مـقـالات - مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا - الراعي.. حارس الصمت الأخير كان الراعي مهنة تمشي على مهل، تشبه الجبال أكثر مما تشبه الناس. لا ساعة تضبط وقته، ولا جدار يحدّ أفقه، كل ما يملكه: قطيع، وعصا، وكلب، وناي يقول ما لا يُقال. فجر الخروج.. وخطوات محسوبة يخرج مع الفجر، لا لأن الشمس تطلبه، بل لأن الغنم لا تعرف الانتظار....

مروان ناصـح / لا ميديا - بائع الثلج.. صديق الصيف الفقير قبل أن تغزو الثلاجات كل بيت، وقبل أن يصبح البرد ضغطة زر، كان الثلج يُشترى كما يُشترى الخبز، ويُنتظر كما تُنتظر الرحمة في قيظ الصيف. وكان بائع الثلج سيّد البرودة الوحيد في الحي. قالب أبيض أثقل من التعب يحمل على كتفه قالبًا شفافًا، يلتف بالخيش المبلل، ويقطر ماءً كأنه يتعرّق بدلا منّا....

مروان ناصح / لا ميديا - صندوق البريد.. حارس الرسائل والانتظار كان يقف في زاوية الشارع كعلامة ترقيم في جملة المدينة، أحمرَ أو أزرقَ في الغالب، صامتًا، ثقيل الظل، لا يتحرك خطوة واحدة.. ومع ذلك كان أكثر الأشياء سفَرًا. لم يكن صندوق البريد مجرّد حاوية معدنية، بل وعدًا معلّقًا في الهواء، ويدًا ثالثة تمتد بين قلوب لا تلتقي، وبحرًا صغيرًا تُلقى فيه زجاجات الأسرار....

مروان ناصح / لا ميديا - عامل المقسم.. الرجل الذي كان يُدير الأصوات قبل أن تصبح المكالمة فعلاً غريزياً يتم بضغطة إصبع، كان الصوت يسافر على استحياء، ويتوقف طويلاً عند باب رجل واحد. عامل المقسم لم يكن موظفاً عادياً؛ كان بوّاب الكلام، ومنسّق اللقاءات الصوتية، وحارس المسافة بين بيت وبيت. من دون يده، لا يتصل الابن بأمه، ولا يطمئن الغائب أهله، ولا تبدأ حكاية حب خجول في هدأة المساء....

مروان ناصح / لا ميديا - الحبّال.. ناسج التماسك وحارس الرباط قبل أن تُربط الأشياء، وقبل أن تُشدّ الأحمال، كان هناك رجل يعرف أن الخيط الضعيف لا يصنع حبلاً، وأن التماسك يُبنى بالصبر. الحبّال لم يكن بائع حِبال فحسب، بل صانع وصْل، يربط ما تفرّق، ويُمسك ما قد يهرب لو تُرك بلا عناية....

  • <<
  • <
  • ..
  • 4
  • 5
  • 6
  • ..
  • >
  • >>