تقرير / لا ميديا -
ارتجّت الأرض، أمس الثلاثاء، تحت أقدام الملايين في مدينة قم المقدسة (جنوبي العاصمة طهران)، التي احتضنت مشهداً إعجازياً مهيباً في وداع مرشد الأمة الإيرانية وقائدها الأعلى، الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، وعائلته الأبرار. 
وفي طوفان بشري زاحف امتد على طول سبعة كيلومترات كاملة، من مسجد جمكران المقدس وحتى مرقد السيدة فاطمة، غصّ طريق «الرسول الأعظم» ببحر متلاطم من الوفود الشعبية والعشائرية، بمشاركة لافتة وكثيفة من الجاليات العربية القاطنة في المدينة، حاملين صور الإمام الراحل، وبيرق خليفته قائد الثورة الإسلامية الجديد، آية الله السيد مجتبى حسيني الخامنئي، لتتعالى صرخات الهتاف المزلزلة: «لبيك يا سيد مجتبى» صوناً للعهد وامتداداً للولاية. 
وأمّ المرجع الديني الكبير آية الله عبد الله جوادي آملي، منذ ساعات الصباح الأولى، الحشود المليونية في صلاة الجنازة بمسجد جمكران، وسط غليان عارم وشعارات حماسية رمت باللعنات على قوى الاستكبار؛ حيث ألقى مشيعون غاضبون الحجارة على لوحة إعلانية ضخمة في طهران تمثل رصاصة تتجه إلى رأس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ممهورة بوعيد قاطع: «الولايات المتحدة قتلت أبانا... لن ندعكم تفلتون!».
من جانبه غادر رئيس الجمهورية الإسلامية، مسعود بزشكيان، العاصمة طهران متوجهاً إلى مدينة النجف الأشرف، حيث سيكون على رأس مستقبليه رئيس الوزراء العراقي ولفيف من كبار المسؤولين وقادة الحشد الشعبي. 
وتأتي هذه الزيارة التاريخية للمشاركة في مراسم استقبال الجثمان الطاهر لقائد الأمة التي ستقام اليوم الأربعاء في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة بمشاركة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والنجل الأكبر للإمام الشهيد.
وفي رسالة بالغة الدلالات العسكرية بعث بها عبر وسائل الإعلام، أكد قائد فيلق القدس، الجنرال إسماعيل قاآني، أن الزحف العراقي المرتقب لتشييع الإمام الشهيد يجسد متانة الروابط الأخوية والمعنوية الفولاذية التي تجمع الشعبين، مستذكراً الملاحم التي خاضها الشهيد قاسم سليماني مع الشباب العراقيين بوجه تنظيم داعش وأمريكا، قبل أن يقدم ترامب على جريمة اغتياله مع القائد أبو مهدي المهندس.
 وجزم قاآني بأن «تشييع الإمام الشهيد في العراق سيجعل الخط الأحمر، المتمثل بالمطالبة بالثأر لدمائه، أكثر بروزاً ووضوحاً أمام العالم، ولن يثنينا شيء عن هذا النهج الثابت الذي تعمد بالشهادة».

 العراق يستنفر 
وتزامناً مع الدخول الفعلي للجثمان الطاهر خط الرافدين، شهدت محافظات العراق استنفاراً رسمياً وشعبياً غير مسبوق؛ إذ أعلن محافظ كركوك، محمد سمعان آغا، تعطيل الدوام الرسمي في كافة مؤسسات ودوائر المحافظة اليوم الأربعاء، لتمكين الأهالي من الالتحاق بالمراسم المليونية، مؤكداً أن هذا القرار يمثل رسالة تلاحم وتكاتف بين جميع مكونات كركوك الأبية، لتأكيد الموقف الموحد في تأبين قائد الثورة الإسلامية.
في الوقت ذاته، كشفت وسائل إعلام عراقية عن انعقاد اجتماعات تنسيقية وإدارية مكثفة على مدار الساعة في عواصم المحافظات، لاسيما في بغداد، النجف، كربلاء، الديوانية، الناصرية، والبصرة، لتنظيم الموكب الجنائزي الأكبر؛ إذ دخلت كافة الهيئات الرسمية، العشائر العراقية، المواكب الحسينية، والقوات الأمنية، في حالة تأهب قصوى وتأمين شامل، لضمان انسيابية ونجاح هذه التظاهرة العقائدية الكبرى اليوم الأربعاء، لتنتهي المحطة الأخيرة يوم الخميس بعودة الجثمان الطاهر إلى إيران، ليوارى الثرى في مشهد المقدسة بجوار مرقد الإمام علي الرضا (عليه السلام)، معلناً انتصار نهج الشهادة والدم على طغيان أمريكا والكيان الصهيوني.

هجوم يستهدف سفينة في هرمز
ميدانياً، اشتعل مضيق هرمز بأحداث ساخنة، إذ أفادت مواقع إخبارية بأن صاروخين باليستيين على الأقل ضربا سفناً تجارية مخالفة حاولت عبور المضيق دون تنسيق مع إيران. بالتوازي مع ذلك، كشفت مصادر أمنية عن تعرض ناقلة النفط السعودية العملاقة «وديان» لضربة صاروخية دقيقة قرب ساحل عُمان أحدثت انفجاراً ضخماً على متنها، بعد أيام قلائل من استهداف ناقلة غاز قطرية في المربع ذاته.
وفيما لزمت طهران الصمت الرسمي، مكتفية بتأكيد صلاحياتها السيادية في تنظيم حركة الملاحة وحراسة المياه الإقليمية، جاء الرد الاستراتيجي مدوياً على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محمد باقر ذو القدر، الذي وجّه صفعة دبلوماسية لواشنطن محذراً: «على المسؤولين الأمريكيين مخاطبة الشعب الإيراني باحترام، وإلا فإن طهران سترد بلغة أخرى إذا استمرت نبرة التهديد الأخرق».

عراقجي يربط الاتفاق بانسحاب الاحتلال من لبنان
من جانبه، قطع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، دابر المناورات الأمريكية؛ قائلاً عبر منصة «إكس» إن «شعبنا وقواتنا المسلحة الشجاعة لن يرضخا لأي تهديد، وإن تضحيات القادة تصنع دافعاً أكبر لمواجهة الغطرسة». 
وأكد عراقجي مجدداً أن خطوط طهران الحمراء غير قابلة للمساومة والالتفاف، معلناً: «إن المفاوضات مع الأمريكيين لن تستأنف ما لم يتم بشكل كامل تنفيذ البند الأول من مذكرة تفاهم إسلام آباد المتعلق بلبنان، ولن يكون هناك أي اتفاق نهائي ما لم تنسحب قوات الاحتلال الإسرائيلي بالكامل من كافة الأراضي اللبنانية».
وأوضح رئيس الدبلوماسية الإيرانية أن البند الـ13 من مذكرة التفاهم صريح وواضح كالشمس: «طالما استمرت التهديدات والضغوطات العسكرية ضد إيران، فلن تبدأ المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي، وعلى واشنطن أن تلتزم بتوقيعها وتكف عن إطلاق التهديدات الجوفاء».