سورية وكسر الاتجاه
 

موفق محادين

موفق محادين / لا ميديا -
بعد أن اعتقد الباحثون أن التقسيم الكبير القديم للقبائل قد انتهى مع ترسيم الحدود وتمزيق الأمة إلى كيانات بمقياس "سايكس- بيكو"، ها هي الخرائط القبائلية تظهر من جديد على سيف الصحراء شمالاً وشرقاً.
تتعرض سورية لكسر اتجاه يقارب الفانتازيا أحياناً على كل المستويات، السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتاريخي، وليس دخول تنظيم مصنّف على لائحة الإرهاب العالمي مدينة دمشق والسيطرة عليها والترحيب الأطلسي والجماعات الدولية لحقوق الإنسان المزعومة بهذا الدخول هو المظهر الوحيد للفانتازيا وكسر الاتجاه، فتداعياته وأهدافه وسياقاته وآفاقه لا تقل استهجاناً واستغراباً وخطورة.

بعد ألف عام الخوارج يحتلون دمشق
بعد معركة صفين بين جيوش الإمام علي وجيوش معاوية، انشقت مجموعات مقاتلة عن الإمام لقبوله الهدنة والمفاوضات مع معاوية، عُرفت بالخوارج والروافض، ودخلوا في حروب مع الطرفين، وحاولوا الإطاحة بالملك العضوض الأموي ومن تلاه من ملوك، وعادوا إلى الظهور بشكل جديد عبر الحركة الوهابية، وشنّوا حملات عديدة على سورية بدعم من المخابرات البريطانية، محاولين دخول دمشق، بلا جدوى.
اليوم، وبدعم من المخابرات البريطانية نفسها والأطلسية رفقة خصومهم السابقين، الأتراك الذين كانوا يكفرونهم، يدخلون دمشق بأسماء جديدة ويرفعون راياتهم على أسوارها.

من أسياد الإرهاب إلى أسياد السلطة
لم تعد قوى التحرر المناهضة للإمبريالية، ولم تعد الانقلابات العسكرية، هي الطريق الوحيد للسلطة، وطنية أم عميلة، ديمقراطية أم شمولية، فقد صار الإرهاب الرجعي أو الصهيوني خياراً متاحاً للسلطة بدعم من المخابرات الأنجلوسكسونية. وقد يستغرب البعض أو لا يتذكر أن الإرهاب الصهيوني كان سباقاً على هذا الطريق، فالعديد من رؤساء حكومات العدو الصهيوني كانوا مصنّفين على قوائم الإرهاب الدولي قبل أن يصبحوا أسياداً للسلطة، ويحظوا بدعم عواصم النظام الرأسمالي وأدواته الأخرى في كل مكان، ومن هؤلاء شامير وبيجين. أما على صعيد العالم الإسلامي، فالأبرز، الصومال وأفغانستان وغرب ليبيا، وأخيراً سورية.
إلى ذلك، فإن الغطاء الخطير لتبرير التعامل مع هذه الظواهر هو ما أقره المشرّع الأوروبي باسم سلطة الأمر الواقع، التي تتعزز بين الحين والآخر بدلاً من مراجعتها في ضوء معايير محايدة محددة.

من يصرف الانتباه عن "القاعدة" في سورية
عندما هبّت رياح الفوضى الأطلسية على سورية 2011، وتبيّن أن السمة العامة لها أصولية تكفيرية، مقابل نشاط باهت لجماعات الثورات الملوّنة، سارعت وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية والنفطية والملوّنة إلى إزاحة "القاعدة" من المشهد وصرف الانتباه عنه، وتضليل الرأي العام بتضخيم الجماعات المعارضة الأخرى، وأعلن اليهوديان الأمريكيان، دافيد بولاك وفريدمان، أن الحديث عن "القاعدة" وأمثاله فزاعة سورية رسمية لمنع الرأي العام من التعاطف مع ما سمّياه بالثورة السورية.
ولم يمضِ وقت قصير حتى عرف العالم كله أن الثورة المزعومة ليست سوى "القاعدة" باسم "جبهة النصرة" التي تحوّلت لاحقاً إلى "هيئة تحرير الشام".
اليوم، ومنذ سقوط دمشق، تكرّرت اللعبة نفسها عبر وسائل الإعلام نفسها، مع نمط جديد من الإزاحات لا ينكر دور "القاعدة" الأساسي هذه المرة، بل يؤكد ذلك بأقنعة هشة باسم "الإدارة العسكرية" بدل "هيئة تحرير الشام" فرع "القاعدة" في سورية، وتحوّل الجولاني من زعيم لهذا التنظيم الإرهابي إلى قائد سياسي وعسكري لما يسمّى "الإدارة العسكرية".

