رئيس التحرير - صلاح الدكاك

صلاح الدكاك / لا ميديا

كان العسف والقهر والتنكيل والطغيان هو مكافأة بني أمية للذين انفضوا من حول الإمام علي في (صفين) وقوعاً في حبائل الدعاية الأموية، والذين قعدوا عن نصرة الإمام الحسين ـ لاحقاًـ  وخذلوه طلباً للسلامة أو اعتقاداً منهم بأن خروجه كان لأمر يخصه وحده ولا ناقة لجمهرة المسلمين فيه ولا جمل.
لقد انتصر سيف (ابن زياد) بقطعان المنحازين إلى خيار الذلة واللاهثين خلف عظمة ذهب خطمت بها الطواغيت أنوفهم كالكلاب..
لكن دم الحسين انتصر وينتصر حتى اللحظة الراهنة بقوافل الذين حملوا شعلة (هيهات منا الذلة)، واستهدوا بها في ظلمات العسف والتعبيد والنفاق والجور والجبروت، وضفروا شرايينهم فتائل موصولة بدوراتهم الدموية لا يخبو وهجها ولا ينضب زيتها ولا قِبَل لأعاصير ومتغيرات الزمان والمكان بإخمادها ووأد وجيب قلوب قوافل الأحرار الخافقة بها ولها ومن حولها.
وكما بات كل مستكبر على الأرض وطاغوت (يزيداً) على مر التاريخ، فقد باتت كل ثورة في وجه المستكبرين والطواغيت، استمراراً لثورة الحسين، ونضحاً دافقاً من معينها السرمدي، وأضحت كل تواريخ الحرية والفداء والتضحية على مذبح رفض الذل (عاشوراء)، وكل أرض عصية على دنس ذهب الجبابرة وجنازيرهم أضحت (كربلاء)..
ليس الحديث عن ثورة (الحسين) حديث الفنتازيا الهادفة لإثارة المخيلات الملولة، ولا حديث التراجيديا المستمطرة لمدامع النظارة والمستمعين ونحيب حناجرهم،.. إنه بالشواهد والبراهين المنظورة؛ حديث صراع لا يبرح فيه ورثة المسار اليزيدي يتفننون ـ بأنكى من ذي قبل ـ في استرقاق البشرية وتطويعها لغير ما جبلت عليه بالفطرة من حرية وكرامة وقيمة آدمية ودور رسالي إنساني، كما لا يبرح فيه سلالات القيم الحسينية والمسار الثوري الكربلائي سيوفاً مسلولةً لا تُغمد إلا لتسلَّ دفاعاً عن رقاب الآدمية المستضعفة والمركوزة ـكعهدها منذ يزيدـ بين اثنتين: (السلة أو الذلة)، ولا خيار ثالثاً في ناموس صراع تتبدل شخوصه ومسارحه وأساليبه، ولا يتبدل جوهره، فأمريكا التي تُسيِّر المسابير والمكوكات الفضائية في رحلات عابرة لتخوم المجموعة الشمسية لكوكب الأرض، لا تزال من حيث سويتها الآدمية حبيسة نكوص غرائز وأهواء (ذهنية يزيد 60 للهجرة - 680م)، وغير قادرة على أن تتجاوز خياراته قيد حرف في مخاطبة محيطها البشري: (من ليس معنا فهو ضدنا ـ جورج بوش الابن 2001).
وعلى غرار الإسلام السفياني الأموي المنافق يتسربل بنو سعود قشور إسلام يبيض ذهباً في حجر (أمريكا يزيد العصر)، وتخمة في مقاصير الغرب، وسواطير على رقاب المستضعفين، ومجاعة وقهراً ومذابح جماعية بامتداد المنطقة العربية والإسلامية اتساعاً إلى حيث تشير سبابة المصالح والأطماع الأمريكية من بقاع وأنحاء في العالم... حتى صار من غير المغالاة القول (خلف كل مأساة في الخارطة مال سعودي وذراع وهابية ومصلحة أمريكية صهيونية)!
بإسلام أموي وذهب وأطيان حروب توسعية خراجية جبائية، دانت رقاب معظم العوام والخواص، لإمرة أبناء وأحفاد آكلة الأكباد (هند)، وبجيوش من الجهلة الأجلاف وعبيد المال، زحف (يزيد) ـ مضياً على نهج أبيه ـ ليجهز على آخر دعائم الإسلام المحمدي في صورة أهل بيت النبي وحاضنة رسالته والماضين على نهج الإمام علي أنصاراً وأشياعاً.
أمكن لبني أمية أن يهيضوا جناح الإسلام المحمدي المتمثل في (الكتاب)، بأن أفرغوه من مضامينه الرسالية القيمية، وطوعوه بالتأويل المخاتل لجهة أهواء سلطانهم، وكان لزاماً على هذا المسار الأموي التحريفي أن يهيض الجناح الآخر للإسلام المحمدي متمثلاً في (العترة)، بوصفهم (مظهر الحق القرآني الرسالي)، والتجسيد القيمي لجوهر النص السماوي ومظهره، حتى يتسنى للمسار الأموي أن يحلق بجناحي أهوائه الاستبدادية في أنحاء المعمورة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، في مناخ مواتٍ من الطاعة المطلقة لسلطانه بوصفه سلطان الله على الأرض.
