جريمة التطبيع
- محمد الجوهري الأربعاء , 11 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:06:52 AM
- 0 تعليقات

محمد الجوهري / لا ميديا -
لا شيء يخشاه الحكام العرب أكثر من انتشار أي مد ثوري من شأنه أن يطيح بكراسيهم ويقصيهم من السلطة، وهو الأمر الذي استغلته الصهيونية العالمية لبسط نفوذها في العالم العربي، ومن هنا بدأت معادلة «الاستبداد مقابل التصهين».
ولكن هذه المعادلة تقتصر على الظاهر وحسب. أما الواقع فيختلف جذرياً، بدليل سقوط الكثير من الحكام المطبعين، وأولهم الرئيس المصري السادات، الذي قضى نحبه وخسر السلطة والحياة معاً بعد أقل من عامين من توقيعه لاتفاقية «كامب ديفيد»، التي بموجبها انتقلت مصر من قيادة العالم العربي إلى مجرد دولة هامشية خاضعة كلياً للنفوذ «الإسرائيلي».
وكذلك الحال بالنسبة للرئيس الموريتاني ولد الطايع، الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري سنة 1984، وبعدها بعقد ونصف، وتحديداً سنة 1999، أقدم على خطوة التطبيع الكامل مع الكيان، وهو التطبيع نفسه الذي أدى إلى سقوطه بانقلاب عسكري سنة 2005، ليختفي بعدها عن الأنظار بعد أن تحول من رئيس دولة إلى زعيم سابق يعيش على التسول السياسي.
وتكرر الأمر نفسه مع الرئيس التونسي بن علي، والذي تحولت قصة سقوطه إلى نموذج انتشر في أغلب البلاد العربية، ونجح ذلك في الإطاحة بحكام آخرين، دون أن تتمكن رذيلة التطبيع من حماية أصحابها، ولو أن هؤلاء تجنبوا هذه الخيانة لربما نجوا من السقوط أو على الأقل رحلوا عن السلطة بشرف.
الكارثة أن الأنظمة المطبعة لا تكتفي بارتكاب فاحشة التطبيع، وإنما ذهبت لتصدير هذه الرذيلة إلى غيرها من الدول. ورأينا كيف عملت الإمارات على توطيد أقدام الكيان في كل مناطق نفوذها، مثل جنوب اليمن وشمال الصومال وحتى السودان الجريح الذي خسر أمنه واستقراره بمجرد ذهابه إلى الكيان.
ومثل هذا التصدير يزيد حدة الغضب الشعبي تجاه الكيانات والأنظمة المطبعة، فالسقوط المدوي لـ»المجلس الانتقالي» إنما كان نتيجة ترحيبه بالتطبيع، ونسي أن الشعب اليمني من أقصاه إلى أدناه يعادي الكيان ويؤمن بحتمية زواله وتحرير فلسطين من دنس الاحتلال... والمصير نفسه ينتظر حكومة شمال الصومال.
وإذا تجنب أولئك السقوط السياسي على يد شعبهم فإن الأدهى أن يلاقوا مصير السادات الكئيب. كما أن الموت في حد ذاته حقيقة ونهاية حتمية لكل البشر، ومن العار على الإنسان أن يموت قبل أن يتوب من تلك الخيانة. فانتقام القدر أشد وأنكى، ولنا في ملكين من ملوك البلاد العربية عبرة كبرى، فقد امتدت إليهما يد الموت بعد سنوات قليلة من التطبيع مع الصهاينة، فلا أحد مخلد على هذه الأرض.
ختاماً، إنَّ التاريخ لا يحابي أحداً، وسنن الشعوب لا تحيد عن مجراها؛ فالتطبيع لم يكن يوماً طوق نجاةٍ للمستبدين، بل كان دوماً القشة التي قصمت ظهور كراسيهم. إن الرهان على غاصبٍ محتل ضد إرادة الشعوب هو رهان خاسر بالضرورة، والأيام كفيلة بأن تثبت أن من يشتري بقاءه ببيع قضايا أمته، ينتهي به المطاف خاسراً لعرشه وكرامته معاً.










المصدر محمد الجوهري
زيارة جميع مقالات: محمد الجوهري