المتأسلمون على خطى المستعربين
معروف للجميع ظاهرة المستعربين التي صنعتها المخابرات الصهيونية لاختراق الوسط الفلسطيني والعربي وبمستويات خطيرة للغاية، على غرار الجاسوس الصهيوني، إيلي كوهين، الذي عمل في سورية باسم إياد أمين ثابت، وكان مقرباً من الرئيس السوري الأسبق، أمين الحافظ، الذي هرب إلى العراق واستقر هناك بعد حركة شباط/ فبراير 1966 في سورية.
إلى جانب هذه الظاهرة، ولدت ظاهرة مشابهة هي "المتأسلمون"، التي بدأتها المخابرات البريطانية باختيار أسماء معظمها من أصول يهودية وتدريبها على اللغة العربية والفقه الإسلامي واختلافات الفرق، وذلك عبر قسم خاص في هذه المخابرات لا يزال قائماً منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، ومن هؤلاء:
- الرحّالة وعالم الآثار والحفريات السويسري بيركهارت، الذي اكتشف البتراء والكرنك، وجرى تجنيده من المخابرات البريطانية الخارجية كوسيط مع الحركة الوهابية باسم "الشيخ إبراهيم بن عبد الله اللوزاني".
- الصحفي النمساوي اليهودي ليوبولد فايس، الذي كان مراسلاً لصحف بريطانية في الهند، وقد درّبته المخابرات البريطانية في كامبريدج، كما درّبت بيركهارت من قبله، وزرعته في رابطة العالم الإسلامي في الهند لتحويلها من رابطة تدعو إلى اللامركزية، إلى رابطة تدعو إلى استقلال المسلمين، والذي أدى إلى انفصال باكستان لاحقاً، وقد أنجز فايس مهمته بإعلان إسلامه باسم الشيخ محمد أسد، وكان أول ممثل لباكستان في هيئة الأمم.
- أيضاً، وعلى خطى المخابرات البريطانية، أقامت المخابرات الصهيونية الجامعة الإسلامية في "تل أبيب"، وكان من خريجيها العديد من قادة الجماعات الأصولية التكفيرية.

المشترك بين الإرهاب الأصولي والإرهاب الأنجلوسكسوني
بالإضافة إلى الدور الأنجلوسكسوني الواضح والفاضح في سقوط سورية وتسليمها للإرهاب، وتحويلها إلى نموذج لكل الجماعات الإرهابية التكفيرية في العالم، وبث الروح فيها نحو غنائم السلطة، ثمة قواسم مشتركة بين الإرهابَيْن، الأصولي والأنجلوسكسوني، من جذورها كرومويل وسيطرته على بريطانيا، وكالفن وسيطرته على سويسرا، وحركة المستوطنين الأنجلوسكسون في أمريكا الشمالية وغيرها وتجنيس مرتزقتهم وتجنيدهم في جيوش الاستيطان، تماماً كما يحدث في سورية من تجنيس واسع لمرتزقة الإيغور وغيرهم.