إن أعظم كنز ورثته الامبراطوريات الاستبدادية والاستعمارية الشرقية (العثمانية) والغربية (الأوروبية)، عن بني أمية، هو هذا التحريف والتجيير الرسالي لدعامتي الإسلام المحمدي (الكتاب والعترة)، بإفراغ الأول من مضامينه، واستحداث نص بديل له هو (الحديث بمروياته الرسمية)، والذي باتت له (جماعة وإجماع) هي على النقيض لنهج (العترة)، بل ولاغية وبديلة عنها، وإن كان (بنو العباس) قد أصَّلوا لأهوائهم عبر توسيع دائرة العترة هاشمياً، ليغدو طلقاؤهم مركزاً للدعوى السياسية والدينية امتداداً للتحريف الأموي ذاته.
لقد ساست الإمبراطورية البريطانية المنطقة العربية بالدعوتين التحريفيتين نفسيهما: (الوهابية) كامتداد أنكى لمفهوم ودور (أهل الحديث ـ الجماعة السنية الأموية)، توازياً مع (الهاشمية العباسية) كامتداد لتحريف وترويض مفهوم (العترة) عرقياً سلطوياً بناظم ترسيخ دعائم الملك لا دعائم العدل والمساواة والقيم المحمدية الثورية العلوية.
إن احتشاد قوى الهيمنة الغربية الاستعمارية اليوم في صورة تحالف العدوان على اليمن بواجهته العربية والإسلامية القشورية، هو التجسيد الفكري والمادي لهذه اللُّحمة التاريخية للمشاريع الاستبدادية والاستعمارية القديمة والحديثة والمعاصرة على اختلاف جنسياتها وحتى أديانها، في حربها على حملة مشاعل الثورة المحمدية العلوية الحسينية الإنسانية المفتوحة على أفق نضال إنساني قوامه لُحمة كل المستضعفين والمقهورين المقارعين للتعبيد والاسترقاق على اختلاف أجناسهم وألوانهم بناظم (أخ في الدين أو نظير في الخلق) كما أوجز الإمام علي عليه السلام.
ما كانت ثورة الـ21 من أيلول/ سبتمبر 2014، بدعاً في مطالبها، فهي ككل الثورات الشعبية الحقة، سعت لانتزاع الحرية والاستقلال من حظيرة الهيمنة الكونية بدوائرها المحلية والإقليمية والدولية، ولم تشحذ صك الاعتراف من أقبية الشرعية الأمريكية بالذل وطأطأة الرأس.
ولأنها كانت جادة في استيفاء حقها الإنساني في حرية واستقلال كاملين وغير منقوصين، صُنفت كخطر داهم وتهديد جدي لأمن وسكينة الحظيرة الكونية، الوادعة المستتبة المعبَّدة كأحسن ما يكون التعبيد.
أجل هي ثورة عرقية مختلفة ومغايرة لعرقيات قطعان الحظيرة... وهي سلالية في انتصارها لإنسانيتها وآدمية شعبها في خضم إقليمي ودولي قوامه شعوب من أنصاف الآدميين، أذلاء، خانعين، مستلبين، لا يعصون أمريكا ما أمرتهم ويفعلون ما يؤمرون حفاظاً على رمق وجود بشري هو امتداد حي لحقبة غابية سحيقة سابقة لطور (الإنسان العاقل).
أجل هي ثورة انقلابية على نظام (جمهوري) يُسمِّي رؤساءه ووزراءه وشيوخه ووجهاءه ورجال دينه منذ 5 عقود، مندوبُ (اللجنة الملكية الخاصة) في السفارة السعودية، ولا يخدش ذلك من حياء دستوره ورفرفة علمه ذي الألوان الثلاثة التحررية، وحماسياته الوطنية الصادحة برفض الوصاية، والحافلة بيمين وقَسَم صيانة التراب من كل عميل.
وهي ثورة مذهبية لأنها رفضت وترفض أن تبايع (يزيد النفط والمارينز) على السمع والطاعة لكرابيج وصايته ومهاميز جزيته وخراجه وعربدة جباته وفُحش أقدام جلاوزته الموكولين برقاب العباد.. رفضت كل ذلك وبايعت الحسين، فصارت (رافضية، مجوسية، سلالية، عنصرية) في تقييم (عبدالعزيز آل الشيخ).
ولأنها موصولة الشرايين بتراب فلسطين السليب وقدسها المنتهك وشعبها المشرد، وقضايا أمتها العادلة، باتت (صفوية، فارسية) في تقييم عرَّاب القومية العربية (أفيخاي أدرعي).
ليست صدفة ولا خبط عشواء، أن تعتنق الذكرى الرابعة لثورة الـ21 من أيلول/ سبتمبر وذكرى عاشوراء الرفض، عند نقطة زمنية واحدة، وأن يصب فُرات كربلاء الحسين في بحر ثورة الأنصار الأحمر، وأن يأتلف دم (الطف) بدم (صعدة والحديدة) في دلتا ملحمة صمود وفداء وبطولة يمانية يخوض شعب الأنصار غمارها للعام الرابع في مواجهة تحالف كوني تاريخي انضفرت فيه قبضة (يزيد) بقبضة (دونالد ترامب) وخساسة (ابن زياد) بخساسة (ابن سعود وابن زايد)..
إنها ثورة تؤرخ لبداية نهاية أمريكا وتوابعها الصهيونية الوهابية، على تراب كربلاء منتصرة دماً وسيفاً اسمها اليمن... ولا عزاء لروح يزيد وهي تُزهق آلاف المرات في حناجر الغزاة المحتضرين على مدار الساعة ببنادق رجال الرجال في الجيش واللجان وبالصيحة التالدة الطريفة ذاتها: 
 هيهات منا الذلة.. هيهات منا الذلة.

أترك تعليقاً

التعليقات