«لا» بندقية المحارب الثوري ومكنسة عامل النظافة وكمنجة الحرية.. الطلقة 3650
- رئيس التحرير - صلاح الدكاك الأحد , 30 نـوفـمـبـر , 2025 الساعة 6:13:49 PM
- 0 تعليقات

صلاح الدكاك / لا ميديا -
مازالت تلك الليالي السبع محفورة في الذاكرة لا تبارحها... ليال مضنية مترعة بقلق خلاق، وتوتر نبيل، وحياة تخفق في الخط الفاصل بين الحياة والموت. كانت الأقلام تشحذ لمعركة ليس بوسع أحد أن يستشرف نهايتها وأفقها، وألواح مفاتيح الحواسيب تنقر على جدار الروح كأنها قطرات أول الغيث، وأسراب الـ(إف 16) تحلق متشممة اللحم الحي على طول وعرض المدينة!
كنا ثمانية أو عشرة مقاتلين بالأقلام والكلمات، على الخط الأمامي لجبهة إعلامية عنوانها: «لا».
هل مضت على تلك الليالي السبع العصيبة عشرة أعوام حقاً؟!
أكاد لا أصدق؛ فحينها كنت أتساءل في سري على غير يقين عما إذا كان بمقدور «لا» أن تخطو بضعة أعداد إلى الأمام!
وكان مصدر عدم اليقين ذاك هو غياب الكادر على كل مستوى؛ ليس لعدم وفرته، وإنما لأن إطلاق مشروع صحيفة تكون خندقاً إعلامياً متقدماً في مواجهة العدوان الكوني على بلدنا، والعمل تحت هدير وحوش الجو ونشاط غيلان تحالفه على الأرض، لم يكن فكرة تغري الكثيرين للالتحاق به؛ فهي فكرة مكلفة ومقامرة غير مضمونة العواقب. لذا، كان أصحاب القناعات -فقط- بمقدورهم مقارفتها. غير أن القناعات دون حرفية لا تغني شيئاً لمن يعتزم إصدار صحيفة تقف في وجه ترسانة الإعلام الكوني الناشط -بكل أحابيله واحترافيته- في مؤازرة آلة القتل والتدمير والتجويع والحصار ضد شعبنا وترابنا الوطني.
كان محاربونا الحفاة يخوضون ملحمة الدفاع الوطنية الكبرى ببندقية الكلاشينكوف، بفدائية لا نظير لها في تاريخ الحروب، على امتداد خطوط الاشتباك. وكنا نحاول أن نطاول قاماتهم ما استطعنا، خلف شاشات الكومبيوتر وعلى أوراق الكتابة وفي ميدان توثيق الآلام والآمال: المجازر التي يرتكبها العدو بحق أطفالنا ونسائنا وعمالنا وفلاحينا وقرانا ومدننا، والبطولات التي يجترحها رجالنا في وجه آلة القتل الضخمة وعصابات العمالة والخيانة والارتزاق.
مضت عشرة أعوام ونحن نراكم الخبرات، ونعيد تصويب التجربة لننهض بالطموح المنشود في هذا المضمار، ونكون أكفاء لخنادق الملحمة التي فرض علينا خوضها وحيدين بالمتأتي والممكن، وقد خضناها ومازلنا.
كانت بوصلتنا ثورية، تتحرى المصالح الوطنية لشعبنا وبلدنا، ووجدنا أنفسنا مرغمين -بدافع من مبادئنا وخلافاً للكثير من وسائل الإعلام المحلية- على أن نوسع ساحة المعركة؛ فلم تعد المواجهة مقصورة مع العدو المباشر؛ وتجاوزناها لنجعلها مواجهة مع لصوص القوت والفاسدين والوصوليين، الذين يحاولون باستماتة أن يجعلوا من الأضلاع الناتئة لشعبنا سلالم لمآربهم الشخصية. كانت رؤيتنا -ولاتزال- هي أن المعركة لا تتجزأ، وأن ساحاتها غير المرئية ولا المباشرة جديرة بمقاتلين يخوضونها دفاعاً عن ظهور محاربينا البواسل، وصوناً للآمال التي يعلقها شعبنا على الثورة في أن تنجز له الكرامة بأعلى سقوفها، والعدالة بلا سقف، والرفاه القائم على الإنتاجية وتقاسم الممكنات وإثرائها بالحد الممكن والمنطقي، في هذه المرحلة العصيبة التي تواطأ فيها العالم، كل العالم، ضد ثورتنا الشعبية بامتياز.
لا ريب أننا لم نكن ما نصبو إليه؛ لكننا لم ندخر جهداً لنكون ما نحن عليه اليوم من حضور فاعل على الساحة الإعلامية، تجاوز حد العمل المحصور محلياً، مجدفاً بحرفية في الأفقين العربي والإسلامي، ومتوافراً على مجمل أبعاد مشهد الصراع، وخائضاً في كل ساحات الاشتباك، متفاعلاً مع شخوصه وقاماته المائزة بامتداد المواجهة مع قوى الإمبريالية، باختلاف يافطاتها وعناوينها، عربية كانت أم غربية، من صنعاء إلى غزة فبيروت فدمشق فكاراكاس...