سورية الإبراهيمية والماسونية
معروف أن الإبراهيمية السياسية المتداولة تأويلات مشبوهة لصرف الانتباه عن حقيقة الصراع مع العدو الصهيوني، وتصويره كصراع بين أبناء إبراهيم آن له أن يتوقف، ويتحوّل إلى شرق أوسط متصهين ضمن معادلة المركز "الإسرائيلي" والتأويلات الصهيونية لأبناء سارة وهاجر، سادةً وعبيداً.
وليس بلا معنى، أولاً، أن معظم الجماعات الأصولية تتبنى هذا الفهم للإبراهيمية السياسية كغطاء للتعايش أو التحالف مع العدو الصهيوني وتوجيه البنادق في سياق احتقانات طائفية معروفة، وثانياً بالتزامن مع إعادة الماسونية إلى سورية وفتح محافلها التي ظلت مغلقة منذ عهد الوحدة المصرية - السورية برئاسة جمال عبد الناصر وإلى ما قبل سقوط سورية.

سورية - العراق.. المصالحة الممنوعة
في قول للسياسي العراقي علي صالح السعدي، إن العلاقة السورية - العراقية محكومة بالاختلاف المزمن ومحظور عليها، بريطانياً وأمريكياً وصهيونياً، الالتقاء والتفاهم، ويتوقف العديد من الباحثين عند التاريخ الممتد لهذه العلاقة الباردة، من العهد الأموي والعباسي والفاطمي والأيوبي إلى الأزمان الحديثة، فحتى عندما كان رجال الغرب يحكمون سورية والعراق لم تتغير الحال.
وفي رأي علي صالح السعدي، إذا كانت الطبيعة المذهبية للحكم في العراق من لون معين، فيجب أن تكون في سورية من لون آخر، وهو ما يعني أن كل ما يقال اليوم بعد سقوط دمشق حول العراق كحلقة تالية كلام لا ينسجم مع التقاليد التاريخية، فوجود جماعة أصولية في دمشق هدف أمريكي بحد ذاته للإبقاء على التقاليد المذكورة.

"إسرائيل التركية"
معروف أن الكيان الصهيوني ("إسرائيل" اليهودية) أكبر ذراع للإمبريالية العالمية، البريطانية ثم الأمريكية، وصار موديلاً لأخطر الكيانات الوظيفية في العالم، من نمط كولومبيا قبل تحريرها وكانت تعرف بـ"إسرائيل اللاتينية" وكذلك ليبيريا في أفريقيا.
اليوم، بل منذ ربيع الفوضى، تحاول تركيا بناء كيانات وظيفية تابعة لها باسم الإسلام السياسي الناعم أو الخشن على حد سواء، وبحيث يتحوّل هذا الكيان، دولة أو منطقة أو مدينة مثل مدن غرب ليبيا، إلى كرة ثلج طورانية تبلع المزيد من المناطق المجاورة، ومن الواضح أنها اليوم تسعى إلى تحويل سورية بعد سقوطها بيد الأصوليين إلى كيان وظيفي مشابه.

التحالف الموضوعي مع "تل أبيب" بذريعة الخطر الإيراني
منذ عقود والصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل، وحتى وفاته وهو يحذّر من محاولات المخابرات الأطلسية إقامة تحالف على الأرض بين الإسلام الأطلسي بفروعه المختلفة وبين العدو الصهيوني بذريعة الخطر الإيراني.
وعندما اندلعت الأزمة السورية، كتب الصحفي الصهيوني سيميدار بيري، في جريدة "يديعوت أحرونوت"، الصادرة بتاريخ 5/ 3/ 2012 (إضافة إلى ضرورة منع دمشق من هزيمة الجماعات الأصولية المسلحة ليس على "إسرائيل") أن تقلق "إسرائيل" من نشاط القاعدة وغيرها هناك، وظهرت خطورة هذا الاستنتاج في مكان آخر هو السودان بعد سقوط البشير وتسليم الحكم لجنرالات جدد ترعرعوا داخل عباءة الإسلام الأطلسي، واستكملوا ما سبقهم إليه جعفر النميري الذي ما إن تخلى عن الناصرية وأعلن إسلامه السياسي على الطريقة الأطلسية حتى التقى ضباطاً من الموساد الصهيوني ونسق معهم صفقة يهود الفلاشا المعروفة، فكان أول نشاط لجنرالات السودان الجدد وبحجة رفع العقوبات الالتقاء مع نتنياهو.
وبالمثل، التصريحات المتواصلة لقادة "هيئة تحرير الشام" بعد سقوط دمشق، والتي أعلنت تنصلها من الصراع العربي - الصهيوني وإعرابها عن الاستعداد للسلام مع العدو الصهيوني بدءاً من الجولان نفسه، مروراً بعبيدة الأرناؤوط وانتهاء بالمحافظ المعين لدمشق.

