رئيس التحرير - صلاح الدكاك

صلاح الدكاك / لا ميديا -
سنة في أثر سنة تتعاظم مواكب العشق اليماني الحسيني والكبرياء الحسينية، ولم تكن جذوة هذا العشق المكلوم والنبيل قد ذوت في نفوس وأفئدة شعب الأنصار، لكنها لزمت الممانعة في مهب خناق التغييب والإماتة والتحريف والتجريف ومحاولات الطمس التي انتهجتها سلطة زمن الوصاية والتبعية، لتتخلق حمماً تتحين لحظة الوثوب فكانت الصرخة والمسيرة القرآنية وفدائية رجالها بوجه بلدوزرات حروب الاجتثاث الست، ثم كانت الثورة ثم ملحمة المواجهة البطولية مع تحالف العدوان الأمريكي الكوني ووكيله الصهيوني وأدواته في المنطقة العربية والإسلامية.
ربما خفتت أصوات العشق اليماني الحسيني فتحولت همساً مكبوتاً، غير أن لعنات الحناجر لـ يزيد ظلت مجلجلة كرمز لكل طاغوت حاضر وغابر للحد الذي تبخرت فيه حروف اسمه من قواميس اللغة والحياة وذاكرة الأسماء العربية.
لم يذو حب الحسين وذكر الحسين ومأساة أهل بيت الحسين الأطهار من صدور اليمنيين، ففي كل منعطف كان يقرفص فيه يزيد على ظهور المستضعفين كان هذا الحب الثوري ينبجس من الصدور سِلّةً صليلها "هيهات منا الذلة".. ولعل تاريخ اليمن بامتداد عقوده وقرونه لم يشهد محطةً أكثر ملاءمة ومواتاة لطلعة الحسين بكل هذا الدفق والسطوع المتنامي من راهن العدوان والحصار الذي يعيشه شعبنا الحر الشريف... لقد زرعتنا أعوام المأساة السبعة الفائتة والمستمرة حتى اليوم في قلب مأساة كربلاء العراق، فكانت كربلاء اليمن وكان الحسين السبط بدراً سبطاً، وكما تبدلت الأسماء والوجوه في معسكر الباطل الأموي وظل نهج يزيد وأسلافه أكلة الأكباد من طلقاء ونفاق متأسلم، تبدلت الأسماء والوجوه في معسكر الحق العلوي الحسيني وظل النهج وظل أعلام الهدى يتناوبون على تبديد الدياجير تناوب الأهلة والأقمار والشموس في كبد السماء.
لقد شاهدنا بوضوح نواجذ هند وبعض كبد حمزة في أشداق عصابات الجريمة الأمريكية المنظمة خونجاً وتكفيريين وقاعدة ودواعش على امتداد مسرح الصراع من سورية للبنان للعراق لليمن.
وفي المقابل شاهدنا بجلاء أنفة الحسين بن علي وعظمته وكبرياءه وإيمانه وصدقه ووضاءة روحه في وجه الحسين بن بدر الدين ومنطق الأسد وعمامة الخميني وعيون قاسم سليماني ولحية المهندس وأحداق الشقاقي وجبين نصر الله و"رأس عبدالملك الحوثي" المنذور في سبيل الله والمستضعفين و..."فداءً لهذا الشعب".
إننا لا نقرأ الإمام الحسين كذكرى سالفة، بل نتنفسه ونعيشه ونقاتل بقيادته ونهتدي بنور جبهته وسديد قوله، كما أننا لا نتصفح كربلاء، بل نصطلي لهبها ونكتوي بأحزانها ولوعاتها و.. نجترح بطولاتها بمتوالية هندسية تتضاعف بتضاعف المأساة، غير جانحين لذلة بيّنة مباشرة دعانا إليها التحالف الأمريكي السعودي ليلة 26 آذار/ مارس 2015، فاخترنا عنها السلة الباهظة لا وداعة الخنوع الأبهظ كلفة... ولا جانحين لذلة مخبوءة بعناية خلف برقيات ودعوات السلام الذلقة والمعسولة والمنقوعة بزعاف مطالب تحالف العدوان الأمريكي التي عجز عن تمريرها عسكرياً فدستها الأمم المتحدة في خطابها الهجين المبتذل وجندت لفرضها كل نشاط "إنساني وحقوقي وثقافي وصحي" عبثاً.
من العظيم أن تميز يزيد في راهن الصراع وتقف ضد باطله، لكن الأعظم أن تعرف الحسين وتنضوي في ركب لوائه صراطاً يهدي سبل السلام لا معركة بات فيها حسين الله يُذكر من ذكر نقيضه يزيد الطاغوت.