إن يقيننا أن المعركة هي معركة الشعوب المسحوقة والمستغَلة (بفتح الغين) ضد قوى الاستغلال والتوحش الإمبريالي في طوره المعولم، إذ صارت الأرض، كل الأرض، هدفاً لهذا المسخ الكوني، وليست فلسطين إلا اختزالاً مكثفاً لهذه الساحة المفتوحة عالمياً للتوحش، كما ولإمكانية المقاومة ووحدة المعركة إنسانياً. وليس بلدنا بما تعرَّض له من عدوان غير مبرر إلا مثالاً لما يمكن أن تدفعه الشعوب التواقة للحرية والكرامة في حظيرة عالمية داجنة أو يراد لها أن تكون داجنة ومجزأة ومحتربة عرقياً وطائفياً ومناطقياً بلا حدود، ولا صوت فيها يعلو على صوت الأطماع الإمبريالية وسوق العولمة القذرة.
مضت عشرة أعوام وكنا نأمل أن نحتفي بهذه العشرية في صورة نقلة توسع من وسائط اتصالنا بالرأي العام؛ وسائط عابرة لمحدودية الصحافة الورقية في عالم الخوارزميات المعقد ووسائط الاتصال الحديثة، حيث أصبح بمقدور الفرد أن يكون في ذاته ولذاته منبراً إعلامياً وصانع رسالة مؤثراً.
إن قناعتي الشخصية -بطبيعة الحال- لاتزال ضد فردانيات العمل الإعلامي، مهما كان تأثيرها، ومازلت أؤمن بالأوركسترا الجماعية، التي تجعل كل فرد شجرة تؤلف قوام الغابة ولا تلغيها، وبلبلاً يغرد ضمن معزوفة الربيع لا بالضد لها، ولا بالخروج على وحدة الموسم وثرائه، وحيث لا تلغي الجماعة الفرد، ولا يلغي الفرد الجماعة في معزوفات انعزالية متشظية كنيازك تسبح في السديم.
الطموح كبير – إذن، ومدى الذراع أقصر من مدى العين الطامحة، وعشرية «لا» لاتزال بالتوازي هي عشرية استمرار العدوان وخناق الحصار المطبق على بلدنا وشعبنا براً وجواً وبحراً.
وإذا عجزنا عن أن نكون ما نطمح إليه فهذا لا يعني أننا انكفأنا عن الحلم بأن نكون يوماً ما نريد، لا ما تريده لنا الظروف والعثرات وأنواء وتقلبات المرحلة. سنكون يوماً ما نريد.
لقد دشّنّا العدد الأول من «لا» بافتتاحية مائزة بعنوان «هي أول الطلقات لا»، وها نحن نكتب اليوم استمراراً إلى الطلقة السبعمائة واثنتين وخمسين بعد الألف، ونقترب من تماس الألفية الثالثة، وذخرنا الكبير هو جمهور محبينا بمختلف شرائحهم، ممن استطاعت الصحيفة أن تكون رغيفاً يومياً ساخناً في صباحاتهم ومسباراً يستشرفون من خلاله أفقاً ممكناً لآمالهم ورفيقاً لا يخذل أصواتهم المكلومة والحالمة.
لاتزال «لا» معزوفتنا الجماعية، وأوركسترانا وكومونتنا الرحبة. و«نا» هنا ليست مقصورة على طاقم الصحيفة الجميل والنبيل والمحترف الذي صرنا إليه اليوم، بل هي كذلك بحر القراء من أبناء شعبنا الصامد المجاهد الشريف وأبناء أمتنا العربية، ممن أمكننا أن نتقاطع معهم في فضاء «لا ميديا» الإلكتروني، الذي يضع فلسطين بوصلة لمساره وينتهج مبدأ «لسنا خبراً.. نحن قضية وخبر».
في صباح يوم صنعائي جميل كنت في «ميدان التحرير» على موعد مع صديق. كنت على مقربة من كشك الصحف أشاهد تقاطر القراء عليه حين رأيت عامل نظافة يبتاع صحيفة «لا». طالَعَ عناوينها بشغف بادٍ، ثم تأبطها بيسراه وتأبط بيمناه عصا المكنسة. كان المشهد فوق قدرتي على وصفه. بدا العامل كما لو أنه طالع من إحدى لوحات فناننا الكبير الراحل هاشم علي، أو هو حنظلة الفنان المناضل الشهيد ناجي العلي، دافئاً وحقيقياً وبسيطاً حد العمق والفذاذة...
هل يطمح المرء إلى تكريم أعظم من هذا التكريم؟! وهل كنا إلا بهؤلاء البسطاء والمسحوقين؟! وهل كنا إلا لهم ومعهم حتى النَّفَس الأخير، حرباً وسلماً، شحاً ووفرة؟!
لهم -إذن- نكتب، وبهم نمضي قدماً، وبين يديهم نعاهد ونقدم فروض الطاعة لأحلامهم في وطن كريم ومستقبل يصون كتاب الشهداء ولا ينقلب عليهم ولا يثخنهم بحراب المراثي المناسباتية السنوية.
تصبحون على وطن...
تصبحون على خلاص...
تصبحون على «لا».
فهي أول وآخر الطلقات في مشط كفاحنا الطويل.










المصدر رئيس التحرير - صلاح الدكاك
زيارة جميع مقالات: رئيس التحرير - صلاح الدكاك