إسقاط دمشق على طريق اختلاق تناحرات طائفية مع العراق وإيران
منذ الثامن من كانون الأول/ ديسمبر فصاعداً، فإن الخطاب الذي سيطر على سورية، سواء على صعيد الإعلام والتعبئة والمناهج الدراسية أو التحالفات السياسية مع واشنطن ولندن وإسطنبول وجماعات النفط والغاز المسال، سينطلق من أفكار التعايش العلني والتطبيع السري وربما غير السري مع العدو الصهيوني، وفي المقابل، سيأخذ بعداً تصعيدياً في ما يخص افتعال تناحرات طائفية ومذهبية مع العراق وإيران.
فهذا التصعيد واحد من الأسباب الأساسية التي توافقت عليها عواصم الأطلسي مع "تل أبيب" وأنقرة والرجعية العربية قبل تسليم دمشق للأصوليات التكفيرية.

"مرج دابق" و"كالديران" جديدتان أم رجل تركي مريض آخر؟!
في العقد الثاني من القرن السادس عشر، ومع تحوّل طرق التجارة نحو البحر الأسود وبحر قزوين، صعدت الإمبراطورية العثمانية بالتواطؤ مع المدن الإيطالية للسيطرة على التجارة العالمية، وكانت هذه المدن قد طوّرت في القرن السابق، الخامس عشر، الأسطول البحري العثماني لدك أسوار القسطنطينية وفتحها لهذه الغاية، فضلاً عن رغبتها في إنهاء سيطرة الأرثوذكس على المسيحية الدولية.
هكذا بين العامين 1514 و1516، تمكّن العثمانيون بدعم المدن الإيطالية من الاستيلاء على سورية ومصر وهزيمة المماليك (سنّة متشددون) في معركة "مرج دابق"، ومن الاستيلاء على العراق بعد هزيمة الصفويين في معركة "كالديران".
هذه الأيام، وبعد سقوط دمشق بدعم العثمانية الطورانية الجديدة ("مرج دابق" جديدة بلا قتال)، هل يتحوّل الربيع التركي - الإيراني إلى شتاء دموي تحت ظلال الأوهام الإمبراطورية العثمانية الأطلسية؟! أم تتحوّل تركيا إلى رجل مريض آخر، كما حدث معها ابتداء من القرن التاسع عشر، خصوصاً أن الفسيفساء التركية أصبحت أكثر حساسية للنار ولا تقتصر على الكرد وحدهم، وثمة رغبات دفينة في أكثر من عاصمة أوروبية لتمزيق تركيا قد تتقاطع مع مخاوف روسية من أي توظيف أمريكي - بريطاني للإسلام العثماني المحيط بروسيا؟!

من قلب محور المقاومة إلى قلب المحور المضاد
بحسب مفكري الجيوبولوتيك الكبار، أمثال البريطاني ماكندر، فمن يسيطر على أوراسيا وقلبها "الهارت لاند" الشمالي الروسي، وكذلك الجنوبي الشرق أوسطي، يسيطر على العالم.
في ذروة الصراع العالمي أواخر سبعينيات القرن الماضي، حاولت موسكو قطع الطريق على الامبريالية الأمريكية، وخصوصاً بعد "كامب ديفيد" وانكشاف استراتيجية حرب النجوم التي تكرّست بعد ذلك بسنوات، وسعت موسكو إلى بناء وتدعيم أكبر محور في الجنوب والشرق العالمي، ابتداء من أفغانستان مروراً بإيران والعراق وسورية وصولاً إلى البحر المتوسط، حيث كانت الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية تلعب دوراً أساسياً في لبنان.
فدعمت موسكو انقلاباً يسارياً في أفغانستان، وأيّدت الثورة الإيرانية، وشجّعت سورية والعراق على تخطي خلافاتهما وتوقيع ميثاق تعاون ثنائي عربي بينهما، وسمحت بوصول أسلحة متقدمة إلى لبنان الوطني؛ لكن الرياح لم تجرِ كما تشتهي سفن موسكو وحركة التحرر على امتداد هذا المحور، فنجحت المخابرات الأمريكية والبريطانية والباكستانية والرجعية العربية في إسقاط الحكم الوطني في أفغانستان واخترعت وموّلت ما يُعرف بحركة الجهاد الإسلامي.

