عبدالله اليوسفي

عبدالله اليوسفي / لا ميديا -
في الثالث من شعبان 1439هـ، الموافق التاسع عشر من أبريل 2018م، شهد اليمن حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، في ظل ظروف بالغة التعقيد والخطورة. فقد استهدفت طائرة مسيّرة أمريكية سيارة الرئيس صالح الصماد ومرافقيه بشارع الخمسين في مدينة الحديدة، ليرتقي شهيداً مع رفاقه في سبيل الله. نزل الخبر كالصاعقة على الشعب اليمني عند إعلانه مساء ذلك اليوم.
كان الشهيد الصماد (رحمه الله) في تلك الفترة يتحرّك بشكل مكثف لتعبئة الطاقات وتوحيد الجهود للدفاع عن محافظة الحديدة، ومواجهة التهديدات المتصاعدة حينها. تعامل بمسؤولية وجدية مع تلك التحديات، وقاد عملية الإعداد والتجهيز بالتنسيق مع مختلف المؤسسات الوطنية لردّ أي عدوان محتمل على المدينة التي كانت -ومازالت- تمثّل شريان الحياة الرئيسي للمحافظات اليمنية في ظل الحصار الشامل.
حَوَّلت الظروف الاستثنائية التي رافقت استشهاد الرئيس الصماد الفاجعةَ إلى شعلة تضيء درب النضال. فطريقة الاستهداف المباشر، وتوقيت الاستشهاد في ذروة المعركة الدفاعية عن الأرض والهوية، ومكانته القيادية الرفيعة في مسيرة المقاومة، كلها عوامل جعلت من رحيله لحظة تحول نوعية. لم يكن رحيل قائد فحسب، بل كان انتقالاً لروح الكفاح وإرادتها إلى كيان الشعب كلّه، فتحوّل من قائد يُتَّبع إلى رمز يُحتذى، ومن شخصية تاريخية إلى فكرة حيّة تسري في الوعي الجمعي.
عزّزت هذه الظروف حضور الشهيد في ذاكرة اليمنيين بشكل غير مسبوق. فرأى الشعب في استشهاده ذروة التضحية، بعد أن عرف منه الصلابة في الموقف، والبساطة في العيش، والوضوح في الرؤية. فأصبحت صورته ومسيرته جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية والثورية، ليس في اليمن فحسب، بل في سياق أوسع يتعلق بصمود الشعوب في وجه العدوان.
كما تحوّل الشهيد القائد الرئيس صالح الصماد إلى مرجعية أخلاقية ومعنوية في الخطاب الإعلامي والثوري، لا لاستثارة المشاعر فقط، بل لبناء الوعي وتقوية الإرادة. فاستحضار مسيرته في الخطابات والبيانات يعمل كحافز معنوي يجسّد معنى القيادة التي تقدّم نفسها قرباناً في ساحات الشرف. إنه خطاب يحوّل الحزن إلى عزم، والفقدان إلى إصرار على مواصلة المسيرة.
وبالفعل، ما تزال شخصية صالح الصماد -بكل أبعادها- حاضرة بقوة في المشهد اليمني، متجاوزةً حدود الزمن لتربط بين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها. فهي ليست ذكرى تُحفظ في الأرشيف، بل هي رمز كفاح وجهاد مستمر التأثير، يظهر في كل منعطف حاسم. إن مبادئه في المسيرة الجهادية، وربطه القوي بين القضية اليمنية وقضايا الأمّة المصيرية، واهتمامه ببناء القدرات الذاتية، كلها عناصر حية ترشد الخيارات وتضيء المسارات.
لقد نجح الشهيد القائد في أن يغرس روحه في ضمير كل أحرار الأمة، فأصبح أيقونة جهاد من أجل الحق والعدالة، يستحضر نموذجه كشاهد ومعين. منه نأخذ دروس الوفاء للقضية، والتواضع في القيادة، والثبات على المبدأ، والحكمة في التخطيط. وهو حاضر في وجدان الشعب أمام كل التحديات التي تمر بها الأمّة، كمرجعية أخلاقية ورمز للصمود في وجه قوى الهيمنة والعدوان.
فالشهيد، الذي سقط جسداً، ارتقى رؤيةً خالدةً، وصرحاً شامخاً في ضمير أمة ترفض الانكسار، وتستلهم من شهدائها سرّ البقاء وإرادة الانتصار.

أترك تعليقاً

التعليقات