عادل بشر / لا ميديا -
منذ اللحظة التي حطّت فيها الطائرة المدنية التابعة لشركة "ماهان" الإيرانية في مطار صنعاء الدولي، فجر الثالث من تموز/ يوليو الجاري، لم يقتصر الارتباك على الرياض، التي فشلت في اعتراض الطائرة والإبقاء على الحصار الجوي المفروض على اليمن، وإنما امتد سريعاً إلى فلسطين المحتلة، حيث تحول الحدث إلى مادة رئيسية متوالية في الإعلام الصهيوني، وسط تحذيرات "إسرائيلية" متصاعدة من أن ما جرى يُمثل نقطة تحول استراتيجية تُسقط واحدة من أهم ركائز المنظومة الأمنية التي اعتمد عليها الكيان خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الصهيونية، أمس، تقريراً مطولاً حمل عنوان "استسلام السعودية في اليمن: الطائرة الإيرانية تهدد إسرائيل"، اعتبرت فيه أن وصول الطائرة إلى صنعاء يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ليس على السعودية وحدها، وإنما على "إسرائيل" أيضاً، لأنه نسف عملياً رهانات الحصار المستمر منذ 2015.
واستهلت الصحيفة تقريرها بعبارة لافتة تعكس حجم القلق داخل الكيان الصهيوني، قائلة: "في صباح واحد، انقلبت موازين القوى في الشرق الأوسط رأساً على عقب"، مضيفة أن الطائرة الإيرانية التي وصلت إلى صنعاء وغادرت في اليوم نفسه وعلى متنها وفد رسمي من صنعاء، قدّمت، وفق تعبيرها، "حكماً قاطعاً ومدمراً على بنية الأمن الإقليمي التي بناها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان".
ويرى التقرير الصهيوني أن مجرد هبوط الطائرة في مطار صنعاء وفشل اعتراضها من قبل المقاتلات السعودية، يمثل "انهياراً بنيوياً كارثياً"، نتيجة ما وصفه التقرير بـ"خطأ استراتيجي فادح ارتكبته القيادة السعودية"، معتبراً أن الرياض وهي تسعى لحماية مشاريعها الاقتصادية، استسلمت لطهران وحلفائها، الذين -بحسب التقرير- حققوا "أكبر انتصار إقليمي" منذ سنوات.
وأوضح أن "القيادة السعودية أدركت أن غارة جوية واحدة بطائرة مُسيّرة تابعة لصنعاء، على الحي المالي في الرياض، كفيلة بتقويض ثقة المستثمرين فوراً". ووصف التقرير ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأنه "تحول إلى سياسة الاسترضاء المطلق"، لاسيما مع طهران، لثقته التامة بأن جيشه وقدراته العسكرية، وإن كانت ضخمة، لن يستطيع من خلالهما تحقيق طموحاته للمملكة، وتصويرها بأنها "واحة استقرار".
القراءة "الإسرائيلية" لتطورات مطار صنعاء كشفت أن المخاوف لم تعد مرتبطة بالسعودية فقط، وإنما بما سيترتب على إعادة تشغيل المطار؛ إذ يعتبر كيان الاحتلال أن فتح المجال الجوي أمام الرحلات القادمة إلى العاصمة صنعاء، يعني عملياً إسقاط أحد أهم القيود التي كان يراهن عليها لتقويض وإضعاف القدرات اليمنية. ولهذا ركز التقرير على التحذير من أن "إسرائيل" بنت جزءاً مهماً من استراتيجيتها العسكرية ضد صنعاء على فرضية استمرار تحالف العدوان السعودي في الحصار الجوي بالتوازي مع الحصار البحري، مؤكداً أن رحلة الثالث من تموز/ يوليو "أثبتت زيف هذا الافتراض"، وأجبرت المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" على إعادة حساباتها بالكامل.
من تلك الحسابات، وفقاً للتقرير الصهيوني، الإقرار بأن صنعاء لديها "جيش عابر للحدود مسلح بصواريخ باليستية متطورة وصواريخ كروز وذخائر متسكعة قادرة على ضرب المدن الإسرائيلية".
ولم تُغفل "يديعوت أحرونوت" الإشارة إلى التأثيرات التي أحدثتها عمليات الإسناد اليمنية لغزة، مؤكدة أن الضربات بعيدة المدى التي استهدفت العمق الصهيوني، إلى جانب الحصار البحري الذي فرضته صنعاء على السفن "الإسرائيلية" والمتجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة، أدت إلى نتائج مباشرة على اقتصاد الكيان، وفي مقدمتها الشلل الذي أصاب ميناء "إيلات" (أم الرشراش)، والذي أوضحت الصحيفة إنه لا يزال، حتى الآن، يعاني من توقفات تشغيلية خانقة نتيجة الحصار البحري اليمني.
وفي اعتراف آخر يحمل دلالات عسكرية مهمة، تؤكد الصحيفة الصهيونية أن صنعاء أثبتت قدرتها على تجديد ترسانتها العسكرية، أسرع من قدرة "القوات الإسرائيلية وحلفائها على إضعافها".
وتأتي هذه المخاوف "الإسرائيلية" بعد أيام من وصول رحلة مدنية تابعة لشركة "ماهان" الإيرانية إلى مطار صنعاء، بالتزامن مع المواقف الحازمة التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية ووزارة الخارجية في صنعاء، والتي أكدت بوضوح أن قرار فتح المطار وكسر الحصار حق سيادي غير قابل للمساومة، وأن أي اعتداء يستهدف المطار أو الرحلات المدنية سيقابل برد مناسب، في رسائل عززت القناعة داخل دوائر الاحتلال بأن معادلة الحصار السابقة لم تعد قائمة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تقرير "يديعوت أحرونوت" ليس فقط وصفه لما جرى بأنه "انهيار" لمنظومة الردع، وإنما اعترافه الصريح بأن ما حدث في مطار صنعاء غيّر ميزان التقديرات الأمنية "الإسرائيلية"، وأثبت أن الخوف من كسر الحصار لم يعد هاجساً سعودياً فحسب، وإنما أصبح هاجساً "إسرائيلياً" معلناً، تتعامل معه الصحافة الصهيونية باعتباره أحد أخطر التطورات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع معركة إسناد غزة.