بالتزامن مع ذلك، تم إقصاء أحمد حسن البكر عن رئاسة العراق وتردّت العلاقة السورية -العراقية وانطلقت الحرب العراقية -الإيرانية، وكانت الحلقة التالية الخطيرة الاجتياح الصهيوني للأراضي اللبنانية وضرب القوات السورية في البقاع وتوقيع اتفاق 17 أيار بين لبنان والعدو، وتسليح الجماعات الأصولية والرجعية ودفعها إلى الداخل السوري وإطلاق عملياتها الإجرامية بدءاً من تنفيذ مجزرة تلاميذ مدرسة المدفعية في حلب 1979.
من المعروف أيضاً أن الحركة الوطنية اللبنانية أسقطت اتفاق 17 أيار، وفشلت الحملة الأصولية المسلحة على سوريا، وعادت فكرة المحور المناهض للتحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي مع "طوفان الأقصى"، وأصبح الصراع على "الهارت لاند" الجنوبي أكثر شدة، ولايزال وسط إخفاقات كبيرة أبرزها الاغتيالات التي طالت قادة كباراً من رموز المقاومة وإسقاط الدولة السورية برمتها.
الملاحظ من كل المحطات السابقة الدور الجيوسياسي الهام لسوريا بوصفها أهم "جسر ستيت" لمحور المقاومة وأهم "بافر ستيت" في العقل الإمبريالي الصهيوني الرجعي.

التخريب لإعادة التبعية باسم إعادة الإعمار
بحسب كتاب ناعومي كلاين "عقيدة الصدمة"، فإن العديد من بلدان الجنوب والشرق التي استهدفت بحروب مدمّرة بذريعة التغيير واستبدال الديكتاتوريات بالديمقراطيات، لم تتعرض هذه الامتحانات الدامية بنيات حسنة ناجمة عن مواجهة الفساد والاستبداد، بل في سياق الاستراتيجيات الجديدة للامبريالية وهي الهروب من أزماتها البنيوية، نحو أشكال من الحروب والفتن المذهبية والجهوية وإلحاق أكبر قدر من الدمار بالبنى التحية.
وتلاحظ كلاين أن الحروب والفتن المذكورة تركز على التدمير العام أكثر من استهداف العسكريين، والهدف هو إنعاش الشركات والمؤسسات الرأسمالية تحت عنوان إعادة الإعمار، كما من أجل إعادة إنتاج التبعية وفق مبادئ مدرسة شيكاغو، فلسفة السوق المتوحشة.
وتقدم كلاين عشرات الأمثلة على ذلك في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والعراق (دور شركة بكتل) ونضيف إليها سوريا والجرائم الصهيونية في غزة.

من قلب العروبة إلى قلب الطائفية
في ضوء المعركة على الهوية العربية عموماً وعلى سوريا خصوصاً، وفي ضوء اعتماد العلم الطائفي الذي سبق وصممه الاستعمار الفرنسي لسوريا وصار اليوم بديلاً من علم الوحدة مع مصر الناصرية، من المتوقع تغيير اسم الجمهورية العربية السورية، ليصبح مثلاً الجمهورية السورية أو سوريا الاتحادية أو أي اسم آخر يخلو من العروبة.

