمية والبيطرية، ولا يتم إلا بموجب تقصٍ وبائي وفحوصات مخبرية معتمدة.. وأشار إلى أن «نيوكاسل» يُعد مرضاً فيروسياً معروفاً عالمياً في قطاع الدواجن، وتخضع المزارع الوطنية لبرامج تحصين ورقابة بيطرية مستمرة لمواجهته.. مؤكداً بوضوح أن ظهور حالات إصابة محدودة -إن وجدت- لا يعني تفشياً وبائياً عاماً يستدعي إثارة الذعر، ومشدداً في الوقت ذاته على أن هذه الحالات ليس لها أي أثر سلبي على صحة المستهلك.
وفي بُعد اقتصادي لافت، أثار المسؤول في قطاع الدواجن تساؤلات حول توقيت هذه الحملات.. مبيناً أنها تزامنت مع النجاحات التي حققها المنتجون المحليون في زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي وإغلاق باب الاستيراد، ما يعكس وجود مساعٍ ألحقت أضراراً مادية مباشرة بالمربين وأخلت باستقرار السوق المحلي.
واختتم تصريحه بالتأكيد على احتفاظه بكافة حقوقه القانونية لاتخاذ الإجراءات اللازمة ضد كل من يثبت تعمده نشر وترويج معلومات مضللة تضر بالمنتج الوطني والاقتصاد المحلي، داعياً وسائل الإعلام ورواد المنصات الرقمية إلى تحري الدقة واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية المختصة.

تفكيك حالة الذعر
وفي تصريح خاص بصحيفة «لا»، فككت مهندسة الإنتاج الحيواني، لجين الوزير حالة الذعر المثارة في الشارع، مؤكدة أن «نيوكاسل» مستوطن وقديم في اليمن، وهو مرض فيروسي يصيب الطيور فقط ولا ينتقل أو يشكل أي خطر على صحة الإنسان إطلاقاً.
وأوضحت الوزير أن التعميم الصادر عن مؤسسة المسالخ كان في الأساس توجيهاً داخلياً روتينياً لمديري الفروع لمنع دخول الدواجن المصابة، غير أن جمعية حماية المستهلك التقطت التعميم ونشرته للجمهور بطريقة أثارت هلع المواطنين، الذين اعتقدوا خطأً أن الفيروس يهدد حياتهم، مشددة على أن المسالخ تعتمد آلية فحص مخبري صارمة (قبل وبعد الذبح) ولا تسمح بمرور أي حيوان غير سليم.
وكشفت المهندسة لجين عن السبب الفعلي وراء الانهيار الحاد في أسعار الدواجن والبيض، مرجعة ذلك إلى اختلالات اقتصادية تتعلق بما يسمى «نظام الطيبات» وتداعيات الشائعة، وليس المرض بحد ذاته، وبيّنت أن إحجام بعض المواطنين عن الشراء بسبب الذعر أدى إلى عزوف صغار المربين وتوقفهم عن التربية، ما تسبب في انهيار كارثي لسعر «الكتكوت» من 400 ريال إلى 50 ريالاً فقط، ولتلافي الخسائر الفادحة، اضطرت الشركات الكبرى -التي تنتج نحو 70,000 بيضة مخصبة يومياً- إلى تحويل هذا الإنتاج وبيعه كبيض مائدة عادي، وهو ما أدى إلى إغراق السوق وزيادة العرض بشكل يفوق الطلب بكثير، لتتهاوى أسعار البيض إلى مستوياتها الحالية.
وفي ما يتعلق بالجانب البيطري، أشارت الوزير إلى أن المزارع الكبيرة والمنظمة تقوم بتحصين الدواجن منذ اليوم الأول لتلافي المرض، بينما يتجاهل بعض صغار المربين أهمية اللقاح ما يؤدي إلى نفوق جماعي لقطعانهم، مؤكدة أن الفيروس قاتل وسريع، والدجاجة المصابة تنفق عادة ولا يتاح مجال لذبحها، وحتى في حال تم ذبح دجاجة مصابة واستهلاكها، فإنها لا تلحق أي ضرر طبي بالإنسان.
وأكدت الوزير أن الدجاج البلدي المجمد يخضع لعمليات فحص مخبري دقيقة تتم على مرحلتين، مما يضمن استبعاد وإتلاف أي دواجن مصابة فوراً، ويوفر خياراً غذائياً أكثر أماناً وموثوقية.

تخبط إداري
ختاما، تؤكد الوقائع الميدانية والتصريحات التي وثقتها «لا» أن أزمة الدواجن والبيض الحالية ناتجة عن تخبط إداري وسوء إدارة للمعلومة أكثر من كونها أزمة صحية، لقد أدى تزييف تعميم داخلي وتحويله إلى حالة هلع عامة، بالتزامن مع موضة «نظام الطيبات»، إلى ضرب قطاع حيوي وتكبيد الكثير من المنتجين خسائر فادحة،  وبينما يستفيد المستهلك من تهاوي الأسعار وسط غياب رقابة الأوزان، تبرز الحاجة المُلحة لتوحيد الخطاب الرسمي وتفعيل الرقابة الصارمة لحماية الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، بدلاً من ترك الأسواق عُرضة للشائعات والعشوائية.