إن الحسين أكبر من معركة نشبت على ضفة الفرات وانقضت ليتحول ذبيحها إلى لحظة حزن مديدة تصالبت عقارب ساعتها عند "عاشوراء محرم سنة 61 للهجرة"، فلا قبل لعظمة الحسين قبلها ولا خسارة فادحة لمشروع إسلام محمدي غيبته بنو أمية بقتلها الممنهج لآل بيت النبي الأطهار وعترته أعلام الهدى.
يتعين أن ندرك من هو الحسين قبل ساعة عاشوراء لندرك حجم الكارثة التي لحقت بالأمة بقتله ونحث السير على خطى مشروعه المتمظهر بلا أفول في أسباطه الأطهار القائمين مقامه بالقول والفعل تباعاً إلى يوم الدين، وإلا فإننا نكون قد خذلنا الحسين مرات ومرات، وسمحنا بأن تُسبى زينب مراراً بنكوصنا عن ركب كربلاء التي صارت كل الأرض، وعن يوم عاشوراء الذي صار كل الدهر.
فلننصر الحسين في حياته حتى لا نلطم وننوح خلف جنازته حسرةً على ما جهلنا من عظمته وفرطنا بحق أنفسنا بتفريطنا في حقه.
إن عدو الأمة اليوم لا يستنكف أن يقر بـ"فضل الحسين بن علي" حملاً على كونه تاريخاً مضى بلا رجعة، وهذا يتيح له الاستمرار في تغييب وقتل حملة المشعل الحسيني من أعلام الهدى في مناخ من موات الأمة وجهلها برموزها أو استنكافها عن الإقرار بمكانتهم المشهودة والمنظورة.. وهكذا يبقى المشروع ضرباً من الذكرى الرومانسية التي لا نحتفي بها ونحياها كاستمرار لمصابنا في صاحبها، وإنما نبكيها ونندبها باعتبارها فريدة دهر عظمتها في استحالة أن تتكرر مرتين وأن يتمخض الزمن سَميَّاً لصاحبها.
أجل، لقد احتفظ البكاء لعاشوراء بسخونتها فوصلتنا المأساة دافئة طريةً، وأما استدامة المشروع الذي نبكي صاحبه فقد حفظه الله كما تكفل بحفظ الذكر والتنزيل، وليس بمخلف وعده رسله ولا تاركاً عباده في ظلمات الطاغوت بلا حجة ولا سراج، وإن النفس السوية لترى بجلاء أن انتصارنا بوجه تحالف عدوان كوني وصمودنا الذي بهر العالم والعدو قبل الصديق ما كان ليكون لولا أن الله منَّ علينا بهذا القارئ بتواضع في سطور عاشوراء الحسين مستخفياً بحياء خلف ذكرى لم نشهدها فتتمظهر لنا عظمة الحسين غير الشهيد السالف بلسان الحسين المشهود والشاهد فننصف القائد فيه ونغبن علم الهدى.
إن في معسكر تحالف يزيد اليوم آلاف القادة المتخمين بأحابيل تاريخ القيادة وفنون الحروب ما مضى وما استجد منها، فكيف ينتصر مثلنا من معدمين حفاة وحديثي سن وخبرة ومحاصرين يقتاتون الكفاف على عرمرم ذلك العتاد والعديد والأدمغة التي يرفل بها تحالف العدوان الكوني؟!
إن الميتافيزيقيا أو غير القابل للتجلي باعتباره غير معقول قد تجلى في ملحمة شعب الأنصار سيداً يضرب بعصا الاصطفاء فراعنة العالم وقوارينه براً وبحراً وجواً فيصيب فيهم بنزر السلاح وبدائيته مقتلاً لا يصيبونه فينا بكل ترسانات القتل الحديثة للعام السابع من العدوان المسنود بنفاق عالمي غير مسبوق.
وأما بنعمة ربك فحدث... وفي الراهن المسكوت عنه من مجريات الصراع وقادمه ما سيطوي زمن يزيد بقبضة الضاربين عرضه وطوله وبارجاته وأساطيله بمشروع الحسين، فالدمعة العاشورائية الساخنة باتت اليوم قنبلة نووية، والدم تمخض سلةً لا قبل للعالم المنافق بوضع اليد على كنهها وأسرارها رغم جلاء فعلها.
ولله جنود السماوات والأرض... وإن كيد الشيطان ويزيده كان ضعيفاً.
قال محور الجهاد كلمته فأنصتوا لدويها على امتداد مسرح الصراع، فالمقاومة دخلت طور الحرب، والمشروع بلغ سن الكينونة بعد الوجود.

أترك تعليقاً

التعليقات