تفريغ سوريا من تقاليدها الثقافية
كانت مواجهة التخلف والطائفية والرجعية ركناً أساسياً في خطاب التحرر العربي، الذي لم ير النور كخطاب سائد منذ قرن على الأقل واصطدم مع ممثلي التناقضات الأساسية والثانوية على حد سواء.
وفي المقابل، كان تكريس التخلف والرجعية والطائفية هدفاً ثابتاً على جدول أعمال التحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي، وبالكاد سمح لأشكال من التحديث وليس الحداثة ومن الفنون والثقافة الرديئة، وعندما استشرت الظاهرة الأفغانية الرجعية راحت أقلام الاستخبارات والاستشراق الأطلسية تعمل على تعميمها في الوطن العربي، بدءاً من الصومال والسودان وانتهاء بالهلال الخصيب الذي يتضمن حاضرتين من حواضر الأمة وهما بغداد ودمشق.
هكذا، وتحت شعار استبدال أنظمة الحرس البيروقراطي القديم بأنظمة ديمقراطية مدنية وإطلاق الثورات الملوّنة والأوساط الليبرالية المزعومة تحت الشعار المذكور، كان الهدف الحقيقي تسويق التخلف والطائفية عبر الجماعات الأصولية التكفيرية، ومن ذلك الحرب على الآثار الثقافية، فلم يسلم أثر أو موروث معرفي ووطني من عبث الأصوليات المذكورة سواء لقيمتها المعرفية مثل تماثيل أبي العلاء المعري أو لقيمتها الوطنية والأدبية مثل تمثال الشاعر والفارس أبي فراس الحمداني الذي قاتل الروم ووقع أسيراً عندهم، ومثل الشاعر العراقي صفي الدين الحلي لأن المؤتمر العربي الذي انعقد في بيروت 1913 اشتق من قصيدته ألوان العلم العربي الذي لا يروق بالتأكيد لبيارق التكفير والعثمنة.

آفاق منظورة
بالإضافة إلى حتمية اندلاع المقاومة السورية الشعبية بالنظر إلى التاريخ الوطني في سوريا، وإلى الطبيعة الرجعية الإرهابية للمجموعات التي استولت على السلطة:

الأطلسي يوحّدهم والغاز يمزّقهم
بقدر ما تمكّنت أقلام الاستخبارات الأطلسية من توحيد قبائلها الأصولية في (غزوة الأحزاب) التي اجتاحت سوريا لإخراجها من محورها السابق وإدخالها في محور الغرب -النفط -"تل أبيب"، بقدر ما أدخلتها في تنافسات داخلية مفتوحة على كل الاحتمالات، وبينها التنافس على أسواق الغاز.
كان واحدا من أسباب الحرب المبكرة على سوريا، رفضها استبدال الجغرافيا السياسية للغاز الإيراني -الروسي بأخرى للغاز القطري والاتفاقيات مع العدو الصهيوني، واليوم ثمة تنافسات أخرى بين الغاز القطري وغاز الساحل الفلسطيني -اللبناني الذي يحتله الكيان الصهيوني، بينما تقف إسطنبول حائرة بين هذين الحليفين، ومن المرجح في ضوء ذلك أن نشهد تداعيات غير متوقعة، تعزز المتوقع من التشظية الطائفية والجهوية التي تنتظر سوريا.

انفجار بدوي على سيف الصحراء بنكهة إرهابية
بعد أن اعتقد الباحثون في التاريخ والأنثروبولوجيا الاجتماعية، أن التقسيم الكبير القديم للقبائل قد انتهى مع ترسيم الحدود وتمزيق الأمة إلى كيانات بمقياس "سايكس -بيكو"، ها هي الخرائط القبائلية تظهر من جديد على سيف الصحراء شمالاً وشرقاً، قبيلة كلاب القيسية وقبيلة كلب اليمنية، قبائل عنزة وقبائل شمر، وغيرها.
ومن اللافت للانتباه في البادية السورية والعراقية وامتداداتها أن العديد من الجماعات الأصولية انبثقت من عنزة التي تنتمي إليها عائلات في السعودية وقطر، مقابل انبثاق جماعات أخرى من طراز الصحوات من شمر وكذلك بعض الجماعات المنخرطة مع "داعش".

أترك تعليقاً

التعليقات