تقرير / لا ميديا -
في مشهد يختصر الفشل والفساد، تتكشف الكارثة الصحية التي تضرب المحافظات المحتلة، حيث تتفشى أوبئة الحصبة والدفتيريا وحمى الضنك على نحو مريع، فيما تتنصل حكومة الفنادق من مسؤوليتها عن مواجهة الكارثة، وتكتفي المنظمات الأممية بدور المتفرج المتواطئ، مانحةً الغطاء لاستمرار العبث والنهب على حساب حياة المدنيين. لا تبدو هذه الأمراض الوبائية مجرد مؤشرات صحية عابرة، بل تعكس انهياراً متواصلاً لمنظومة الرعاية الصحية والوقائية في المحافظات المحتلة، حيث تتكرر مشاهد انتشار الأمراض المعدية عاماً بعد آخر، في ظل غياب حملات الاستجابة الفاعلة، وتراجع خدمات التحصين، وانعدام الرقابة الصحية، الأمر الذي جعل الأطفال الفئة الأكثر عرضة لدفع ثمن هذا الانهيار.

كشفت بيانات حديثة عن وضع صحي كارثي تعيشه المحافظات والمناطق المحتلة، بعد تفشي عدد من الأوبئة والأمراض الفيروسية المعدية في أوساط المواطنين، حاصدة عشرات الأرواح، جلهم من الأطفال، فضلاً عن آلاف الحالات المصابة التي تنتظر مصيرها على فراش المرض، دون اتخاذ أي تدابير حقيقية لإنقاذهم.
وبحسب البيانات، فإنه خلال النصف الأول من العام الجاري، ارتفعت حصيلة وفيات الحصبة في المحافظات المحتلة إلى 87 طفلاً، فيما بلغت حالات الاشتباه بالإصابة 14 ألفاً و470 حالة.
وأشارت البيانات إلى أن محافظة حضرموت تصدرت قائمة الوفيات بفيروس الحصبة بـ19 حالة، بينها 12 في الوادي و7 في الساحل، تلتها تعز بـ18 حالة، ثم عدن بـ14 حالة، فيما سجلت أبين ولحج 11 حالة وفاة لكل منهما، ومأرب 8 حالات، وحالتان في كل من الضالع والمهرة، وحالة واحدة في كل من الحديدة وسقطرى.
وتكشف هذه الحصيلة أن الوباء لم يعد محصوراً في بؤر محددة، وإنما امتد ليشمل عدداً كبيراً من المحافظات المحتلة، وهو ما يعكس اتساع دائرة العدوى، وفشل الإجراءات المفترض اتخاذها لاحتواء المرض ومنع انتقاله بين الأطفال.
كما تكشف خريطة انتشار وباء الحصبة في مختلف المحافظات المحتلة عن عجز حكومة الفنادق عن الحد من تفشي الوباء الفتاك، وعن تواطؤ فاضح للمنظمات العاملة في المجالين الصحي والإنساني في ترك آلاف الأطفال اليمنيين لمصيرهم في مواجهة وباء قاتل، بلا دواء ولا حماية.

حمى الضنك... وباء آخر يوسع دائرة الكارثة
وإذا كانت الحصبة تواصل حصد أرواح الأطفال، فإنها ليست الوباء الوحيد الذي ينهش السكان في المحافظات المحتلة، إذ تكشف البيانات الرسمية عن انتشار واسع لحمى الضنك، في مؤشر على تعدد الأزمات الصحية التي تواجهها تلك المناطق في وقت واحد.
وباء حمى الضنك هو الآخر أظهر تفشياً كبيراً في أوساط المواطنين في عدد من المحافظات الساحلية، فخلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) ومطلع يونيو (حزيران) 2026، وبحسب البيانات الرسمية ذاتها، سُجلت نحو 4819 إصابة، مع وفاة 18 حالة في محافظتي عدن وحضرموت.
ويعكس استمرار تسجيل الإصابات والوفيات بحمى الضنك ضعف برامج مكافحة نواقل الأمراض، وتراجع أعمال الرش البيئي والوقاية، الأمر الذي وفر بيئة مناسبة لاستمرار انتشار المرض، خصوصاً في المحافظات الساحلية.
وينتقل فيروس حمى الضنك إلى الإنسان عن طريق البعوض، ويكتسب البعوض الفيروس عادة عندما يمتص دم أحد المصابين بالعدوى. وتشمل أعراض المرض الحمى، والصداع الشديد، وآلام المفاصل والعضلات والعظام، إضافة إلى الألم الشديد خلف العينين، وقد يصاحبه نزف من الأنف في بعض الحالات.
الدفتيريا تفضح حملات التطعيم الفاشلة
لا يقف الأمر عند وبائي الحصبة وحمى الضنك، إذ أظهرت البيانات نفسها تسجيل عشر وفيات و153 إصابة مؤكدة بمرض الدفتيريا (الخناق)، أحد الأمراض البكتيرية الخطيرة التي تستهدف الأطفال بصورة رئيسية.
وأشارت البيانات إلى أن محافظتي تعز وحضرموت سجلتا ثلاث وفيات لكل منهما، تلتهما الحديدة بحالتي وفاة، فيما رُصدت حالة واحدة في كل من شبوة ولحج.

«الفنادق» والمنظمات شركاء في الجريمة
وبينما تكشف الأرقام اتساع رقعة الأوبئة وتزايد الضحايا، تتجه أصابع الاتهام إلى الجهات المسؤولة عن إدارة القطاع الصحي، وإلى المنظمات الدولية التي تواصل عملها في تلك المحافظات دون أن ينعكس حضورها على الحد من هذه الكوارث الصحية.
ويرى مراقبون أن الكارثة الصحية التي تفتك بالمحافظات المحتلة ليست مجرد أزمة خدمات، بل فضيحة سياسية وإنسانية، فسلطات غارقة في الفساد والفوضى، ومنظمات تحولت إلى شريك صامت، مكتفية بالتقارير الشكلية التي تمنح تلك السلطات غطاءً للاستمرار في العبث.
وبحسب المراقبين، فإن ما يحدث في المحافظات المحتلة ليس مجرد تفشٍ للأوبئة، بل جريمة مكتملة الأركان، حيث تُستخدم أموال الدعم الدولي كغنيمة بين حكومة الفنادق والمنظمات الأممية، بينما يموت الأطفال بأمراض يمكن الوقاية منها. وهي، وفق هذا التوصيف، شهادة دامغة على أن الفساد والتواطؤ الدولي يقتلان اليمنيين بصمت، ويتركانهم يواجهون الموت بلا دواء ولا أمل.
وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن المحافظات المحتلة لا تواجه وباءً منفرداً، وإنما انهياراً واسعاً في منظومة الصحة العامة، حيث تتقاطع الأوبئة مع تراجع التحصين وغياب الرقابة وضعف الاستجابة، لتتحول الأمراض التي يمكن احتواؤها إلى كوارث إنسانية متكررة.
ومع استمرار هذا الواقع، تبدو المحافظات المحتلة وكأنها تواجه وباءين في آن واحد: أوبئة الأمراض المعدية التي تحصد الأرواح، ووباء الفساد والإهمال الذي يبدد الإمكانات ويحول دون وصول المساعدات والخدمات إلى مستحقيها، لتبقى الفاتورة الأعلى يدفعها الأطفال، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة أمراض يمكن الوقاية منها، لكنها تتحول بفعل سوء الإدارة إلى أحكام بالموت.